الرئيسية » مقالات » الموضوعية …في وسائل الاعلام الغربية

الموضوعية …في وسائل الاعلام الغربية

حدثين بارزين جذبا اهتمام وسائل الاعلام الالمانية في الاسابيع الماضية اولها عزل السيد ديتر هينك من منصبه كمراسل لوكالة الانباء الالمانية في الصين بحجة موالاته لها والحدث الثاني هو عزل الصحفية الصينية تشانغ دان هونك من عملها في اذاعة الدويشة فيلة بسبب تعاطفها مع بلدها وابدائها لمشاعر الود تجاهه …

السيد هينك وباعتراف مديره في الوكالة كان يغطي الاحداث بموضوعية لكنه كما يبدو انه اثناء انطلاق الالعاب الاولمبية في بكين توسع الرجل في تغطيته الرياضية وراح يبحث عن الاسباب التي وقفت خلف تألق الرياضيون الصينيون في الالعاب وراح يغطي طبيعة الحياة في الصين الاشتراكية التي حققت تقدما ملموسا في مجالات الحياة المختلفة رغم نظرة الغرب لها على انها بلاد الفقر والعوز والدكتاتوريون ، هذا التوسع في تغطية الحدث قاده الى نهايته المهنية فهم لا يريدون اخبار نظيفة من الصين او كما علّق احد الصحفيين الالمان كان بوسعه جعل اخباره اكثر قذارة حتى يتمكن من الحفاظ على وظيفتهِ ، واثيرت الكثير من التساؤلات حول السبب الحقيقي وراء عزل هكذا صحفي موضوعي ونزيه من منصبهِ ، لقد سلط ديتر هينك الاضواء على المنشآت الرياضية العملاقة التي تمتلكها الصين كما سلط الاضواء على تلك البنية التحتية التي بنتها الصين في ثلاث عقود لتصبح دولة رائدة عالمياً في مجال الرياضة غير ان ذلك لا يشكل استفزازا للدول الغربية لان معظمها لها نفس البنية التحتية او افضل منها اما ان تكون هذه البنية قد بنيت على سواعد الجماهير الشعبية والبسيطة هذا بحد ذاته يعتبر خطاً أحمراً في الاعلام الغربي الذي ينبغي عليه الابتعاد قد الامكان عن اثارة هكذا مصطلحات للجماهير الاوربية !!!

لا يريدون بصراحة ان تعلم مجتمعاتهم عن الصين اكثر من تلك التي يروّجون لها وهي ان هذا البلد محكوم بالحديد والنار وان الحرية ميتة فيه بسبب الحكم الشيوعي فيه .. اعتبروا اشارات هينك عن التقدم في الصين مدحاً للنظام الشيوعي فبادروا بعزله فوراً لتعود وسائل الاعلام الغربية من جديد لتناقش موضوع الخاصية النسبية لهذا الاعلام المُسيَّر من قبل طرف سياسي معين معاد لمفهوم اطلاع الجماهير عن الحقيقة في اماكن معينة من العالم …

ان تناول الموضوع بطريقة واضحة من وسائل الاعلام الالمانية يمثل بحد ذاته تقدماً لانها الى الامس القريب كانت خاضعة تماماً الى السياسة الامريكية بكل شطحاتها وتخبطاتها ومعظمها كانت ممولة امريكيا كما يحدث اليوم على ارض الواقع في العراق حيث اسست السفارة الامريكية في بغداد اخطبوطاً اعلامياً يروج لمصالحها في العراق عبر الكثير من الفضائيات ودور النشر والصحافة في البلاد ، الحرية المطلقة لوسائل الاعلام والتعبير غير موجودة في اي بلد في العالم هذا ما هو واضح لنا جميعاً لكن انعدام الثقة في الذات هو ما يدفع القائمون على السياسة في الغرب الى تضليل الجماهير فمعرفة الحقيقة تقود الى ان تقوم الجماهير بتغيير نظرتها لالمانيا نفسها وترغب بتغييرها وفق الحقائق الجديدة لتتخلص من التضليل الذي تعرضت له في الثلاثة عقود الماضية من سياسة الانفتاح الصينية ، وكذلك ينطبق المثال على باقي الدول الاوربية لهذا يكون الباحث عن الحقيقة من صحفيين موضوعيين في موقع الخطأ والخيانة ان تجرّأ على عبور هذا الخط الاحمر في وسائل الاعلام الغربية …

في الحرب الجورجية الاخيرة خرجت علينا وسائل الاعلام الغربية لتصب جام غضبها على رد الفعل الروسي تجاه اعمال الجيش الجورجي المدعوم امريكيا ووصفت التدخل الروسي بانه همجي وغير متحضّر لكنه سرعانما عادت نفس وسائل الاعلام وباقلام نفس الصحافيين لتبرء الساحة الروسية من الذنب وتصب غضبها على ساكاشفيللي الذي ارتكب جرائم حرب بعد ان اكتشفت تلك الوسائل ان تسخينفالي تعرضت عمليا لحرب ابادة عرقية لا سيما بعد ان اكتشفت كذبة الصور المزورّة التي بثتها قناة ال سي ان ان الامريكية على انها صور دمار من بلدة غوري الجورجية ارتكبتها القوات الروسية لكنها كانت في واقع الامر صوراً لمدينة تسخينفالي الاوسيتية فغيّرت اتجاه تعاطيها مع الازمة لا سيما وان اغلب استطلاعات الرأي ومواضيع الاستفتاء رجحت بقوة ان جورجيا شنت حرب ابادة لا سيما بعد ان دعم الكثير من الجورجيون القريبون من الحدث في وسائل الاعلام الالمانية الرأي الروسي ووجهوا نقداً لرئيسهم الذي غرر الامريكيون به لمصلحة انتخابية داخلية !!

