الرئيسية » مقالات » وأغتيال كامل شياع تدمير للثقافة العراقية

وأغتيال كامل شياع تدمير للثقافة العراقية

يبدو ان الثقافة العراقية مازالت تدفع الأثمان الباهظة من اجل ترسيخ الكلمة الحرة في ضمير الشعب والدفع باتجاه وحدة الكلمة بين شرائح المجتمع العراقي المختلفة من خلال تقديم هذه الثقافة لقوافل شهداء الكلمة والحرف في هذا المقطع الزمني الحافل بكل أنواع الغرائب والعجائب والمليء بأقذر أصناف العنف والأرهاب الذي طال جميع أجزاء المنظومة الأجتماعية في العراق الصابر الممتحن لاسيما طبقة العلماء والمثقفين والتي تشكل صمام الأمان ونافذة الحياة والرئة التي يتنفس من خلالها أي شعب في هذا العالم حيث تمثل نخبة العلماء والمثقفين الوجه الحضاري الناصع للشعوب ومقياس تقدم الامم وتفاعلها الصميم مع اشعاعات الفكر الانساني وقدرة العقل البشري على التطور البناء في جميع مجالات الحياة بما ينسجم مع طموح الانسان وحلمه المشروع في مسيرة التكامل المنشود.

بعد هذه المعطيات يأتي السؤال الموضوعي الملح الذي يفرض نفسه على المتأمل المنصف والذي يقول لماذا تمت تصفية مستشار وزارة الثقافة كامل شياع ذلك الانسان الرائع والمليء بالحب لوطنه وشعبه وصاحب الهمة العالية والجهود النبيلة الساعية الى بناء هيكلية الثقافة العراقية التي مازالت تئن وتعاني من شدة الازمات الكوارثية التي لحقت بها نتيجة لسياسات النظام الصدامي البائد وما حصل من تداعيات بعد سقوط ذلك النظام والتي تمثلت في أفرازات نظام المحاصصة السياسية على واقع تلك الثقافة .

لقد عرفت هذا الانسان الشريف عن قرب وكان دائب الحركة والنشاط والحيوية حيث ترتسم على شفتيه الابتسامة المليئة بالأمل والتفاؤل الممزوج بالحلم المشروع لبناء الأرضية الصلبة لواقع ثقافي عراقي جديد وشكل حضوره المكثف في المؤتمرات والندوات الحوارية التي كانت تعقدها وزارة الثقافة ومؤسساتها الفرعية علامة بارزة ودليلا ساطعا على صدق المسعى النبيل لذلك الانسان الشفاف والصديق القريب جدا من المثقفين وفضاءات همومهم المشروعة من اجل تفعيل دور وزارة الثقافة وجعلها الخيمة الحقيقية الكبرى لأحلام وتطلعات المثقفين والمبدعين العراقيين بكافة أطيافهم وتوجهاتهم الوطنية الحره وقد حاز على احترام وحب وتقدير جميع من عرفه وتوصل الى معرفة توجهاته الثقافية الرائعة.

وفي لقاء لي مع شقيق الشهيد كامل حدثني عن ذكرياته عن الشهيد وهو في الغربة وكيف كان يتواصل مع عالم المعرفة والبحث العلمي وكيف كان يعتصر الوقت ويوظفه من أجل القراءات العلمية وحدثني ايضا عن توق الشهيد لتأليف بحث علمي على شكل كتاب يتناول فيه الشهيد الجهود العلمية والفلسفية الرائعة والفذة لكتاب (فلسفتنا) للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره) ولكن الظروف الميدانية والمهام المتواصلة لم تمكن الشهيد كامل من تأليف هذا البحث.

