الرئيسية » مقالات » سنبصق على قبوركم!

سنبصق على قبوركم!

في نهاية شهر تشرين الأول من عام 1986 وصلنا على متن باخرة سوفيتية من مدينة أوديسا إلى ميناء طرطوس وكنا ثلاثة من الخريجين الكرد:أحدهم من معهد الطب والأخر من كلية التاريخ- معهد الاستشراق في موسكو وكاتب هذه الأسطر،خريج كلية الحقوق- اختصاص قانون دولي،بعد انهاء التحصيل العلمي،الذي دام عشرة سنوات تماما 1976-1986،غمرني شعور عميق من الحزن والقلق والحذر بسبب بقاء سلطة البعث الديكتاتورية على سدة الحكم من جهة ومعرفتي بأساليبهم النازية العنصرية والقذرة ومعاداتهم للكرد و سعادتي بلقاء الأهل والأسرة والأقارب والأصدقاء بعد تلك الفترة الطويلة من الفراق،من جهة أخرى.فبعد ملئ الإستمارات المطلوبة،بدأت عملية الابتزاز ودفع الرشاوي لجهابذة السلطة واستخباراتها،أصاحب الأفواه المفتوحة دائما كالبالوعة،كي يتركونا بسلام والسفر إلى غربي كردستان.وبعد دفع المبالغ المطلوبة من وراء الكواليس من قبل أقربائنا وتقديم هدايا مختلفة لعصابات المافيا من الموظفين والمخابرات في الميناء تركونا وشأننا على شرط مراجعة أقسام الغستابو في مدننا وأقضيتنا.بعد لقاء الأحبة والأهل وزيارات الأقارب في المدن الأخرى ولاسيما اثناء وصول الأولاد والزوجة بالطائرة لأنهم جاؤوا فيما بعد وعن طريق يريفان-حلب،اكتملت الفرحة كما يقال وبدأنا نضع الخطط والمشاريع لحياتنا المقبلة التي تحولت وبفضل نظام شعار أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة إلى جحيم لايطاق.والدوافع الحقيقية هي أن سلطة البعث تعتبر كل خريج كردي،ذات توجهات وطنية حاصل على شهادة في أي مجال كان خطر عليها،لأسباب واضحة ولا داعي لشرحها.آلمني جدا تزايد وتيرة الإضهاد والقمع والحرمان بحق أبناء وبنات شعبنا من قبل السلطة العنصرية التي تعمل ليل نهار لإفراغ كردستان من سكانها وإسكان العرب مكانهم وزيادة عدد المستعمرات العربية المدججة بالسلاح على الأرض الكردية.لاحظت عمليات الهجرة الإجبارية من جراء القمع والحصار الإقتصادي والتجويع المخطط له وطغيان الموظفين الفاسدين والمرتشين في كل مكان وكنت أرى في كل واحد منهم نموذجا مصغرا لهذه السلطة الإرهابية والدكتاتورية التي حاولت اعتقالي وأنا في المدرسة الإعدادية بسبب مقالة سياسية كتبتها إلى مجلة المدار السوفيتية حينذاك.ومما حز في نفسي أيضا مستويات الفقر المدقع والظروف المعيشية غيرالانسانية لقطاعات كبيرة جدا من الكرد ولاسيما المحرومين من الجنسية والمكتومين.وفي إحدى المرات استقبلت في منزلي عدة أشخاص محرومي الجنسية وبكى بعضهم وبكل مرارة وطلبوا مني عمل شيء ما لإعادة الجنسية إليهم،فأوضاعهم صعبة و لاتطاق.سيما أنهم كانوا يعلمون بأنني تخرجت من كلية الحقوق وربما لدي معلومات أو علاقات قد تساعدهم في هذه المسألة ووعدتهم بأنني سوف أقوم بخطوات عملية في هذا المجال وبمساعدة بعض أصدقائي في دمشق.وفعلا قمنا بزيارة وزارة الداخلية-قسم الأحوال المدنية في شارع 29 أيار والتقينا مع السيدة أم جمال الموظفة القديمة في هذا القسم التي عبرت عن أسفها جدا وأقسمت بأن الكثيرين يزورونها ويطلبون المساعدة في نفس القضية والدموع تسيل من أعينهم، ولكن الجواب هو واحد: المسألة ذات طابع سياسي وليس قانوني والقرار في يد قيادة حزب البعث وليس شخص آخر.عندها اقتنعنا نهائيا بإستحالة إعادة الجنسية للكرد مازال البعث العنصري متمسك بمفاصل الحكم في البلاد.مرت أيام كئيبة وأوقات عصيبة ولاسيما عندما كنا نصارع من أجل الحصول على علبة سمن على أبواب المؤسسات الإستهلاكية في جنة البعث وشعارها العرمرمي :اليد المنتجة هي العليا في دولة البعث!!!.