اذاً لا وجود لسياسة مبدأية ثابتة يسير عليها هذا الاعلام !! وبالعودة للحدث الثاني وفصل الصحفية الصينية من وظيفتها بحجة تعاطفها مع الصين هو الآخر يدخل في اطار التعتيم على الحقائق فهي لا تستطيع وصف الشعب الذي حول الصين من دولة نامية متخلفة الى قوة اقتصادية كبرى في ظرف عقود بسيطة على انه مجموعة من الجياع والرعاح يحكمهم نظام شمولي …

هذا الشعب تمكن بقواه الذاتية من بناء قاعدة علمية جبارة وانطلق الى الفضاء بدون مساعدة من اية دولة في حين لا تزال المانية تعتبر من الدول المتخلفة في هذا المجال قياسا للصين ربما تتفوق عليها في مجالات اخرى بدعم متكامل من جميع الدول الغربية الصناعية الاخرى لكن النموذج الصيني بغض النظر عن نظام حكمه تمكن من بناء البلد بطريقة علمية حديثة قضت حتى على الامية في بلد ربما يكون من قبيل الخيال ان يعتقد صيني قبل خمسة عقود ان دولته ستتخلص من تخلفها واميّتها بهذه السرعة !

ان موضوع حرية التعبير في عالم اليوم بدأ يأخذ حيزاً اوسع مما ارادت الولايات المتحدة تصويره للعالم الغربي حول تقدم فكرتها اللبرالية على باقي الافكار لبناء المجتمعات بل حتى غدت هي نفسها موضع تشكيك في مصداقيتها من قبل حلفائها الغربيون فهي لا تستطيع ان تبرر التقدم الذي تسير به الكثير من بلدان العالم دون الخضوع لها ولفكرتها اللبرالية ، ففي شهر ايار الماضي اشادت منظمة اليونسكو بدولة كوريا الشمالية لانها تعتبر من البلدان الرائدة في العالم في مجال القضاء على الامية التي وحسب تقرير المنظمة اختفت فيها الامية تماما ليس ذلك فحسب بل خطت الى الامام في مجالات علمية اخرى كاطلاق الاقمار الصناعية بقدراتها الذاتية وبناء محطاتها النووية ايضاً ومساعدتها لدول اخرى كالصين في هذا المجال …

لا يقرأ المرء في اوربا عن تقارير منظمة اليونسكو عندما يتعلق الامر بأخبار التفوق القادمة من دول لا تسير تحت الطاعة الامريكية لان التعتيم هو الوسيلة الوحيدة المعبرة عن واقع الحال في هذهِ المواضيع ، ورغم ذلك فأنه يشهد تخلصاً تدريجياً من قيوده التي تمثل تراكماً من تراكمات الحرب الباردة التي عصفت بالقطبين الاشتراكي والرأسمالي في القرن العشرين !!

وأصبح بامكاننا قراءة الاخبار عبر اكثر من مصدر ولم تعد وكالات الانباء الغربية هي المتسيّدة لا سيما بعد انتشار الصحافة الالكترونية واتساعها ، وهذا ما يدفعها باستمرار لتقويم طريقة عملها وتعاطيها مع اخبار وقضايا الواقع الدولي حتى تتمكن من الحصول على المصداقية من قبل المتتبعين …

عندما اغلق الرئيس الجورجي معظم المواقع الالكترونية وكذلك الصحافة الحرة والاذاعات الاخرى التي لا توالي نهجه في الحكم لم يتهمه احد بقمع الحريات بينما توجه هذه التهمة فورا الى اي رئيس لا يوالي سياسة واشنطن والغرب هذا المثل ينطبق على الكثير من الانظمة الاستبدادية في العالم التي تحظى برعاية امريكية وفي هذه النقطة بالتحديد تعيش المنظومة الاعلامية الغربية حالة من الازدواجية وخداع الذات يصعب التخلص منها دون التحرر من عقلية الخوف من السيف الامريكي المسلط على رقاب وسائل الاعلام الاوربية ، ان المصالح الاقتصادية التي تتحكم بطبيعة العلاقة بين الغرب واية دولة اخرى في العالم تجعل من الصعب على الصحفيين الموضوعيون البقاء والمقاومة في مناصبهم لا سيما وان الواقع يفرض عليهم مدح نفس العناصر التي شوهوا سمعتها واتهموها بالارهاب اذا ما استجابت للمطالب الامريكية والغربية وهذا الوضع بحد ذاته يجعل من الشعور بالانحطاط عند الصحفيين حالة واقعية كما حدث في موضوع تغيير العلاقات مع ليبيا القذافي التي اصبحت بين ليلة وضحاها بلاد الحرية بعد استجابتها للمطالب الغربية بينما كانت في السابق من البلدان المصدرة للارهاب ، لقد اثبت القذافي بعلم او بغير علم ان الغرب لا مقاييس اخلاقية لدية في تقييمه للمواضيع في العلاقات الدولية وحتى الانسانية الا من زاوية النظر لتحقيق مصالحه اما موضوعات حقوق الانسان وحرية التعبير وغيرها لا تمثل الا سلاحا اعلاميا يستخدم لفترة معينة لتحقيق غايات محددة …

ان التخلص من تراكمات حقبة الحرب الباردة غدا صعبا بل ان معظم وسائل الاعلام الغربية تعيش اجواءها رغم انها انتهت منذ عقدين من الزمن وهي تفرح اذا ما اشتعلت من جديد لانها ستوفر مادة غنية لصحافتها تنعش سوق العمل فيه للكثير من الصحفيين العاطلين اذا ما استجابوا لشروط الواقع الجديد والالتزام بالخطوط الحمر للصحافة الغربية …