الرئيسية » مقالات » لقائي مع الأستاذ سركيس آغاجان وحديث على نار هادئة

لقائي مع الأستاذ سركيس آغاجان وحديث على نار هادئة

بمبادرة من أحد الأصدقاء أبديت رغبتي في مقابلة الأستاذ سركيس آغاجان وزير المالية في حكومة أقليم كردستان والشخصية العراقية المعروفة ، وهو الأب الروحي للتنظيم المعروف بالمجلس الشعبي الكلــداني السرياني الآشوري ، وهو إضافة الى ذلك يضطلع بدور كبير في عملية بناء وإعمار كبيرة في مدننا وقرانا ،وهو يرمى من ورائها تخفيف معاناة شعبنا وتقديم المساعدة والعون الى عوائل كثيرة من ابناء شعبنا والتي شردتها الأوضاع الأمنية المتردية في مدن العراق كالموصل والبصرة وبغداد والذين حطوا رحالهم في منطقة اقليم كردستان .
تلقيت مكالمة هاتفية من أحد الأصدقاء من عنكاوا بضرورة التوجه الى مدينة عنكاوا وهكذا استأجرت سيارة أجرة أقلتني الى هذه المدينة ، وفي يوم 15 / 8 مساءً حضرت برفقة الدكتور حكمت حكيم لمقابلة رابي سركيس .
كان لقاءً اخوياً اكثر من كونه رسمياً فلم احسب بأنني في دائرة رسمية ، وشعرت منذ الوهلة الأولى إنني أمام شخص يتسم بالبساطة والتواضع ، فقد خرج الى الباب وكأنه يستقبل صديقاً قديماً او اخاً عزيزاً طال فراقهم ، ولا اكتم سرأً بأن هذا الجو الأخوي منحني قدراً كبيراً من الشجاعة لأكون صريحاً بما فيه الكفاية وأن أسمي الأشياء بأسمائها دون الحاجة الى المناورة السياسية او تحوير في الكلام لأصير الى السؤال الذي أرغب بطرحه .
وهكذا اتسم الجو بمكاشفة صريحة وفي المقابل كان الأستاذ سركيس لبقاً وأكثر صراحة ، واستشفيت من سياق حديثه انه يتسم بتلقائية وعفوية معتمداً على ذخيرة وجدانية ثرية زاخرة بعناصر الأخلاص التي ينشدها لتحقيق اهداف شعبه في الحرية والمساواة والحكم الذاتي ، ولهذا بمقدوري الزعم ان الرجل يوظف العناصر المبدأية والأخلاقية قبل الولوج في المعترك السياسي واللعبة السياسية المطلوبة في زمننا الحاضر .
ويتعين علي القول في هذا المقال : ان عنصر الأخلاص ليس كافياً لأدارة شؤون شعب ، او قيادة شبكة وعمليات مشتعبة لأعمال عمرانية واسعة وتقديم مساعدات لشرائح واسعة من ابناء شعبنا مع ما يحيط بهذه العملية من تجاذبات اجتماعية وسياسية ، وبرأيي المتواضع لابد من إيجاد إدارة ذات دراية وحنكة ( تكنوقراط ) لكي تكون قادرة على إدارة هذه الشؤون المتشابكة الواسعة .
لا أدري إن كانت حساباتي واقعية وهي ان رابي سركيس يعتمد في الأشراف وإدارة المنجزات العمرانية الواسعة المنتشرة ( والتي تقدر بآلاف الوحدات السكنية ) على جهاز استطيع ان اقول انه لا يتسم بالمؤسساتية ، فهو خليط متباين لا يأخذ بالحسبان التدرج الوظيفي والكفاءة المطلوبة في مثل هذه الحالات ، وارجو ان لا يؤخذ كلامي هذا على انه تشكيك في قدرات العاملين في هذا الجهاز حالياً ، إنما مقصدي هو ان العمل المؤسساتي هو النمط الهيكلي الأداري الذي اثبت قدرته في تنظيم الأعمال بعد ان تعقدت الحياة وتوسعت مداراتها .
في الجانب الأنساني يسعى الرجل بتحقيق قسط من المساواة والأستقرار لشعبنا من الكلــدان والسريان والآشوريين . وأنا واثق ان الرجل يأمل مخلصاً لان يسكن تلك البيوت التي يشيدها من هو بحاجة اليها ( حصراً )، ومن يستحقها بحق وحقيقة وهذا ينطبق على المبالغ والأموال التي يقدمها لا شك أنه يأمل ان تصل الى من هو بحاجة ماسة اليها . فبنظري أن العمل المؤسساتي هو الذي يقرر آلية هذه التوزيع معتمداً على المعادلة المهنية والشفافية ، وأنا واثق ان رابي سركيس نفسه يصبو الى تحقيق تلك المهنية والشفافية في العمل .
