الرئيسية » مقالات » سعدي يوسف وسعاد خيري- ترويج للقتل والتستر على المجرمين أم مجرد هذيان وتخريف؟

سعدي يوسف وسعاد خيري- ترويج للقتل والتستر على المجرمين أم مجرد هذيان وتخريف؟

قيل أن للموت والميت حرمة، ولا يصح أن تتحول مناسبة المنية إلى تلويح وتلميح وذم بالميت أو إلى الجهة التي ينتمي إليها. فعقلاء القوم وأصحاب الخلق الرفيع في تاريخنا كانوا ومازالوا يرددون الحكمة التالية “اذكروا محاسن موتاكم”.

ولكن يبدو أن هناك نفر من البشر يتنكر لهذه القيمة الإنسانية والأخلاقية ويتخلى بإصرار عنها، ليقع في دوامة من الهذيان والتشوه والانحطاط والشماتة الرخيصة بشكل يثير التساؤل والعجب لدى كل إنسان متزن وخير وحكيم.

لقد أثار اغتيال رجل الفكر والشيوعي الأصيل وليس “الأخير” كامل شياع غضب كل الخيرين بغض النظر عن انتمائهم باعتبار أن الجريمة تستهدف الثقافة التقدمية أولاً وأخيراً. وكتب الكثيرون من أصحاب القلم والوجدان النظيف على مختلف اتجاهاتهم ما أنتجته قريحتهم من حب واحترام لهذه الشخصية الشيوعية العالية الثقافة والحكمة.

وليس لنا هنا أن نعيد ونعدد مآثر أبو ألياس، بل أن ما يثير العجب بل وكل العجب أن تُستغل هذه المناسبة عند بضعة أشخاص إلى مناسبة للتلويح بالذم بالفقيد أو بالجهة السياسية التي ينتمي إليها وهي الحزب الشيوعي العراقي، إلى حد الشماتة بهم وهم الضحايا وبشكل ظالم. ولكن ما يثير الشكوك حول هؤلاء هو تسترهم على القتلة الحقيقيين الذين يوجه الشارع العراقي أصابع الاتهام نحوهم، والذين تسببوا في قتل المئات من المثقفين، والذين هدّموا ونهبوا المراكز الثقافية في البلاد، ناهيك عن موجات القتل والتدمير التي طالت عشرات الآلاف من العراقيين. وينفرد هؤلاء على عادتهم في تصفية حساباتهم مع الحزب الشيوعي العراقي، وبالتالي مع أعضائه في مناسبة وأخرى حتى في حالات الوفاة أو الاغتيال دون أي مبرر أو واعز من العقل والضمير.

فالمدعو سعدي يوسف كتب أخيراً مقالة مشينة تحت عنوان “القتل مرتين”، لا لكي يُعّزي أهالي الفقيد وخاصة أمه التي نكبت بفقدان فلذة كبدها وإبنه الوحيد وليخفف من آلامهما، بل راح يرّوج ويبرر لقتله بذريعة تركه المنفى والعودة إلى بلده كي يسهم بقدر ما يستطيع بالتخفيف عن آلام الشعب بدلاً من البقاء في الخارج. إن سعدي يعتبر كل من رجع إلى البلاد هو من فصيلة “العملاء والخونة واللصوص” الذين يستحقون القتل والتمثيل بهم، وهو يعرف أن غالبية من عادوا لم يحصلوا على الغنائم بقدر ما تعرضوا إلى القتل والتصفيات الجسدية على يد من يدافع عنهم سعدي في كل مقالاته.

ويكفي أن نشير إلى أن الحزب الشيوعي، الذي يصب سعدي كل جام غضبه عليه دون الآخرين، قد فقد من كوادره ما يزيد على مئة شهيد وآخرهم شهيد الثقافة الحرة والتقدمية، وليس شهيد ثقافة سعدي يوسف البائسة والشتّامة، أي فقيد الوطن كامل شياع. وعلى هدى ثقافة سعدي اليائسة والعدمية، فهو لا يشير إلى القاتل الذي يعرفه هو قبل غيره، بل يشجع القتلة بروحه السوداوية على المزيد من قتل الشيوعيين والوطنيين بذريعة رجوعهم إلى بلدهم وضمن التصفية الرخيصة لحسابات ليست جديدة بل قديمة مع الشيوعيين وحزبهم وقبل أن يطأ اليانكي قدمه على أرض العراق. فهذا الرجل لم يكف ومنذ عقود عن توجيه الشتائم وفبركة الاتهامات ضد الحزب. هذا الحزب الذي رفع سعدي وعرّفه إلى الرأي العام العراقي واكسبه شهرته.

