الرئيسية » التاريخ » موقف الحكومة العراقية من القضية الكوردية في العراق الحلقة الثانية عشرة

موقف الحكومة العراقية من القضية الكوردية في العراق الحلقة الثانية عشرة

رسالة تقدمت بها الطالبة/كافي سلمان مراد الجادري 

والحقيقة ان السلطات في بغداد لم تكن جادة في تسوية الامور مع البارزانيين, الذين كانت مناطقهم تعاني مثل باقي اجزاء كردستان خصوصا , والعراق عموما من اهمال مقصود في شتى النواحي , مما ولد تربة خصبة لنمو مشاعر الاستياء من الحكومات المتعاقبة , وسياساتها اللاحقة تجاه ابناء المنطقة رغم مناشداتهم المتكررة بضرورة الالتفات لمطالبهم المشروعة .
وضمن هذه الاسباب يمكن تفسير الانتفاضات المتعاقبة لبارزان ولغيرها من المناطق الكردية ابان تلك الفترة , والعقود التي تلتها .
على اي حال , قامت الحكومة في العاشر من اذار عام 1932 بانذار الشيخ احمد بوجوب التسليم واعلان الطاعة لها , والا عدته متمردا على السلطة(1) .
رفض الشيخ احمد الانذار الحكومي , ولم تمر سوى ايام حتى باشر الجيش بهجومه , بعد ان كانت قوات كبيرة قد احتشدت في مراكز وقصبات عقره والعمادية وراوندوز استعدادا لذلك الهجوم(2) .
بدأ الجيش هجومه في الخامس عشر من اذار ودارت معارك شرسة بين البارزانيين والقوات الحكومية , التي كانت تفوقها عددا وعدة , تكبد الطرفان خلالها خسائر في صفوف المقاتلين , كما سقط ايضا عدد من القتلى المدنيين في صفوف القرى الكردية(3) .
وعندما فشلت قوات الجيش في هزيمة البارزانيين استنجدت بسلاح الجو الملكي البريطاني الذي باشر بالتدخل السريع , وتم قصف مقرات الثائرين بعنف شديد , ليفسح المجال امام قوات الجيش لاقتحام عدد كبير من القصبات والقرى التي كان يقيم بها المقاتلون الكرد(4) .
واعترف احد الطيارين البريطانيين الذين اشتركوا في الحملة الجوية بضراوة القصف الذي استهدف منطقة بارزان عندما ذكر ما نصه (( تعرضت منطقة انصار الشيخ احمد لقصف مركز استخدمت فيه القنابل الموقوتة , حتى الماشية كانوا يدمرونها من الجو ))(5) .
وعندما وجد الشيخ احمد ان ميزان القوى يختل لصالح خصومه , انسحب الى الجبال ثم اجتاز مع اشقائه وحوالي المائة من رفاقه الى الاراضي التركية وذلك فـي اواخر حزيران عام 1932 . بعدها سيطرت القوات العراقية المتقدمة على قرية زيتا اخر معاقلهم في جبال العراق(1) .
وبذلك انتهت انتفاضة بارزان الاولى بعد ان استمرت المعارك بين البارزانيين والقوات الحكومية ثلاثة اشهر وثمانية ايام(2) .
وعلى الرغم من انتهاء العمليات الحربية , وانكفاء نشاط البارزانيين العسكري, لكن تداعيات الازمة استمرت حتى العام التالي .
فقد استمرت الهجمات التي يشنها , من حين لاخر , عدد من اتباع الشيخ احمد, بقيادة مصطفى البارزاني وخليل خوشوي(3) , والتي اقلقت الحكومة العراقية التي احتجت لدى السلطات التركية وطالبتها بتجريدهم من السلاح , ونقلهم الى مناطق بعيدة عن الحدود , أو تسليمهم الى السلطات العراقية(4).