ان النمط المؤسساتي لا يمنع ان تكون تحت إشراف المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري او تحت إشراف شخصية سياسية معروفة ، كأن يكون الأستاذ جميل زيتو او أي شخص معروف بمواقفه النضالية ومعروف بكونه شخصاً نزيهاً لا شائبة في ماضيه ومواقفه .
من الناحية السياسية يسعى رابي سركيس لتحقيق اهداف تعتبر في الحقيقة معتدلة ، وتتمحور آماله في ان ينال شعبه الحكم الذاتي فوق رقعة جغرافية من أرض العراق وتحديداً في سهل نينوى . ويغمره الأمل في تحقيق تلك الأهداف مستثمراً الظروف المواتية حيث يمسك هو شخصياً بيده شيئاً من السلطات ، هذا إضافة الى اجواء سياسية عراقية ودولية تصب في خانة التعاطف والتأييد الدولي والأقليمي للمسيحيين في العراق بعد ان تعرضوا لتلك الحملة الظالمة من قبل المنظمات الأرهابية في بغداد والموصل والبصرة .
التاريخ يخبرنا والحياة علمتنا ان هنالك لحظات تاريخية حاسمة في حياة وتاريخ الشعوب ، وسابقاً قرأت كتاباً لمؤلف أمريكي لا يحضرني اسمه لكن الكتاب كان تحت عنوان ” عشرة أيام هزت العالم ” وهو يتحدث عن الأيام العشرة الأولى التي كانت حاسمة في قيام الأتحاد السوفياتي السابق . وهكذا يمر شعبنا اليوم بمرحلة أرهاصات حاسمة وبحسب الأستاذ سركيس آغاجان فإن شعبنا يقف على منعطف حاسم عليه ان يستغل هذه المرحلة المؤاتية لتحقيق أهداف تاريخية ومنها تحقيق الحكم الذاتي الذي يحقق شئ من الكرامة والذاتية والوجود الراسخ لشعبنا . والرجل يعمل جاهداً لتحقيق هذا الهدف لكن يبدو ان العوائق ليست من الآخر الذي يمسك بيده مقدرات هذه الحقوق إن كانت من الحكومة المركزية في بغداد او من حكومة أقليم كردستان ، إنما هذه المعارضة محشورة في شرنقة خلافاتنا وتستصرخ من رحم تناقضاتنا هذا هو الواقع الذي يحاول الرجل الأنطلاق منه لتحقيق أهداف تعتبر من صميم مستحقات شعبنا .
حاولت ان أشبه هذا الرجل بشخصية وطنية او تاريخية لكني توصلت الى ان الرجل لا يشبه سوى نفسه ويملك فكره وله شخصيته وخصوصيته فله فلسفته في الحياة ويسعى الى تحقيقها ، وقد يصدق القول ، ومن الناحية الوظيفية فحسب ، ان نزعم بوجود مقاربة بينه وبين الشخصية العراقية الكلدانيــــة يوسف غنيمة والذي شغل في النصف الأول من القرن الماضي وظائف رفيعة وانخرط في العمل السياسي في أحزاب سياسية عراقية واستطاع ان يحقق لشعبه مكاسب في الدستور العراقي وفي التمثيل في البرلمان ومجلس الاعيان ، كل ذلك تحقق والرجل لا يعمل في حزب قومي آشوري او كلداني او سرياني ، إنما حقق تلك المكاسب عبر عمله في احزاب عراقية . فالذي ينشد خدمة شعبه يستطيع ان يقوم بذلك اينما كان موقعه ، ودلائل هذه الحالة كما اسلفت تجسدت في الشخصية الكلدانيـــــة المرحوم يوسف غنيمة ، واليوم تتجسد هذه الحالة بالشخصية الآشورية الأستاذ سركيس آغاجان ، فالرجلان خدما شعبيهما خلال عملهما السياسي في أحزاب تعمل في الساحة السياسية العراقية دون ان يكون لها توجه قومي كلـــداني او سرياني او آشوري .