لست بصدد الخوض في ذكريات وشجون تلك المرحلة السوداء القاتمة التي لا ولن تفارق مخيلتي مادمت على قيد الحياة. ولكنني سوف أذكر للقارئ العزيز حادثتين فقط وهما على سبيل المثال وليس الحصر،كي أبرهن إلى أية درجة تمكنت النخبة المهيمنة في قيادة البعث العنصري من إقامة أعتى ديكتاتورية في الشرق الأوسط،دعائمها أجهزة الأمن والإستخبارات التي تمرست في فنون القتل والتعذيب والخطف والإبادة على طريقة ديكتاتوريات أمريكا اللاتينية في الأيام الخوالي.وهذه الخواطر محاولة متواضعة لإظهار نجاح قيادة البعث في تسميم عقول الملايين من العرب السوريين بشعاراته الوطنية- القومية واليسارية الجوفاء: مثل محاربة الإمبريالية والصهيونية والتصدي للمؤامرات وإلخ من الخزعبلات التافهة والفارغة من أي مضمون وغير القابلة للتحقيق مطلقا، وتخديرهم بهكذا شعارات التي لاتسمن ولا تغني من جوع.فتلك القيادة الإنتهازية حتى أخمص قدميها،استفادت ببراعة فائقة من تجربة النازيين الألمان في الثلاثينات،الذين مارسوا الديماغوجية والكذب الرخيص وعلى طريقة غوبلز واللعب بعواطف الناس البسطاء وتقديم وعود معسولة بالجنة الموعودة على الأرض وفي النتيجة كانت حطام وركام وأطلال وخرائب لاحصر لها في برلين وفيينا ودرسدن وإبادة الملايين،كما يحدث الأن في سوريا،حيث أن التصحر يشمل ليس فقط الطبيعة،بل كافة نواحي الحياة.في العام 1987 وبعد أن أوصدت غيستابو البعث الفاشي كافة الأبواب في وجهي بهدف إركاعي، تعينت بصفة مدير إداري في مشفى د.داود شويش في الحسكة الذي لن أنسى مساعدته ومساعدة د.نورالدين شويش أيضا مازلت حيا.
1-تحت رقابة إستخبارات البعث النازي!
أ-عندما كانت زوجتي والأولاد موجودين في ضيافة شقيقتي التي كانت تسكن مدينة الرقة ،قررت أن أفتح لهم الهاتف والسؤال عن أحوالهم.وبعد مبادلة عدة كلمات بالروسية والكردية معها،سمعت فجأة صوتا غريبا على الهاتف يأمرني عدم التحدث بلغة أجنبية والتكلم باللغة العربية فقط!!!
فسألته: من أنت وما هي صفتك؟ أنا من المخابرات العسكرية! وبادرته بسؤال آخر: ولماذا لا يحق لي التحدث مع زوجتي وأولادي بلغة أجنبية؟
وأجاب: عليك تعليمهم اللغة العربية! فقلت له:أنا أتكلم معهم اللغة الروسية وقليلا الكردية وهم قد جاءوا حديثا وليس من مهمتي تعليمها اللغة العربية،لأن الدولة لم تؤمن لها دورة تعليمية! فقال رجل الإستخبارات الغبي: هذا شأنك أنت وعليك تدبير الأموربنفسك، وسوف نذورك! فقلت له مادمت تتنصت على مكالماتي الهاتفية فأنت تعرف بالتأكيد ما هو عنواني أيضا أليس كذلك؟فقال نعم!
ب- في صيف 1988 قررنا زيارة الأقارب في مدينة قامشلو العزيزة،التي لها مكانة خاصة في قلبي منذ نعومةأظفاري، حيث قضينا ليلة ممتعة في ضيافة شقيقي الأكبر وأسرته االطيبة ورجعنا في اليوم التالي.وبعد مرور يومين فقط وعندما كنت على رأس عملي جاءني أحدهم وقال لي: المعلم بدو ياك؟ وسألته :أي معلم؟ فقال: أبو محمد من الأمن السياسي! وقلت له:أنا موجود في عملي وليس لدي الوقت الآن !! وأصر على الذهاب معه لأن المعلم ينتظرني!! ذهبت إلى صاحب المشفى للإستفسار حول هذا الإشكال فقال:أنت لاتعرف بعد أساليب هؤلاء،أذهب لابأس!! وذهبنا إلى القسم ورحب بي السيد أبو محمد[لا أعرف اسمه طبعا] وعرض علي شرب فنجان قهوة فوافقت. وأنا بادرته بالسؤال عن سبب الدعوة: فقال:ليست هناك أية مشكلة:بل فقط نعرف انه قبل يومين سافرت بصحبة العائلة إلى القامشلي بالباص،زرت من ولماذا؟ وكان جوابي: زرنا شقيقي واسرته وهذا كل ما في الأمر! وهل التقيت مع أشخاص آخرين؟ فقلت لا! فقال لي ليست لدي أسئلة أخرى ولكن إذا تطلب الأمر سوف ندعوك مرة أخرى!
