الرئيسية » مقالات » فساد لدولة أم دولة لفساد

فساد لدولة أم دولة لفساد

أن ألذي يجري في ألعراق قد يكون مربكا للبعض ومحيرا للبعض الآخر , أما ألسؤال ألذي يتعامل مع ذلك ألأرباك ومع تلك ألحيرة فهو , هل أن فساد ألكثيرمن ألمسؤولين في – حكومات ألعراق ما بعد صدام – هو ألمسؤل عن فساد ألنظام , أي هل أن فساد ألأشخاص قد سبق وأدى الى فساد ألنظام أم أن ألعكس هو ألصحيح, أي أن فساد ألأشخاص هو أحد تداعيات ألنظام ألفاسد , هنا نحن نواجه بلا شك أشكالية – ألبيضة وألدجاجة- , واذا ما أستبقنا ألبحث لكي نرتب ألمعادلة بشكل معقول فلسوف نقول , ان هناك نظاما فاسدا قد أقيم فأطلق ألعنان لفساد عناصره ألمهيئين أصلا لهذا ألفساد .
وأذ نرى أن ذلك ألفساد قد تجاوز ألمعقول , بشكل غير معقول , يحق لنا بألتالي أن نفهم أن ألنظام ألفاسد وألأشخاص ألمفسدين أصلا هم مركب واحد لا يمكن ولايجوز فصل عناصره .
فلو تهيأ ان كان هناك نظاما صالحا تسلمه أشخاص فاسدون لتطلب أفساد ألنظام بألشكل وبألسرعة ألتي تم فيها سنوات طويلة .
ولو كان هناك نظاما طالحا تسلمه أشخاص صالحون لتطلب أفساد ألأشخاص فترة أطول بكثير من تلك ألفترة ألتي حدث فيها .
, لذلك يحق لنا أن نفهم , أن ما حدث كان يحتاج لكي يحدث , ألى هذا أللقاء ألفريد بين نظام فاسد أصلا وبين أشخاص مفسدين في نفس ألوقت .
ان ألعرب ليسوا وحدهم من قال , أن ألناس على دين ملوكها , وفي ألفترة ألتي حكم فيها صدام حسين فان عقيدة – ألأفساد ألمنضبط – كانت تعمل بأقصى طاقة لكي تصبح جزءا لا يتجزأ من عقيدة ألحكم ألصدامية .
ولكي لا يكون هناك – حد أحسن من حد – فلقد عمل صدام على أن يدخل جميع عناصر طبقته ألحاكمه في ألميدان ألذي لم تألفه ألحكومات ألعراقية ألسابقة وحتى فترة استلامه للمسؤلية ألأولى في ألدولة ألبعثية , الا وهو ميدان ( ألفساد ألمنضبط ) , وكان ذلك قد اقتضته ضرورات حماية نظامه ألعائلي وألعشائري ألفاسد , وما كان صدام بحاجة الى مزيد من ألألتواء لكي يدرك أن أهمية ذلك أنما تتقدم على أهمية كل مؤسساته ألقمعية , فوجود أشخاص صالحين في هرم سلطته ألفاسدة هو مشروع لمؤامرة تحت ألتأسيس , وألحل كان يقتضي أن تكون كل خطوط ألسلطة وكوادرها ألمتقدمة في كل مؤسسات ألدوله جزءا لا يتجزأ من ألمنظومة ألفاسدة للدولة , أما ألبقية من مريدي ألدولة , وفي جميع ميادينها سواء على مستوى ألحزب أو ألجيش أو جهاز ألدولة ألوظيفي فلقد كان عليهم أن يعتاشوا على ألشعارات ألتي كان صدام خبيرا في تسويقها .
ومن ألطبيعي أن يرفض ألكثيرون ذلك , فلفترة قصيرة كان ممكنا للنظام أن ينجح في غسل ألعقول , غير أن رؤية صدام يوميا وهو يتصرف بخزينة ألدولة فيعطي ذاك مزرعة ويعطي ألآخر سيارة فارهة , ورؤية عدي في شوارع ألكرادة وألمنصور وهو يغير سيارته تبعا للون قميصه , وسماع ألأخبار عن مغامرات قصي ولؤي خيرألله وأبناء ابراهيم ألحسن , وانتشار ( ألويلاد ) للأستمتاع بملذات ألدنيا , كل ذلك كان قد ساهم بانتشار ألفساد أفقيا , فلم يعد معقولا ولا مقبولا أن يرى ألموظف , ألذي أفقرته حروب ألنظام , رئيسه وهو يوزع ألعطاءت من خزينة ألدولة بذات أليمين وذات ألشمال دون أن يحرك ساكنا لكي يكرم نفسه على طريقته ألخاصة .