وفي هذا السياق سنلاحظ ان السيد طارق عزيز لم يحاول استثمار هذه الحالة في خدمة شعبه علماً انه كان يتبوأ مركزاً وظيفياً مرموقاً في الساحة السياسية العراقية لسنين طويلة ولكنه لم يحقق شيئاً لأبناء قومه الكلدانييــن او لشعبه المسيحي بصورة عامة .
في معرض اللقاء مع الأستاذ سركيس عرضت عدة نقاط كانت تشغلني ومن جملة هذه النقاط موضوع الحكم الذاتي ، وقد توضحت لدي امور وخفايا التي كانت تلف بهذا الموضوع الحيوي ، ولمست ان الرجل متحمس لأنجاز هذا الهدف السامي ، وقرأت عنده الأخلاص لتحقيق هذه الأمنية ولا استطيع ان اقول ان للرجل مقاصد او مكاسب شخصية او حزبية في تحقيق هذا الهدف ، انه يسعى لخدمة شعبه ليس إلا .
وفي شان آخر استفسرت عن سبب العزوف عن بناء وحدات سكنية في القوش في حين كانت القوش بأمس الحاجة لهذه الوحدات ، وكما هو معلوم فقد شهدت مناطق اخرى تشييد مئات الوحدات السكنية ، ويبدو ان السبب يعود الى عوامل موضوعية في القوش حالت دون إنجاز هذه الوحدات ونأمل في المستقبل ان تزول تلك الأسباب وان تتحقق هذه الأمنية .
كانت من المواضيع المهمة التي عرضتها على رابي سركيس موضوع فضائية عشتار ، وما تشغله هذه الفضائية من اهمية كبيرة في مسألة تواصل وتفعيل لغتنا وتراثنا وتاريخنا وما يمكن ان تنهض به هذه الفضائية ، وكان التطرق على ان تكون اللغة المتداولة او اللهجة في هذه الفضائية مفهومة للجميع ، إذ لا يمكن في فضائية تداول لهجة تكون عسيرة الفهم ، فاللغة المتداولة في نشرة الأخبار بشكل خاص ينبغي الا تكون عبارة عن لغة مشفرة عسيرة الفهم ، فالأعلام غالباً ما يتداول لغة وسطية مفهومة بين اللغة الدارجة واللغة الفصحى .
ونأمل ان نجد عشتار وهي تشغل حيزاً مهماً بأن تقف على مسافة واحدة بين مكوناة شعبنا في جميع مناحي الحياة ، إن كان على نطاق اللهجات المتداولة او التقاليد او الأزياء او الغناء .. فالكلـداني ينبغي ان يشعر بأن عشتار هي فضائيته وكذلك السرياني والآشوري ، وهكذا تكون فضائية عشتار فضائية الجميع وهي تتسم بالمصداقية والشفافية .
إن الحديث مع رابي سركيس أغاجان امتد الى مسالة المولدات الكهربائية في القوش والتي كان قد وفرها الأستاذ سركيس في حملة تقديم الخدمات المختلفة لشعبنا ، ومرة أخرى اشير هنا الى الصيغة المؤسساتية لتحديد آلية العمل في تقديم هذه الخدمة وغيرها لكي لا تثار التساؤلات وتكثر التقولات ، فبدلاً من ان تكون هذه المولدات نعمة للمدينة تبرز وكأنها نقمة ، وهذه الحالة ينبغي ان تزول لانها مؤسفة وغير طبيعية .
برأيي ان رابي سركيس آغاجان آشوري القومية ولمست عنده سمة الأعتدال وهو لا يفرق بين مكوناة شعبنا إن كانوا من الكلدان او السريان او الآشوريين وهو يريد ان يقوي الرابطة الدينية بيننا وليس لرابي سركيس نظرة استعلائية على أي مكون من مكوناة شعبنا وهو يحترم خصوصيات الجميع ، وهذه حالة يفتقر اليها جميع الأحزاب الآشورية القومية ( جميع الأحزاب دون استثناء ) ، وهذه الحالة تنطبق ايضاً على الكتاب القوميين الآشوريين ( جميع الكتاب دون استثناء ) ، وهذا شئ مؤسف ان تتفشى هذه الحالة الخاطئة بين هذه الشريحة المهمة من ابناء شعبنا .
إن الحياة زاخرة بالتجارب بإن الأعتدال في الطروحات وتعزيز مبادئ احترام الرأي والرأي الآخر ، وقبول الآخر ( كما هو ) هو الطريق الأسلم لتكاتفنا ووحدنا ، واعتقد ان الأستاذ سركيس آغاجان يعمل مخلصاً في هذا الطريق .

حبيب تومي / القوش