وهذه ليست المرة الأولى التي يعض البعض يد الحزب الشيوعي العراقي التي امتدت إليه، وينكر جميله بعد كل الحسنات التي قدمها لهم. فمنهم من ألف كتاباً مبتذلاً ملئ بالأكاذيب وسّطر “الشعر” في الثناء على نكبة شباط، ولكنه فطن إلى هذا الهذيان متأخراً واستيقظ ضميره في اللحظات الأخيرة وهو على فراش الموت ليلعن نفسه وحظه على تلك الورطة التي وقع فيها عندما وجّه سلاحه ضد من يعترف القاصي والداني بنزاهتهم ووطنيتهم وحبهم للثقافة والمثقفين، أي الشيوعيين وحزبهم.

لقد استشهد كامل شياع لا لأنه كان يكتب “افتتاحيات صحيفة مرتجعها أكثر من مطبوعها، أو كان يكتب خطابات لا معنى لها لأناس لا معنى لهم”، كما يشير سعدي في السطور الرخيصة التي كتبها. فمثل هذه الأبواق موجودة في بعض زوايا لندن وغير لندن، والتي تسّطر الأكاذيب والهذيان من أمثال سعدي يوسف دون أن تمتد إليهم يد الظلاميين القتلة. أن أدل مغزى على حقانية وبلاغة ما كتبه كامل شياع، والتي تظهر حجم تعلقه ببلده وشعبه وبالثقافة الحرة، أنه راح ضحية النفوس المريضة التي طالما دافع عنها سعدي في مقالاته المريبة. فلم يتعرض هذا الفقيد إلى هذا المصير لكونه من المتحمسين للاحتلال والغزاة، بل لأنه صاحب مشروع تنويري ديمقراطي ووطني عراقي.

أما الوجه الآخر للكارثة والهذيان والتخريف فهي سعاد خيري. فلم نسمع من هذه السيدة إلاّ التزوير والفذلكة رغم تجربتها الطويلة وادعاءاتها في البحث عن الحقيقة. إنها تكرر بشكل ممل “قوانة” نجدها في كل مقالاتها وهي “قوانة” التستر على الجريمة والمجرمين الحقيقيين الذين تصفهم بالمقاومين الوطنيين، وتلقي بمسؤولية كل أعمال القتل على جهات أخرى عراقية وغير عراقية.

انها تتجاهل اعترافات القتلة العراقيين منهم والعرب أنفسهم وعبر كل وسائل الاعلام الصوتية والمصورة بالجرائم التي ارتكبوها ضد العراقيين بدعوى كاذبة حول الجهاد والدفاع عن الدين، وتبجحهم بهذا الجهاد الدموي المزيف. فمن فجّر سوق المتنبي للكتب وسوق الصدرية الشعبي وسوق الغزل، ودّمر البنى التحتية للكهرباء والماء ونشر السيارات المفخخة وحفر القبور الجماعية وأكداس الاسلحة وعشرات الآلاف من الضحايا، هم من وجهة نظر سعاد خيري، ليس الارهابيين ولا أزلام دولة العراق الإسلامية ولا شراذمة صدام وفلول الميليشيات الطائفية وعصابات الجريمة المنظمة، بل أشباح تبحث عنهم في أطراف أخرى لا علاقة لها بهذه الجرائم.

إن هذه الأطراف، وفي مقدمتهم الطرف الأمريكي وأجهزة الأمن العراقية، تتحمل بالتأكيد مسؤولية خطيرة في قصورها في توفير الأمن للعراقيين، وينبغي أن يلاموا أشد اللوم على تقصيرهم في ذلك. ولكن كل ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال، وعلى طريقة سعاد خيري، أن تزوّر الحقائق والتستر على القتلة والتغني بـ”مآثرهم” وإلقاء مسؤولية الجرائم البشعة على جهات غير القتلة الحقيقيين.