وسرعان ما تحولت دوائر ألدولة ألخدمية الى دكاكين شخصية ولم يعد حينها مقدرا لأية معاملة , شخصية كانت أم تجارية , أن تمر دون رشوة , وما كان ذلك ليتعارض حقا مع رغبات صدام وفلسفته لبناء ألدولة , اذ أنه كان يعي ان ذلك كان أحد تداعيات نظرية ألحكم ألقائمة على ألعشيرة أولا وعلى حماة نظامه ألمفسدين , ولذك أصبح ألفساد – ألمنظم – أو – ألموجه – أو- ألمنضبط – جزءا لا يتجزأ من فلسفة ألنظام ذاته , ولأنه كان كذلك ولم يكن نتاجا لفوضى أو تعبيرا عن أنفلات , فلقد أقتضى ألأمرأن لا يخرج ذلك ألفساد عن حجم معين وأن لا يتخطى خطوطه ألحمراء , فأصبحت نظرية ألحكم قائمة في بعض جوانبها على عقيدة ألفساد ألموجه وألمعقول .
وكان من شأن ذلك , مضافا أليه قوة وشكيمة أجهزة ألحكم ألقمعية أن يجعل أستمرار ألدولة ألعشائرية أمرا مضمونا , لأنه لم يكن بمقدور تلك ألدولة أن تستمر بوجود قيادة فاسدة لأجهزة خيرة , وفي نفس ألوقت أيضا لم يكن في صالح تلك ألدولة أيضا أن يجتاز ألفساد خطوطه ألحمراء , اذ كان كلا ألأمرين , غياب ألفساد من جهة أو تجاوزه للخطوط ألحمراء كان كفيلا باضعاف ألدولة وألتعجيل بانهيارها , ولذلك لم يكن غريبا أن يلجأ صدام حسين الى أصدار ألتوجيهات أو ألقوانين ألتي تخلق ألفساد أو تلك ألتي تضبطه وتوجهه . فنراه مثلا حينما أصبح عاجزا من ألأستمرار في ضخ مكارمه وعطاياه بفعل ألحصار ألدولي بعد غزو ألكويت يسرع الى اصدار أمر بدعوة ألأحتياطي للتدريب لفترة شهرين في كل فترة وهو أمر لم يكن ألجيش ولا ألنظام بحاجة اليه أساسا , فبعد ألكويت فان قرارات ألأمم ألمتحدة أقتضت تقليص ألجيش وكذلك فأن حاجة ألنظام الى جيش ضخم قد تراجعت الى حد كبير ولهذا نراه يغض ألنظر تماما عن تصرف مؤسسته ألعسكرية بتحويل ذلك ألقرار الى مجال للأرتزاق عن طريق أعفاء ألمشمولين بتلك ألدعوى بعد تقديمهم لرشوة باهضة .
وما كان صدام عاجزا عن معرفة ما يدور في دولته , اذ أن مؤسساته وأجهزته ألأستخبارية كانت كفيلة بحساب كم نقرة ينقر ألعصفور في أليوم , غيرأنه كان يعتبر ذلك دليل دهاء, وحاجة ماسة محكومة بألظرف وبألمرحلة ., ولذلك نراه يلجأ في كل مرة , ولكي لا يخرج ألفساد عن حجمه وانضباطيته ولكي لا يتجاوز خطوطه ألحمراء , ألى اصدار بعض ألقوانين ألتي تضبط ايقاع ذلك ألفساد بألترنيمة ألتي تجعله أكثر تناغما مع معزوفة ألدولة , وحتى لا يتحول الى نوع من أنواع ألعزف ألمنفرد , فنشاهده وهو يلقي ألقبض على هذا ألمدير أو ذاك وقد يحكمه بألمؤبد أو حتى يعلقه على شجرة مصلوبا أمام أعين ألجميع , ألذين بات عليهم أن يدركوا أن للفساد شروطه لأنه عبارة عن نشاط دولة وليس نشاطا منفلت أوغير خاضع الى فلسفة أو اعتقاد .
