الرئيسية » مقالات » هوامش على مذكرات حسين سلطان (1)

هوامش على مذكرات حسين سلطان (1)

قبل أيام تفضل مشكورا الأخ الكريم باقر إبراهيم الموسوي وأرسل لي مذكرات الفقيد حسين سلطان صبي،المناضل الشيوعي الكادح،وأبن مدينة النجف الباسلة التي أغنت الحركة الوطنية وحزبها الشيوعي بآلاف المناضلين الأشداء،وفي أزقتها نمت بواكير الفكر الشيوعي في العراق،ومن جوامعها انطلقت الجحافل الثورية لتسهم في نضال الشعب العراقي طيلة عقود من السنين، وفيها كانت العاصفة الحمراء التي تعد من اللبنات الأولى في إشاعة الفكر الشيوعي الخلاق،ويكفي هذه المدينة الشامخة فخرا أن يكون الشهيد حسين محمد الشبيبي عضو المكتب السياسي لحزبنا الشيوعي العراقي من أبنائها،وحسين أحمد الرضي (سلام عادل) من شبابها،وحسن عوينة من فتيانها ،ومحمد موسى من طلائعها ،ومحمد حسن مبارك من مناضليها،وعلي الشبيبي من أعلامها ، وحسين سلطان صبي الكادح الحقيقي الذي لم تتسرب الأفكار البرجوازية العفنة إلى تفكيره أو تؤثر في توجهاته ،فكان من البروليتاريا صاحبة المصلحة الحقيقية في النضال الوطني.

لقد كانت هذه المدينة من أهم البؤر الثورية في العراق،وطبيعتها العلمية أوجدت فيها حراكا فكريا حادا يختلف عن المدن الأخرى ،فالنائيني أتخذ منها موطنا لبث رسالته التجديدية في المشروطة والمستبدة،ومحمد حسين كاشف الغطاء نزع عن وجهها ما تركه الزمن فكانت حاضرة التجديد والتقارب الديني ،والأمام ألحمامي أطلق منها حمامات السلام لتجوب مدن العراق،وحسين الشبيبي خطيبها الذي هز العروش بخطبه الوطنية النارية..و..و،وتختلف عن بغداد العاصمة بمفكريها وأدبائها فهي عاصمة السلطة والجاه لذلك ندر أن خرج من أوساطها مناضل حقيقي له قصب السبق أو فضل الريادة،وإنتاجها السياسي لا يعدو سياسيي الصالونات الذين تجذر نضالهم من خلال السلطة ومراكز الحكم،فيما كانت النجف تختلف جذريا عنها،فهي عاصمة الفكر والشعر والأدب،وبوتقة الثقافات المختلفة التي تعددت وتنوعت بتنوع ما فيها من وافدين من دول أخرى مزجوا الكثير من ثقافتهم في ثقافتها،ويتميز أبنائها حتى غير المتعلمين منهم بموفور الثقافة،لاختلاطهم بالطبقة الفكرية والثقافية من خلال المجالس العلمية والأدبية التي تحضرها مختلف الطبقات الاجتماعية،وتناقش فيها القضايا العلمية والأدبية،ومحافلها الأدبية التي كانت تقام يوميا كسوق عكاظ ومربد البصرة بما يلقى فيها من شعر في مناسبات مختلفة،وكان الأمي يحفظ غرر الشعر وروائعه،وأعقد المسائل وأصعبها،بل أن الكثيرون منهم مارسوا النظم وأن لم يكونوا على شيء من علم،أو يجيدون القراءة والكتابة،أمثال الحاج زاير متنبئ الشعر الشعبي العراقي ،وعبود غفلة الشمرتي صناجة الشعر ألنجفي، وغيرهم الكثير،بل أن بعض شعرائها من طبقات الشعب الدنيا ومن الأسر الكادحة أمثال مهدي الحجار الذي كان والده ينقل الحجارة من خرائب الكوفة إلى النجف على الدواب،وتمتاز بأن أبنائها سواسية فقرائهم وأغنيائهم،لا يميز المتميز منهم إلا علميته وقدرته على الإجادة في فن من فنون المعرفة،وإنها تحتفي بالأديب والعالم والشاعر أكثر من احتفائها بأغنى الأغنياء،وكان لأبنائها من رجال الدين وصغارهم بالذات الأثر الكبير في نشر الفكر الوطني في الريف العراقي،وكان الكثير من هؤلاء ينقلون الفكر الرافض والثوري إلى القرى والأرياف في زياراتهم الموسمية،فأسهموا بشكل أو آخر في نشر الوعي الفكري في الريف،ومن هذه المدينة بالذات أنطلق شعراء الحركة الوطنية كالشبيبي محمد رضا والجواهري وبحر العلوم وغيرهم من قمم الشعر الوطني في العراق.

