الرئيسية » التاريخ » (المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي)الحلقة الثامنة و الخمسون

(المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي)الحلقة الثامنة و الخمسون

  يسر صفحة دراسات كوردية ان تقوم بنشر كتاب الدكتور بدرخان السندي
 ( المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي) وذلك عبر حلقات متسلسلة.

يذكر هنري تروتر القنصل البريطاني في كردستان في الثمانينيات من القرن التاسع عشر (كما جاء في كتاب خالفين)، في مقال بعنوان (اكراد اسيا الصغرى)، ما يشير الى حالة التذمر الكردي والنزوع الى المطالبة بالحقوق الثقافية وكذلك المطالبة بالاصلاح الاداري.
 فقد وقع (17) رئيساً كردياً باسم اربعين الف مواطن كردي من ولاية وان وانحائها عريضة الى ممثل السلطان الذي كان قد وصل مدينة وان لاجراء الاصلاحات الادارية فيها. لقد طلب هؤلاء في عريضتهم التماساً من الدولة بفتح مدارس في كردستان وهم يتعهدون باسم المواطنين الكرد كافة تغطية مصاريف تلك المدارس (7) أي ان الدولة لن تتكلف بتشييد المدارس او الصرف عليها وكل ما مطلوب من الدولة (الموافقة) على اتاحة الفرصة للطفل الكردي ان يتعلم وليس هناك اشارة الى ان تكون لغة التعليم بالكردية.
ويذكر تروتر ايضاً، التمس هؤلاء في العريضة نفسها ان تعفُوَهم الدولة بشكل نهائي من الخدمة العسكرية الاجبارية على غرار المسيحيين في الدولة العثمانية مع استعدادهم لدفع الخدمة بمبالغ اكثر مما يدفعها المسيحيون (3).
ان البحاثة الروسي كارجوف يضع الشعب الكردي امام معيار يقسم بموجبه الكرد الى ما يشبه المتصدين وغير المتصدين ، هذا ما نستشفه من تقسيم كارجوف.
انه كان يعتقد ان الكرد المستقرين (الفلاحين) ومربي المواشي (سكان السهول) يرضخون للسلطة ويتحملون كل الاعباء التي تفرضها السلطة عليهم بما في ذلك الجندية، ويطلق على هذا الصنف من الكرد بـ (الرعية) وهذه الرعية على مذهب كارجوف لا تستطيع ان تقرر أي فعل حاسم في مصير الشعب الكردي، بل بقي الفعل الثوري بيد رؤساء العشائر الرحل وشبه الرحل (15).
يذكر خالفين من خلال اطلاعه على انطباعات بيرزن (1856) في دراسته الموسومة (الطريق الخطر)، في ظل الترك فان النظام معدوم عند الكرد فهم لا يتمتعون بحقوق المواطنة ولقد ذهل بعض الرحالة من هول الوحشية والدكتاتورية التي تمارس بحق الشعب الكردي، لقد اورد خالفين في كتابه انطباعات السائح الانكليزي رامزي كانموذج لدكتاتورية الادارة التركية حتى على صعيد الادارة المحلية بمستوى قائممقام، ان رامزي هذا يذكر الاسلوب الوحشي الذي فرض به القائممقام ما يسمى بـ (النظام) فعلى الرغم من ان هذا المسؤول لم يكن يملك صلاحية اعدام، فانه كان يذبح كل واحد وقعت يده عليه وهو على ما يبدو كان يقاضي عدداً من الناس من قبيلة (خينام) حتى ان بعض الحاضرين ماتوا بعد المذبحة، ويبدوان البعض مات ذعراً… ان رامزي يسمي مذكراته هذه بانطباعات عن تركيا عام 1897 (19).
اما ديتيل في مذكراته (يوميات سياحية في الشرق 1842-1845) والتي جاءت في كتاب خالفين ايضاً فيحدثنا كشاهد عيان عندما زار مدينة الموصل في أربعينيات القرن التاسع عشر، انه راى كردياً متهماً بمعارضة الحكومة وضع في ساحة المدينة المركزية على المحرقة ويقول ديتيل، لقد مات موتاً رهيباً. وكذلك يذكر ديتيل حالة اخرى من حالات الارهاب التركي للكرد (باسم القانون) فقد شاهد اعدام احد الاكراد الذين اشتركوا في انتفاضة وطنية كما يسميها ديتيل نفسه، اذ غطس المتهم حياً في قدر من الماء المغلي (19).
يمكن ان نستشف حرارة الموقف في كردستان في مطلع القرن التاسع عشر من خلال ما يعرضه خالفين عن حقيقة الاوضاع السياسية لاسيما في ظروف الحرب بين روسيا وتركيا. فعلى الرغم من ان روسيا لم تكن تهتم بالكرد في البداية على خلاف تركيا وايران، لان ملوك ايران وسلاطين تركيا – كما يذكر خالفين- كانوا دوماً ينظرون الى القبائل الكردية على انها مواد الحرب ووقود المدافع!! (41) ونستنتج مما يذكره خالفين ان هؤلاء الملوك والسلاطين كانوا للاسف يستغلون الكرد من خلال الهدايا الثمينة التي كانوا يهبونها الى رؤساء العشائر والإقطاعيين المتنفذين (44-5) ولكن على ما يبدو فان العلاقة بين الروس والكرد نشأت من خلال اتصال الشخصيات الكردية المتنفذة بالقادة العسكريين سيكون في ذكرها هنا ابتعاد عن حدود موضوع هذا الكتاب ولكن يمكن ان نصل الى نتيجة، ان موقف الكرد كمحصلة كان موقفاً متردداً او متذبذباً مع الروس فلقد تسلم رؤساء الكرد الهدايا والعطايا الروسية واطربتهم وعود الوجاهة ولكن سرعان ما كانوا ينقلبون للقتال الى جانب تركيا.