لقد كان صدام يعتقد ان ذلك ألنوع من ألفساد هو مصدر قوة وليس مصدر ضعف , وهو خيار اقتضته نظرية ألحكم ألقائمة على ألأهل وألعشيره وألحاجة الى اختراق ألمبدئية ألعراقية ألعالية ألسابقة بالأتجاه ألذي يكفل تغييب أو تضييق رقعة ألتناقض ألأخلاقي مع عقلية وممارسات ألعشيرة ألحاكمة ألأمر ألذي يضمن قدرا أعلى من ألأمن وألأمان .
وألآن فان بامكاننا أن نتساءل , هل هناك فروقات مبدئية بين حالة ألفساد في ألعهد ألصدامي عما هي عليه ألآن في هذا ألعهد ألجليل .
لا أعتقد أن هناك ثمة فرصة للأجابة بغير نعم كبيرة, فها هو ألنظام ألجديد يرفض أن يتقدم عليه أحد في هذا ألمجال , وربما كان تنازله للصومال عن ألمركز ألأول هو من باب درء ألحسد لا غير .
نعم هناك فرق كبير سواء على مستوى أسباب ألفساد أو على مستوى حجمه وقبل كل ذلك على مستوى تعريفه .
بدء كان هناك نظام فاسد أنتج أشخاصا فاسدين أما ألأن فان هناك ترابط وتفاعل بين فساد ألنظام وفساد ألأشخاص الى ألحد ألذي لم تعد هناك حكمة للبحث في من يسبق من , لذلك جاء ألفساد انفجاريا وسريعا ووبائيا ,وليس من حق أحد أن يلقي بأللوم فقط على ألأحتلال رغم أنه لا سبيل الى نكران دوره .
ان نظام ألمحاصصة مثلا أدى الى تحويل مؤسسات ألدولة ألى أقطاعيات موزعة على أحزاب , وبدءا راحت تلك ألأحزاب تتصرف باقطاعياتها بشكل لا يخضع لسلطة ألدولة ألمركزية , لأن هذه ألسلطة لم تكن موجودة أساسا , وليس هناك أمل بقيامها أبدا أذا استمر نظام ألمحاصصة قائما , لذلك فليست هناك فرصة حقيقية لتأسيس ولاءات خارج ميدان ألولاء للحزب أو ألميليشيا .
ثم أن هذه ألأحزاب ألتي لم تكن تملك قواعد حقيقية في ألداخل كانت بحاجة ماسة الى أعضاء وموالين , لكي تتمكن على ألبقاء أولا وعلى حسم مواقعها ألولائية ثانيا , والى ألتنافس أو ألتدافع أو ألتقاتل مع ألأحزاب ألأخرى من أجل مكان في ألصدارة , لذك فأن حاجتها الى ألأرصدة ألمالية ألضخمة كانت ماسة وعاجلة .
وبغياب أي نشاط أقتصادي للدولة ألمركزية , بسبب غياب هذه ألدولة أساسا أضافة الى حالة ألتمترس ألتي خلقها ألأرهاب ألمجرم, فأن بعض الناس لم يكن أمامها لكي تعيش أو لكي تضمن أمنها سوى ألتوزع على هذه ألأحزاب , وبهذا خلق هذا ألتضخم في ألأعداد ألمنضوية لهذه ألأحزاب ألحاجة ألى ميزانيات تمويلية ضخمة ولم يعد ممكنا أن يبقى قياديوا هذه ألأحزاب وكوادرها خارج دائرة ألمنفعة ألمباشرة فدخلوا ميدان ألحرام من أوسع أبوابه , وتحولت مؤسسات ألدولة الى دكاكين للأشاص وألأحزاب وتحول ألفرهود من نشاط أستثنائي الى نشاط يومي , ومن نشاط موجه ومسيس كما كان في عهد صدام الى نشاط منفلت و حق شخصي مشروع .
وعلى مستوى كبير من ألأهمية يجب ألنظر الى أهمية ألعامل ألديني وتأثير ألأسلام ألسياسي لجعل ألفساد يبدو وكأنه ممارسة مشروعة وبينما كان ألدين ألمحيد في عهد صدام يبدو وكأنه من أهم صمامات ألأمان ألتي تحول دون انفجار ألفساد وبائيا فان دخوله الى حلبة ألسياسة وانتظام ألكثير من رجالاته في لعبة ألفساد وألأفساد وعزوف ألمتبقي عن لعب دور ريادي في مكافحة هذه الآفة أدى الى انهيار ألخطوط ألأخلاقية وألدينية ألحمراء ومهد ألطريق لكي ينتقل ألفساد من مستوياته ألعمودية الى مستويات افقية واسعة وبهذا فقد جرى تخريب ألدين وألدنيا , ولم يعد متوقعا للوعي ألشعبي ألعام ألذي يعيش أعلى درجات انحطاطه أن يحتفظ بمنظومة قيمية واخلاقية بمنأى عن تأثير مباشر لرجل ألدين وسرعان ما صار ألحرام حلالا .