هاتين الحادثتين تظهران وبكل جلاء ووضوح أنني كنت طوال ثلاثة سنوات من تواجدي في الوطن،بعد التخرج مراقب من قبل استخبارات العفالقة في دمشق،على الرغم من ورود مواد في دستور البعث الهمجي تتعلق ب حصانة وحرمة الحياة الفردية وسرية المراسلات والمكالمات الشخصية وإلخ،ناهيك عن حرية التنقل وهي واردة كذلك في الاعلان العالمي لحقوق الانسان وغيرها من المواثيق الدولية. ولكن هذه المواد في الأنظمة الديكتاتورية تبقى حبرا على ورق ومواضيع للتندر ليس إلا.
ولكن الشيء الذي أثار دهشتي حقا ولم أكن أتوقع ان استخبارات البعث الفاشي مع أوباشها وحثالاتها تخاف من الكوادر الوطنية الكردية وأصحاب الدراسات العليا إلى هذه الدرجة، لمطاردتهم حتى خارج البلاد والتجسس عليهم، وهم في ديار المهجر،كما يحدث معي الآن ومنذ 18 سنة تماما. هذه السلطة القمعية التي تحتضر وتلفظ أنفاسها الأخيرة وبدلا من تأمين لقمة العيش للسوريين،حيث أصبح عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر في فردوس البعث الموعود أكثر من ستة ملايين،تدفع مبالغ طائلة لتلك العناصر البدائية المرتزقة وهي حقا من سقط المتاع، لملاحقة العناصر النشيطة في المعارضتين الكردستانية والسورية،تحسب عليهم أنفاسهم وتجمع معلومات عنهم بشتى الوسائل الخبيثة.
2-لماذا من حقنا المقدس أن نبصق على قبوركم القذرة؟
وبناء على ذلك فالكردي من غربي كردستان الذي حرم من الجنسية ومن أرضه ويمنع عليه تسمية أطفاله بأسماء كردية والتكلم باللغة الأم ومحروم من الكتابة بها، في الوقت الذي جرى افتتاح العديد من معاهد تدريس اللغات الأجنبية في دمشق والمدن الأخرى،يقتل في شوارع القامشلي وملاعبها دون وجه حق، منع الكردي حتى من التلفظ بعدة كلمات كردية على أرواح موتاه،اختطاف رجال الدين الكرد الأفاضل وقتلهم،بما فيهم السياسين بهدف تخويفهم وإرهابهم واسكات صوتهم،قتل المجندين الكرد في الجيش السوري لمجرد انهم ولدوا أكرادا،ومحاصرة الكردي اقتصاديا وتجويعه عمدا وحرمانه من لقمة العيش لإرغامه على مغادرة الوطن والالتجاء إلى أوربا طلبا للحماية والأمان، يحق له وحسب كافة الشرائع السماوية والوضعية أن يبصق على قبور ليس المجرمين والقتلة المحترفين من أمثال:سليم كبول،محمد طلب هلال،محمد حربة،الموصلي،أقطاب البعث ورجالات الإستخبارات بمختلف فروعها فقط،بل على قبور مرتزقتها وصعاليكها الهمجيين الذين ليس لديهم أية مهنة أخرى يرتزقون من وراءها، كونهم فشلوا في حياتهم الخاصة والعامة فشلا ذريعا،سوى ممارسة مهنة العسس ولعب دور عيون النظام بيننا في الخارج وامتهان النميمة ونشر الأكاذيب والأشاعات وعرقلة نضال الكرد والسوريين في سبيل إحداث تحولات ديمقراطية حقيقية في سورية وإزالة كابوس البعث وليله الأسود الذي طال أمده فعلا.فتلك القبور تحوي رفاة وأجساد قذرة لهياكل من المفروض أنها بشرية، ولكنها في حقيقة الأمر وحوش كاسرة وضارية لا تعترف سوى بشريعة الغاب،لذا لن يلوم أحد الكرد إذا بصقوا على قبور أولئلك الذين جعلوا حياتهم جهنم ومأساة ذات فصول متواصلة، بسبب شريعة الشر والحقد التي يطبقها البعث في سوريا ومنذ أربعون عاما.فيمكن استصلاح الأراضي بواسطة شتى انواع السماد وغيرها وفي فترة زمنية معينة، ولكن تنظيف وغسل العقول البشرية من السموم والأفكار الشريرة التي تعشعشت فيها وتحريرها من أسرها، صعبة جدا وتحتاج إلى جهود عدة أجيال وأحيانا تبدو مستحيلة

*د.آلان قادر حقوقي وكاتب كردستاني- أب 2008