في الوقت نفسه باشرت الحكومة العراقية بتاريخ السادس عشر من مايس عام 1933 بتجريد قوة عسكرية مؤلفة من ثلاث افواج مشاة لمواجهة الهجمات العسكرية التي كان يشنها المقاتلون البارزانيون(5) .
كان من شأن خطط الحكومة العراقية , ان تنهي الوضع في بارزان لصالحها, ولو الى حين, الا ان عاملا جديدا طرأ على الوضع في العراق . فقد بدأت الدلائل تلوح عن نية البريطانيين اعادة ترتيب الاوضاع في العراق , وفي كردستان بما يتلاءم مع خططهم ومصالحهم في العراق خصوصا , والشرق الاوسط عموما . وفي هذا الاطار بدأت الاخبار تتسرب عن عزم البريطانيين اسكان الاثوريين (1) في مناطق بارزان وتوابعها , وبموازاة الحدود مع تركيا . فتحرك الاتراك على عجل , وبادروا في خطوة محسوبة الى نقل الشيخ احمد من ادرنة على الحدود البلغارية الى كويان الواقعة على الحدود المتاخمة لبارزان , الامر الذي جلب انتباه البريطانيين , فسلكوا طريق الدبلوماسية لانهاء هذا الوضع(2) .
باشرت الاطراف الثلاث , الحكومتان العراقية والتركية , والسلطات البريطانية في العراق بالتفاوض حول هذا الموضوع , وتم في النهاية الاتفاق على عودة البارزانيين دون قيد او شرط الى مواطنهم , بعد اصدار عفو عام عنهم . وتم صدور ذلك العفو في الثالث عشر من مايس عام 1933(3) .
بناءً على ذلك العفو عاد ستة وثمانون من البارزانيين , بضمنهم زعمائهم مصطفى البارزاني ومحمد صديق . وبعد وقت قصير عاد الشيخ احمد الى العراق وسلم نفسه الى الحكومة العراقية(4) . وقد احاطت الحكومة عودة اللاجئين البارزانيين بهالة من الدعاية , فنشرت بهذه المناسبة في الثالث والعشرين من حزيران عام 1933 بيانا اعلنت فيه عن توقيع الشيخ محمد صديق البارزاني عن نفسه وعائلته (( صك الدخالة والخضوع ” وانهم ” اقسموا ان يكونوا رعايا خاضعين ))(5) .
ما ان سلم الشيخ احمد نفسه الى الحكومة العراقية , حتى بادرت الاخيرة الى وضعه قيد الاقامة الجبرية في الموصل , اما اشقاؤه وانصاره فقد عادوا الى بارزان , وتوزعوا على قراها سرا خشية من قيام الاتراك والايرانيين بالتعرض لهم (6). اذ ان اخبار تحركات البارزانيين كانت قد وصلت الى صفوف الكرد في ايران وتركيا , وكانت تجد لها صدى وتأييدا واسعين في صفوف اشقائهم هناك .
تحصن المقاتلون العائدون بالجبال ورفضوا الانصياع لاوامر الحكومة بتسليم انفسهم طالما بقي الشيخ احمد قيد الاقامة الجبرية , لذلك اضطرت الحكومة الى السماح للشيخ بالعودة لبارزان في نهاية عام 1933 (1).
غير ان هذه العودة لم تضع نهاية لمتاعب البارزانيين مع السلطات الحكومية التي سرعان ما تراجعت عن وعودها لهم , واقدمت على خطوة مثيرة تركت اثارها على علاقة الحكومة مع البارزانيين خصوصا , والكرد عموما , خلال السنوات التالية , عندما قامت بعد وقت قصير بحجز الشيخ احمد مع عدد من افراد عائلته في الموصل(2) .