أن الجهة التي تقف وراء أغتيال كامل شياع أنما سعت وبكل تأكيد وعن سابق أصرار وقصد أجرامي متعمد أن تغتال الثقافة العراقية الحرة والكلمة الأصيلة والنهج الوطني الصادق وهو اغتيال لجميع نخب المثقفين العراقيين على اختلاف وتنوع ذائقتهم الفكرية واتجاهاتهم الأنسانيه وهذه الجهة بهذا الفعل الشائن والجرم القبيح الذي يعبر عن ضعفها وجبنها توجه رسالة الى جميع المثقفين العراقيين الأصلاء بل والى جميع السياسيين العراقيين الشرفاء أنها تريد عراقا متخلفا مظلما مترديا في كهوف العصور الحجرية المكفهرة وجحور أنسان ما قبل التاريخ من خلال استئصال الكلمة الحرة والعقل المتحرر من براثن الجهل والتجهيل والزيغ والأنحراف وهي بذلك تبرهن على مدى انحطاطها وتسافلها في دياجير العتمة والأنهيار والعمى الظلامي البائس وهذه الجهة الظلامية الارهابية تريد أن يغرق الشعب العراقي في دوامات الفوضى والعنف والأستعداءات الهمجية التي تجعلنا مثالا للأستهزاء والتندر والأمثولة الصارخة في التردي بين الأمم والشعوب بدلا من وحدة الكلمة بين صفوف الشعب بجميع مكوناته العرقية والدينية والمذهبية وكلمة الوحدة الداعية الى رص الصفوف ونبذ الفرقة والشحناء والبغضاء واستنهاض الهمم لبناء العقل وتأهيل نفسية الفرد والمجتمع العراقي كي ينهض من جديد بعد كل عقود وعهود الذل والتخلف والحرمان وتنشئة اجيال سليمة البنيان ومؤهلة لقيادة دفة السفينة الوطنية بنجاح وسط أمواج البحار المتلاطمة من كل اتجاه.

وهذا ما أراده كامل شياع ومن لف لفه من الوطنيين الشرفاء الذين تحملوا ما تحملوا من هموم وما كابدوه وتجرعوه من غصص لكي تتواصل المسيرة الوطنية نحو شواطيء الأمن والأمان وهذا ما سعى اليه كامل شياع وأبى ألا أن يواصل الدرب على الرغم من كل العقبات والمحن والأحن وهاهو بالأمس يسقط شهيدا للأرادة الثقافية العراقية الحرة على مذبح حرية الفكر والكلمة الأبية ونهج التوحد الوطني الباسل.

رحل عنا الشهيد كامل شياع جسدا ولكنه لم يغادرنا روحا متألقة وفكرا أنسانيا شفافا ونهجا وطنيا وعنفوانا ثقافيا شامخا شموخ نخيل العراق الأشم بل هو باق بين ظهرانينا وفي اعماق ضمائرنا وفي رحاب عقولنا وفي تدفق حبر كلماتنا وحروفنا واشعارنا وفي آفاق تطلعاتنا كمثقفين عراقيين نحو رؤية عراقنا وهو يرفل بالأمن والسلام والمحبة والخير العميم وسيبقى كما بقي غيره من شهداء الكلمة الأمينة والوفية لتربة وادي الرافدين وشهداء العشق المتجذر في أرض الفراتين سيبقى حيا يجدد فينا العزم والأصرار على مواصلة المهمة المحمولة على أكتافنا لأنقاذ العراق وتخليصه من سموم التخلف المقيت والجهل القاتل والمدمر.

أن شهادة هذا المثقف الشجاع والبطل ودماءه الزكية تدعونا كي نطالب السلطة التنفيذية بتفعيل أجراءاتها الأمنية لوقف نزيف الدم الثقافي والعلمي والاعلامي وحماية العقول العراقية من أن تكون أهدافا سهلة لثلل الغدر والجريمة والأرهاب ولاتكفي بيانات الشجب والأستنكار والتنديد اللفظي في أدانة هذه الجرائم القذرة من قبل المسؤولين بل يجب العمل السريع والمنظم لألقاء القبض على أفراد هذه الجهات الظلامية التي تسعى الى زرع بذور الفتنة بين ابناء العراق الصابر من خلال هكذا عمليات يندى لها جبين الأنسانية ومحاكمتها وأيقاع القصاص العادل بها وفق القانون.

تحية أكبار وأجلال الى شهيد العراق العزيز وفارس الكلمة الأمينة الحرة والأنسان العظيم الذي علمنا كيف يكون الأنسان كبيرا بتواضعه وعطائه وأرادته وطوبى للأخ والصديق النبيل كامل شياع ولن يموت كامل فكل المثقفين الشرفاء والعراقيين الأوفياء كامل.

د. نجاح العطيه كاتب وباحث سياسي