الرئيسية » مقالات » بَرويز مُشَّرف : هروبٌ غَير مُشِّرفْ !

بَرويز مُشَّرف : هروبٌ غَير مُشِّرفْ !

قبل عام مضى بالضبط ، كتبت في جريدة البيان يوم 8 اغسطس 2007 ، مقالتي الموسومة ” برويز مشّرف في خط النار ! ” اختتمتها بالقول التالي : ” والباكستان اليوم تمّر بأشد ازماتها بعد ان خسرت حروبا وان وقوفها الى جانب الولايات المتحدة في غزو افغانستان بالحرب على الارهاب قد فجّر الموقف الداخلي . فاذا كانت المذكرات قد كتبها من موقع القوة ، فهو اليوم ضعيف يسعى نحو المدنيين لاقتسام السلطة وربما سيخلص من ورطته وهو في خط النار فعلا .. وما لقاؤه الاخير مع السيدة بنازير الا الشروع بصفقة جديدة ، ربما يتخلى من خلالها عن السلطة ـ كما نصحه البعض ـ ، ام انه سيدفع ثمن اخطائه واخطاء الحكومات العسكرية باهظا ؟ هذا ما ستشهد به الايام القادمة ، فلننتظر ! ” .

نعم ، بعد سنة بالضبط من دخوله خط النار ، لم يستطع برويز مشرف البقاء في السلطة ، فآثر الرحيل بعد ان ادى دوره كما يجب ، ولم يكن تنحيه مفاجئا للمراقبين الذين تابعوا الاحداث الدراماتيكية بالباكستان منذ عام مضى .. ولعل من ابرز اسباب اختيار مشرف الاختفاء من الواجهة بعد ثماني سنوات من حكم عسكري بزعامته ، تفاقم الازمة التي كان قد فجرها افتخار محمد شودري في يوم 9 مارس 2007 الذي حمل على العسكر الاستئثار بالسلطة من خلال احكام قضائية بادانة ما كان يجري من صفقات بين الجيش ورجال الاعمال الباكستانيين ، فقام مشّرف بعزله ، فتفاقمت الازمة بانبثاق معارضة مدنية ديمقراطية ممثلة بـ ” حركة المحامين ” التي قادت اكبر حملة سياسية ضد مشّرف خلال الاشهر الاخيرة من 2007 ، وساندهم القضاة الجدد الذين كانوا وراء تجديد الحركة السياسية الباكستانية التي كان جنرالات الجيش يريدون خنقها مع كل من كان يجري وراءهم : رجال اعمال وسياسيين فاسدين واسلاميين متشددين . لقد كان المجتمع المدني قد تشّكل في حركة ثورية يزداد غليانها مع توالي الايام ، وغدت لاهور معقلا لها ، بحيث بلغ نشطائها 1200 عضوا ، ويتزعمها القاضي شودري .. هذا الذي تصادم مع ضياء الحق سابقا ( 1977- 1988 ) وكان يدير هذا التيار المعارض من قلب بيته ، مطالبا الجيش ان يعود الى ثكناته واستعادة دولة القانون المدنية .

كان الجيش الباكستاني قد تورط ايضا في يوليو 2007 باقتحام المسجد ، فتفاقمت العمليات الانتحارية ضد الجيش والشرطة من قبل العشرات من المقاتلين القبليين شمال غرب الباكستان ، وذهب ضحيتها مئات القتلى والجرحى ، اذ كان الموقف ، نهاية قاصمة لرابطة الجيش بالاصوليين الاشداء . وكان هناك تحالف قوي بين النظام الحاكم والقوى الاسلامية التي يتعاطف معها ابناء الشعب . وكانت المعارضة الاسلامية بقيادة مجلس العمل الموحد المعارض تضم ستة احزاب اسلامية .. وكان التحالف بين النظام وهذه القوى وثيقا ، يعود الى ايام ضياء الحق ومنحه لهم حق تكوين امارات اسلامية تابعة لسلطة نظام اسلام آباد .

وكان اغتيال الزعيمة بنازير بوتو .. قد دقّ اسفينا في قارب نجاة مشرف ، اذ زاد الهياج ضده بعد التقائه معها ، فوقع بين ذاك الهياج وبين مع زيادة الضغوط الامريكية عليه .. فافتقد مكانته ، وبدأ بتقديم عدة تنازلات بالتخلي عن النظام العسكري للبلاد ، وتخليه عن البزة العسكرية وعن قيادة الجيش مستجيبا للمعارضة التي تطالبه باستعادة البلاد الحكم المدني . لقد كانت الولايات المتحدة تتابع كل التطورات الدراماتيكية الباكستانية بعين الريبة ، بل وجدت ان برويز مشّرف لم يعد باستطاعته السيطرة على الاوضاع .. مع ارتفاع نجم رئيس الحكومة الباكستانية الجديدة يوسف رضا جيلاني .. وان الامريكيين اكتفوا بالخدمات التي قدمها لهم برويز عند خط النار ، فاعتبروا ما يحدث له كالعادة : مسألة داخلية باكستانية يحسمها البرلمان، وانهم يحترمون الارادة التشريعية الباكستانية .. بعد ان كانوا يعتبرون الباكستان اسوأ بؤرة ارهابية في كل الدنيا قبيل 11 سبتمبر 2001 !!

ويبدو ان برويز مشّرف لم يعد صالحا ، اذ عاد شبح حركة طالبان جحيما يخيم على الباكستان التي تعتبر ملاذا آمنا للارهاب ، مع تدفق اللاجئين الافغان الى اراضيها ! وغدت الحرب ضد الارهاب مستنقعا دمويا فيها ، يهدد مصيرها ، وخصوصا بعد ازدياد النقمة الشعبية على برويز الذي وجد خط النار يلتف عليه ان لم يجد مخرجا ، ويهرب بعيدا عن الواجهة .. لقد كانت الباكستان ولم تزل تلعب لعبة مزدوجة كغيرها من البلدان ، خصوصا ، عندما يستمر دعم المخابرات الباكستانية للاحزاب الدينية ، فهي تعمل بتعزيز التطرف ، وهو الاسلوب نفسه الذي يتبعه بعض حكّام الشرق الاوسط من دون اي هاجس بتفاقم مشكلات لا اول لها ولا آخر .. كلها ستقود حتما الى اغراق المنطقة بالازمات والحروب والكوارث .. لقد خرج برويز مهزوما مدحورا نتيجة سياسته المزدوجة والفردية والعسكريتارية التي اتبعها .. وهو نفسه الذي ساهم بخلق خط النار يلتف من حوله .. ولم يجد نفسه وحيدا امام خيارين احلاهما مر ، فاما البقاء كي يحترق ، واما الهروب من المواجهة الصعبة .. فمن سيحّل الدور به في المرحلة القادمة ؟ وما مستقبل الباكستان وهي تعج بالفوضى الخلاقة ؟ أيكفي سيناريو الباكستان كي يكون لوحده في الميدان ؟ وهل سيكون برويز عبرة للاخرين من الذين يسلكون سلوكه حتى الان ؟ دعونا ننتظر ..