عمليا بدأ ألنظام ألجديد رحلته من خلال ثقافة ألفرهود , وكان هناك ألكثير مما يدعم هذه ألثقافه , ولم تكن سياسة ألنظام ألسابق ألتي أدت الى تجويع ألشعب في وقت كان يجري فيه توزيع ألغنائم على ألمريدين بمنأى عن خلق ثقافة ألتضاد مع ممتلكات ألدولة واعتبار ألأستيلاء عليها جزءا من استرجاع لحقوق مشروعة أو عملية استيلاء على غنائم لعدو, وكان من ألسهولة تلمس حقيقة ان الجدار ألعراقي أصبح هشا وقابلا للأنهياربفعل ألموروث وألمتراكم ألنقيض , وكان ألوقوف لاعادة ترميم ذلك ألجدار واسناده من جديد على قوائم كونكريتية صلبة يتطلب حقا رجالا أتقياء وحتى أنبياء , غير ان ما حدث كان على ألعكس تماما , اذ جاء ألكثيرون من رجالات ألعهد ألجديد , جوعى سلطة وجاه ومال فصار انهيار ما تبقى من ألجدار أمرا طبيعيا ومؤكدا .
ومع كل هذا ألذي يدل على ألدور ألأساسي للأشخاص في جعل هذا ألفساد أللامعقول يبدو معقولا , أعود الى ألقول ان ما جعل هذا ألفساد ينتقل من كونه حالة ظرفية لكي يكون حالة تاريخية , ومن كونه حالة محدودة لكي يكون وباء عارما , هو هذا أللقاء ألفريد بين ألحالة وبين ألأشخاص ألمستفيدين منها , حتى بات من ألصعوبة في بعض ألأحيان ألتمييز بين ألسبب وألنتيجة أو على ألأقل ألتمييز بين من سبق من , ألحالة ألفاسدة أم ألأشخاص ألفاسدين .
أن هؤلاء ألشخوص ألذين كانوا يعيبون على عراقيي ألداخل تلوثهم من ألتعايش مع نظام صدام , كان ألكثير منهم نفسه قد تلوث بسبب طول غربته ووجوده في بلدان كان يشترط فيها ألصراع من أجل ألبقاء عمل ألكثير من ألأشياء ألتي جعلته ألواحدة منها يدخل ميدان ألتلوث من أوسع أبوابه , ولقد كان من أشكال ألتلوث تلك ماهو سياسي وما هو اجتماعي فلم يكن غريبا ان نسمع أن فلانا كان يتعاون مع مخابرات ألدولة ألتي يتواجد فيها , لا عن قناعة سياسية وانما بدافع من ضرورات معيشية , وان هناك من تاجر بألحرام بأشكاله ألمتعدده , ولربما كانت ألمتاجره بتهريب ألبشر من أقل ألتهم وقعا وأصغرها حجما , وان ما عجل بذلك وجعله يتحول الى أعراف وشرائع أن فترة ألنفي كانت قد طالت كثيرا وان ألمراهنة على أمكانات تغيير ألنظام ألصدامي قد بدأت تتحول الى حلم لذلك توجه هؤلاء الى ألبحث عن مصادر رزق لم يكن ألحصول عليها بألأمر ألهين , أو عن رزق ما كان ممكنا أن يمر دون تلوث وأتساخ أو دون تنازلات مهينة.
في عهد صدام حسين كانت هناك سياسة فساد أما في ألعهد ألشفاف فقد صار هناك فساد سياسة .
في ألأول كان ألفساد موجها لأغراض بناء ألدولة وحمايتها , أما في ألثاني فان ألدولة صارت موجهة لأغراض بناء ألفساد وحمايته .
ولهذا صارهناك فرق كبير بين فساد لدولة وبين دولة لفساد .
http://iraqshabab.net/index.php?option=com_content&task=view&id=9809&Itemid=39