فترة نفي البارزانيين
كان الشيخ احمد قد وعد المفتش الاداري البريطاني في الموصل , ومتصرف الموصل بارسال اخيه مصطفى البارزاني الى الموصل حال عودته , مقابل وعد قطعه له المفتش بأصدار العفو عن جميع الذين اشتركوا في الانتفاضة . وعندما عاد مصطفى البارزاني الى بارزان ارسلت السلطات البريطانية بطلب الشيخ احمد الى الموصل ، فلبى الدعوه وبعد اسبوعين من اقامته في الموصل التحق به اخوه مصطفى البارزاني بطلب من الشيخ احمد فأصبحت الفرصه مؤانيه امام البريطانيين لاحتجاز الأخوين معا ، وهكذا تم الأمر. ولم تسمح لهما بالعوده الى بارزان، بل الأكثر من هذا طلبوا من الأخ الثالث محمد صديق واولاد اخيهم عبد السلام التوجه الى الموصل برفقة عوائلهم.(1) وهكذا (( بدأت مرحله النفي والحجز الذي بدات معهم مأساة بارزان حقا ))(2) كما وصفها معروف جياووك الذي عاصر هذه المرحلة من تأريخ بارزان واحداثها اللاحقة .
بعد ان فرضت عليهم الأقامة الجبرية في الموصل ، تم اسكان الأسرة البارزانية في دار ضيقه بمحلة عبد خوب . ويشير معروف جياووك الى انه قام بزيارتهم في الموصل ؛ وقد اشتكوا من سوء المعاملة من جانب متصرف الموصل الذي منع اي اتصال لهم بالعالم الخارجي .وكان يرفض باستمرار تلبية اي من حاجاتهم الفردية.(3)
وامعانا في الأساءه الى المحتجزين البارزانيين ، خصصت لهم ادارة الموصل مخصصات شهريه لكل فرد منهم ، لم تكن تتجاوز اقل من نصف ربية (30) فلسا وهو مبلغ لم يكن يكفي لسد حاجاتهم، وقد عاشو في ضنك من العيش الى الحد الذي دفع بمصطفى البارزاني الى مطالبه الحكومة بزيادة المخصصات التي خصص لهم .(4)
ويمكن ادراك معاناة البارزانيين اكثر اذا ما علمنا ان مصدر رزقهم الوحيد كانت المخصصات الحكومية الضئيلة ، فلم تكن الأسرة البارزانية تمتلك اراضي وعقارات, كما هو شائع بين الاسر الكبيرة او ذات الوجاهة الأجتماعية المرموقة كأسرة البارزانيين ، وذلك لان طريقتهم الصوفيه توجب عليهم عدم امتلاك او اقتناء الأراضي والممتلكات الأخرى ، الا بالقدر الذي يمكنهم من تصريف شؤون حياتهم اليومية(1) .
امضى البارزانيون ما يقارب السنة في الموصل ، وبدلا من اعادتهم الى موطنهم، اتخذت الحكومه سياسة اكثر تعسفا وظلما بحقهم، اذ نفتهم الى جنوب العراق ، وفي ظروف بالغة السوء تم ترحيلهم الى الناصرية لقطع اي صلة لهم ببارزان التي كانت تشهد توترا ملحوظا بين مواطنيها(2) 0
لم تستقر الحكومة على مكان واحد في نفي البارزانيين ؛ بل قامت بعد مدة بنقلهم الى مدن الحلة ، ومن ثم الديوانية وكركوك ، والتون كوبري ، فقضوا في هذه المناطق ما يقارب الأربع سنوات(3) .
ناشد الشيخ احمد مرارا الحكومة العراقية ، وشخص الملك غازي راجيا منه الموافقة على العودة الى ديارهم ، ولكن تلك المناشدات لم تلق استجابة من المسؤولين العراقيين. وعندما توفى الملك فيصل رفع الشيخ احمد برقية عزاء الى خليفته الملك غازي معربا فيها عن اخلاصه ، ورغبته في العوده الى بارزان(4).