في هذه المدينة نشأ حسين سلطان صبي،وهو يتفيأ أفياء دوحة وارفة الضلال من الحماس الثوري والاندفاع الوطني،فقد كان (كاظم صبي) علم النجف وقائد ثورتها عام 1918،ويقال – ولا أدري صحة ما يقال- أنه تشرب بالأفكار الثورية عندما كان أسيرا في روسيا وشهد فيها الحراك الثوري الذي قادته طلائع الثورة البلشفية وزعيمها الخالد لينين،وفي معتقلاتها تعلم شيئا من الفكر الجديد الذي أخذ بالأتساع والتنامي بهمة الشباب الثوري الشيوعي لإسقاط نظام القياصرة ،بثورته الحمراء اللاهبة التي زينت وجه التاريخ،لذلك كان علم الثورة النجفية ضد المحتلين،وأسهم مع فتية جعلوا الوطن رائدهم في تلك الثورة العظيمة التي كانت فاتحة لثورات قادمة ضد ألاحتلال ،وقدم روحه الطاهرة فداء لما آمن به من فكر وطني أصيل،وارتقى أرجوحة الشرف بعنفوان ثوري وبسالة ليس لها مثيل.

ولا غرو أن يكون لحسين سلطان توجهاته الوطنية وهو يسمع ما تتداول الأسرة من بطولة لعمه الثائر،وأن تنزع نفسه نحو الثورة على الواقع الفاسد والانحياز إلى جانب الكادحين،فكان وهو دون العشرين في طلائع الركب الشيوعي ألنجفي،ونمت البذرة الشيوعية في تفكيره فلم يستطع منها فكاكا،وظل على شيوعيته حتى ساعاته الأخيرة،وأن سارت به الدروب في مسالك شتى ،وأبعدته الأيام في منعرجاتها الوعرة،وجعلته السنين يرقب بصمت قافلة الزمن وهي تنحوا في مسيرها نحو الشمس.

وهذا الكتاب الذي أعده أبنه خالد،تضمن نتف من هذه المسيرة الطويلة لأسباب بينها في مقدمة الكتاب،فقد ضاعت الكثير من الأوراق التي سجلها الفقيد في فترات متباعدة من حياته،ولم يعثروا إلا على غيض من فيض كان منه هذا الكتاب الذي حوا في طياته لمحات من هذه السيرة،وقبس من هذه المسيرة ،وكان على رفاق الفقيد ممن عملوا معه أن يكون لهم وجودهم في هذا السفر إلا أن التبعثر والغربة والبعد حال دون جمع ما يمكن أن تجود به ذاكرة رفاقه الذين يحتفظون بالكثير مما هو حري بالتسجيل ،ولعل الأيام القادمة تدفع من يمتلك معلومة أو يحتفظ بوثيقة الإعلان عنها ففي تاريخ الرجل الكثير من المحطات الحرية بالتسجيل لأنها تشكل جزءا من التاريخ النضالي للحزب الشيوعي العراقي،وعلينا عدم تناسي الصفحات البيضاء لمن ساروا في الطريق الشيوعي وأن أبعدتهم المسالك حينا من الدهر فالماضي هو ملك التاريخ وعلى الجميع عدم إهمال الماضي لأنه يشكل النواة الأولى للتاريخ العام بما فيه من حوادث شخصية تصبح ملكا مشاعا للجميع علينا استظهارها والكتابة عنها ليصدر التاريخ حكمه على هذا أو ذاك.

وقد أقر الكاتب في أشياء وأخالفه في أخرى،ولكن ذلك لا يجعلني أبخس الرجل حقه،فقد كان علما من أعلام الحزب والحركة الوطنية وطليعتها البروليتاريا العراقية صاحبة المصلحة الحقيقية في النضال الوطني،فهو من طبقة عمالية هي صاحبة المصلحة الكبرى في النضال الشيوعي،وأثبتت الأيام أن هذه الطبقة كانت أكثر ثباتا واتزانا من البرجوازية التي تسربت إلى الحزب ،الصغيرة منها والكبيرة ،الوطنية أو غير الوطنية،لذلك كان مناضلا صلبا عنيدا يحسب له ألف حساب،وأستطاع بفضل ألمعيته وذكائه الفطري أن يكون شيئا مذكورا في مسيرة الشيوعيين العراقيين ،وأن يتبوأ مكانة عليا في الحزب الشيوعي رغم عدم حصوله على مؤهل علمي سوى دراسته في المدرسة الشيوعية الكبرى،التي كانت الرائدة في تخريج آلاف المناضلين والمفكرين،الذين قرنوا النظرية بالتطبيق فكانت أفكارهم نتيجة خبرة نضالية عملية ،قادتهم أن يكونوا في مقدمة المنظرين،واستوحوا أفكارهم من أرض الواقع فكانت واقعيتهم أكثر قوة ومتانة من الفكر النظري الذي لم يكن نابعا من واقع معاش،على خلاف المناضلين البرجوازيين الذين خلفوا الكثير من الأمراض،وكان بعضهم جرثومة تنخر في العظم الشيوعي حتى لفظوا خارج الزمان والمكان وأن تركوا خدوشا لا تزال آثارها باقية حتى اليوم.