لقد كان آخر “إبداع” لسعاد خيري هو ألقاء تهمة اغتيال كامل شياع على الطرف الأمريكي في حين لا تخفى على الجميع الجهة التي تقف وراء أعمال الاغتيالات المدعومة من قبل أجهزة مخابراتية اقليمية وفلول العهد السابق التي مارست الإسلوب عينه في أوج طغيانها وتسلطها على العراق قبل سقوط الصنم، وكانت تتهم قيادة الحزب الشيوعي، على لسان طارق عزيز، آنذاك بقتل واختفاء أعضائه تماماً كما يفعل سعدي وسعاد في إلقاء مسؤولية تصفية الشيوعيين على عاتق الحزب الشيوعي..

وتكرر سعاد خيري نفس الأطروحات السابقة عن تنكر الحزب الشيوعي لها ولـ”قدراتها”، لأن هذا الحزب الذي لم يوفر لها غرفة فوق سطح المقر كي تسطر أطروحاتها ووجهات نظرها حول كيفية انقاذ العراق من الكوارث.

عجيب .. هل يوجد حزب في العالم يوفر زاوية في مقراته لقلم يشتم هذا الحزب ليل نهار، ويزوّر تاريخه وينشر الأكاذيب حوله ويهلل للقتلة والمجرمين؟ إلا إذا اختل عقل القائمين على إدارة مثل هذا الحزب وسمحوا لمثل هذه النماذج بإشغال أحدى غرف مقراته.

لقد كان الأولى بسعاد أن تتوجه إلى وزارة إعلام دولة العراق الاسلامية والقاعدة أو المراكز الإعلامية للشراذم المسلحة وفلول العهد السابق كي يوفروا لها المكان لأنها المدافعة عنهم، حيث تستطيع أن تجد عندهم المكان الوثير في أحد البيوت التي هُجّر أصحابها، وتجد الملاذ الآمن والمساحة لإعادة ما نشرته من شتائم ضد الحزب الشيوعي والشيوعيين، دون الحاجة إلى غرفة متواضعة فوق سطح مقر الحزب الشيوعي العراقي.

وأخيراً….فمهما لهث سعدي وسعاد ومن لف لفهم وراء النيل من الخيرين في بلادنا، وبعضهم من مزق الهوية العراقية كما فعل سعدي عندما تخلى في وقت سابق عن الهوية العراقية، فإن حبل التزوير والكذب والهذيان والتخريف قصير. فلا يصح إلا الصحيح ولا يبان إلا الحق، أما الباطل فمصيره لعنة التاريخ.
لقد فقد هؤلاء وزبانيتهم التعادل والرزانة وبدأت الجوقة بالعزف على ألحان السباب والشتائم والغيض والكراهية وهم يلاحظون تضامن الخيرين مع الحزب الشيوعي العراقي وضحاياه وآلامه.. كما يرى هؤلاء أن الحزب مازال يحيى ويخلق وينتج من الثقافة والمثقفين والمناضلين، وهو يشق طريقه ويحتل مكانته عبر صعاب جمة كي يسهم بقسطه المتواضع في جمع شمل العراقيين ولئم جراحهم وترميم واعادة اعمار بلدهم. وهذا ما يؤرق هؤلاء البائسين ويثير حفيظتهم.

إن انتقاد مسيرة أي حزب ومناقشة سياسته، وبضمنهم الحزب الشيوعي، أمر ضروري ومطلوب وجزء ملازم لأية عملية ديمقراطية. ولكن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال ترويج الكذب والتزوير وكيل الشتائم والتحريض على القتل والتستر على القتلة والرقص على أجساد الضحايا كما يفعل سعدي وسعاد والشلة البائسة المؤتمرة بأمرهم، مما يجعلهم شركاء في الجرائم التي ترتكب ضد الشعب العراقي.

30 آب 2008