ان الصراع بين المكاسب المادية والسياسية من جهة وبين النوازع الدينية من جهة اخرى كانت على ما نعتقد تقف وراء هذه المواقف الكردية المتذبذبة.
يتحدث خالفين عن امارة بدرخان الكردية التي اسست عام 1843، ويصف خالفين الامير بدرخان بالشخص الفذ المنتمي الى عائلة اقطاعية عريقة مما يميزه من القادة الكرد السابقين. انه على النقيض منهم فقد كان ضد التنازع والاحترابات الداخلية وكان يحمل هماً كردياً وهو مسألة النضال من خلال توحيد الكرد وتوحيد القبائل المتفرقة ضد العدو الاساس المشترك (59)، وقد كتبنا في ذلك ضمن سلسلة (صفحة مشرفة من تاريخنا السياسي) في جريدة التآخي الغراء 1972، والتي كنا ننشرها تباعاً. ويعود خالفين ليذكر انطباعاته عن هذا القائد الكردي فيصفه بالسياسي الدبلوماسي الجيد اذ استطاع الحصول على تأييد زعيم اكراد حكاري نور الله بك ورئيس اكراد مكس خان محمود.
لقد استثمر بدرخان فرصة استياء الشعب الكردي في كردستان تركيا من وطأة الضرائب التركية ومن التجنيد وكذلك الاستياء الذي جاء نتيجة عزل الزعماء الكرد وتعيين موظفين اتراك ليحلوا محلهم فاسس بدرخان باشا جيشاً كردياً قوامه كل الهاربين من التجنيد التركي الاجباري كما ان رؤساء القبائل ساعدوه في اتجاهه القومي هذا واصبح بدرخان القائد الحقيقي في المنطقة وحظي بتأييد كل الكرد وكذلك الارمن والكلدان والاثوريين. ان خالفين يعتمد في هذه المعلومة الاخيرة على ما كتبه سافرستيان في مذكراته (59).
اما ديتيل فقد ابدى اعجابه من خلال انطباعاته عن مستوى الارمن والاستقرار اللذين حظيت بهما امارة كردستان حتى ان مثلاً شعبياً نشأ في تلك الفترة كما يذكر ديتيل (في وطن بدرخان يسافر الطفل وفي يديه الذهب).
يذكر ديتيل ان الكرد اخذوا يفضلون الرحيل للعيش في كنف امارة بدرخان لما تتمتع به من امن وطمأنينة وعدل وكان هذا الامير قد وضع في قوانينه وشروطه وتوصيفاته للمواطن الكردي في امارته وتمنح الارض للمواطن على وفق هذه القوانين، كما كان من شروط المواطنة الكردية ان يكون للكردي حصان جيد وبندقية وسيف ومسدس (60) ونستنتج من هذا ان بدرخان على الرغم من توطيده الامن والاستقرار لكنه كان يحتاط الى ما يمكن ان يخفيه المستقبل له ولامارته وشعبه، ربما هذه الحيطة جاءت من استشرافه لتاريخ الكرد ودور الجناة الاجانب المحيطين بكردستان في امتلاخ كل وردة كردية تجاهد ان تتفتح على صفحة التاريخ.
وهكذا فالمواطن الكردي حتى في حياته المدنية جندي ومشروع قتال ومتأهب للدفاع عن كيانه الكردي في فلسفة الامير بدرخان.
لم يكن الامير حقداً او ضغينة للاقليات الدينية في المنطقة، لكن كثرة المؤامرات والدسائس المحيطة بهذه التجربة القومية استطاعت ان تنفذ الى اللباب وان تفرض رأيها في خلق اكثر من شقاق في الامارة فالامارة محاطة بحلقة من المؤامرات العثمانية تحيط بها حلقة اوسع من مؤامرات دولية، لان قيام امارة كردية طموحة اقضت مضاجع الكثيرين وكان جزءاً من المؤامرة الاستنجاد بالعالم الاوروبي تحت مظلة انقاذ الاقليات الدينية أي المسيحيين من تعصب بدرخان الاسلامي وهذا التعصب في الحقيقة بدعة اختلقها اعداء الكرد. هذه حقيقة يجب ان تقال. انها ليست مسألة عواطف بل كان لابد من خلق مشكلة للامير بدرخان فخلقوا له مشكلتين الاولى هيأوا له صراعاً دينياً وذلك من خلال البعثات التبشيرية ونشاطاتها ثم خلقوا له صراعاً عائلياً على السلطة. لم تكن ثورة بدرخان وتأسيسه الامارة الكردية معزولة عما يجري حولها فالنزاع قائم بين تركيا وايران وتدخلت كل من بريطانيا وروسيا في حل النزاع وسبب التدخل هو ان مصالح بريطانيا التجارية باتت مهددة بسبب هذا النزاع.