نقل الفقيد عبر حياته النضالية التي أمتدت نصف قرن أو يزيد من حال الى مال،ومن مسئولية الى أخرى،فكان حريصا على الوفاء بالتزاماته ،والنهوض بأعباء المسئوليات التي كلف بها،ولم يتكاس أو يتخاذل في أصعب الظروف،وظل عبر هذه المسيرة مثلا لما يجب أن يكون عليه الشيوعي الأصيل،وكان لا يألوا جهدا في االعمل الحزبي في أحلك مساراته،ولم تثنيه الصعاب مهما كثرت عن القيام بكل ما أوكل اليه،فقد كان يبيت على الطوى أياما،ويسكن في غرف مظلمة لا يدخلها النور،ولم يعيقه مرض أو حر أو برد في تفيذ واجبا أو القيام بمهمة،وكان بحق مثلا أعلا لمن يحاول ترسم طريقه أو الأقتداء به،وله كثير من المآثر التي لا زالت طرية على الألسن مثلا للصلابة المبدئية والجرأة والتفاني والأخلاص ونكران الذات،ولم يكن من أولئك الوالجين في الأحزاب السياسية لمصلحة خاصة،أو أملا في ربح أو مكسب،ولم يعرف عنه التكالب على وظيفة أو مكانة تعلي من شأنه ،فقد كان كبيرا في نفسه وتفكيره،لذلك كان هو في أي مكان أو زمان.

وكان مهذبا حتى عند الحديث عن أعدائه وقاتليه،فهو عندما يتحدث عن محاكمته في المجلس العرفي العسكري يشير الى الحاكم بقوله(المرحوم النعساني) ولا أعتقد أن نفسا مهما علت تدعوا بالرحمة لمن أساء إليها أو أضر بها،ولكنه الخلق الشيوعي النبيل،والتربية الماركسية الأصيلة،تضفي أدبها على معتنقها،فلا يسيء حتى لأعدائه، وهذا الخلق الشيوعي الفريد –رغم صحته- أدى الى الكثير من ألأذى،فالتعامل الإنساني الشيوعي مع الآخرين جعلهم في منظور هؤلاء ضعفاء غير قادرين على الرد بالمثل،وعندما يشهر عليك أحدهم سلاحه لا تواجهه بزهرة،ولكن هكذا هم الشيوعيون يقابلون أعدائهم بما لا يستحقون من ألاحترام،وهذا هو الخطأ الفادح الذي قاد الى الكوارث،فلم يظهروا بأسا في ساعات القدرة،ولم يقابلوا المسيء بما يستحق على أساءته،بل يقدمون المساعدة لقاتليهم ،وهذا جعلهم في موقف الأضعف ساعات المواجهة،وليس هذا نتيجة جبن ولكنه خلق تربوا عليه ونهج أخذوا به،وهو يصلح في حياة غير هذه الحياة،وفي مجتمع غير هذا المجتمع،وهؤلاء أناس وجدوا في غير عصرهم ومجتمعهم،ولم يستفيدوا من التجارب وعظة التاريخ،فيقابلوا الإساءة بمثلها ،والأذى بما يوازيه،وهام اليوم يعيدون الكرة،فيصافحون الأيدي التي ذبحتهم بدلا من بترها حتى لا تعود لأذيتهم ذات يوم،وما تصرف الشهيد حسن سريع مع وزراء البعث الذين أعتقلهم في ثورته الباسلة وعفا عنهم ،فكانوا شهود الإثبات عليه إلا مثلا شاخصا لما هم عليه الشيوعيون حمامات سلام تعيش بين الغربان.

ومن أخلاقه الرضية المرضية في هذا الجانب توفر فرصة الهروب من سجانيه ،وهو المهدد بحكم يقصم الظهور ،ولكنه أنف عن ذلك ورفض أن يكون سببا في أذى مواطن لا ذنب له إلا عمله في سلك الشرطة،وهو يعلم حق العلم أن سجانه هذا لا يتورع عن قتله أو تعذيبه والإساءة إليه لتنفيذ ما يصدر إليه من تعليمات،ولكنه يخشى عليه مغبة هروبه وما سينال من عقاب يقول((خلال تلك الفترة حصلت لي فرصة واحدة ، أثناء زيارة عبد السلام محمد عارف الى النجف فـي مـطـلع عـام 1966 إلا انه يصعب عليَّ الإساءة لمن أحسن لي حتى وان كان الثمن غاليا . وعندما ذهبت تلك الفرصة حاسبت نفسي حسابا شديدا وحاولت إقناعها بتجاوز العادات والتقاليد ، أخيرا لم أستطع إقناعها وذهبت تــلك المحاسبة أدراج الرياح .)).

يتبع