وعلـى الرغـم من المعاناة، وقسوة الظروف الصحية والمعاشية التي عاشها المرحلون ، بعد ان انتشرت مختلف الامراض بين شيوخهم واطفالهم ونسائهم ، الا ان الحكومة لم توافق على عودتهم الى كردستان ، الا في اواخر عام 1939،وسمحت لهم بالأقامة في السليمانية ، ولكن دون ان تتغير ظروفهم القاسية او تتحسن اوضاعهم(1) .
وبالعودة مرة اخرى الى معروف جياووك ، فانه يرسم صورة معبرة عن اوضاع البارزانيين عندما زارهم في السليمانية ، اذ يذكر مانصه(( سألت الشيخ احمد عن الأمور المالية0 فهو يقول اما الطعام فلا نذقه اكثر الأيام بل نكتفي بالخبز والشاي واما الصحة فأكثرنا متبلي بفقر الدم اما المخصصات التي تعطينا اياها الدولة فهي لاتكفي ايضا ))(2) .
والانكى من ذلك ان الحكومة حظرت على الأهالي في السليمانية اي اتصال مع البارزانيين(3). ولا ريب ان موقف الحكومة هذا كان نابعا من خوفها من الأثارالتي قد تترتب على الصلات التي تنشا بين المواطنين الكرد في المدينة،وهؤلاء المرحلين عن ديارهم لاسباب كانت معروفة للجميع . استمر وضع البارزانيين على هذا المنوال ، حتى ضاق مصطفى البارزاني ذرعا بتلك المعاملة , وصمم على الهرب من السليمانية والعودة الى موطنه(4) ،وقد تم له ذلك في حزيران عام 1943(5) . اما منطقة بارزان التي غادرها المقاتلون الى المنفى ، واضطر معظم نساءها واطفالها الى النزوح الى خارجها ، فقد اعادت الحكومة سيطرتها عليها(6) . وفي اعقاب العفو الذي اصدرته
الأخيرة عاد معظم السكان الى قريتهم المدمرة التي كان قد حل فيهاالخراب والدمار ، اذ انهارت البيوت ، ونقصت الحيوانات واحترقت الأشجار بفعل نيران الطيران البريطاني ، الذي جاء وصف السيرويلسون لاثار قصفه المدمر ليغنينا عن اي تعليق. اذ ذكر (( ان القوة الجوية الملكية البريطانية كانت تقصف الأكراد منذ عشر سنوات ولا سيما خلال اشهر السنه الأخيرة حتى اقفرت القرى والمواشى المقتولة تشهد على التمدن ؛ وانه يمكن ازالة اربعين قرية من الوجود بخسارة قليلة كهذه في الأرواح ))(1). لذلك لم يكن سكان بارزان باحسن حال من شيوخها وابنائها المنفيين. فهم ايضا عانوا من سوء الأوضاع الأقتصادية والاجتماعية والصحية نتيجة تلك المعارك بشكل ملموس ، ولم تلتفت السلطات المسؤولة الى معالجة اسباب تذمر السكان ، ومحاوله تلبية مطالبهم ، بل قامت بفرض الضرائب على الفلاحين واصحاب المواشي ، حتى وصلت بارزان الى حافة المجاعة حسب وصف احد الكتاب(2) 0
ترافق ذلك مع قيام هذه السلطات بزج عدد كبير من المواطنين في السجون ، والحكم على عدد منهم بالأعدام ، ووجد الأقطاعيون الفرصة سانحة لتقسيم مناطق بارزان واطرافها فيما بينهم ، مما زاد من استياء سكان بارزان من هؤلاء الاقطاعيين. وفـي الواقع ، فأن اسلوب تعامل السلطات الحاكمة مع منطقة بارزان لم يختلف عن تعاملها مع باقي اجزاء كردستان , فقد ظلت بارزان تعاني من مشكلات اقتصادية غير قليلة لاسباب متباينة ، استمر بعضها لغاية سقوط النظام الملكي عام 1958 0 هيأت هذه الظروف أرضا خصبة لاندلاع انتفاضة اخرى بزعامة خليل خوشوي شغلت الحكومة لفترة من الوقت (3) .

التآخي