الرئيسية » مقالات » القامشلي – مكة المكرمة – دبي: طريق الهداية والعبادة

القامشلي – مكة المكرمة – دبي: طريق الهداية والعبادة

يتهمني بعض أصدقائي أنني أجعل من الحبة قبة !! وأخلق من حادثة عادية وربما أقل منها قصة وحكاية !! ربما يكون اتهامهم هذا في حقي فيه جانب من الصحة على أنهم يقعون فيما يتهموني فيه من المبالغة أيضا !!

القامشلي ، مكة ، دبي : طريق سلكه الكثيرون غيري وذاقوا حلاوة الأماكن التي قصدوها ، كما ذاقوا تعب ونصب وشقاء المسافة الطويلة التي تزيد على أربعة آلاف وخمسمائة كيلومتر !!

طريق غير عادي يربط لك التاريخ بالحاضر والمخلوق بالخالق ، ويفسر لك ألغاز الإنسانية بكل ما تحمل الكلمة من معنى ..

تأخرت زيارتي للديار المقدسة إلى حين الرجوع من إجازتي التي قضيتها في سوريا نتيجة إصرار أصدقاء السفر على عدم مرافقتي لها في رحلة الذهاب ، فأحدهم كانت إجازته قصيرة ، والآخر كان قد زار تلك الديار مرتين ( في الحج والعمرة) !!

التهبت المشاعر بعد أن انتهينا من الإجراءات الحدودية، ودخلنا الأراضي السعودية لأجد أول لوحة مرورية إرشادية أمامي مكتوب عليها : مكة المكرمة 1586 كم !!!

ورغم خوفي من الطرق الطويلة لكني هذه المرة لم أتأثر بهذا الرقم الكبير ولم أزدد إلا شوقا لليسر في هذا الطريق ، كيف لا ؟ وهو الطريق إلى مكة …

دخلنا في جوف الصحراء السعودية القاحلة التي لا نرى لها نهاية إلا تقبيل السماء لها في الآفاق البعيدة ..

وبعد أن تجاوزنا الطريق المحاذي للحدود الأردنية ومخرنا طريقا يشق مقدمة الصحراء إلى شرق يشتعل وغرب يلتهب، لنتجه إلى نقطة تنبض بالحياة المرورية حيث مفرق تبوك والمدينة المنورة …

كانت القلوب تخفق كلما اقتربنا من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أشرت إلى زوجتي للقمر في منتصف الليل وأنا أقود سيارتي مستفسرا : هل هناك علاقة بين شكل القمر المكتمل بدرا وبين وجهتنا حيث يرقد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!!

أهلا بكم في مدينة رسول الله :

لا أخفي سرا أني نسيت نفسي عندما صعدنا من كراج السيارات القابع تحت ساحة المسجد النبوي ، ورأيت منظر المسجد على حقيقته بعدما كنت أراه إما في التلفاز أو في الأحلام …

وقفت أمام قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جموع الناس الذين لا يفرقهم في هذا المكان لون ولا نسب ولا مال ، ولا شيء ، الكل واقف بوجوم وخشوع .

رحت أسأل نفسي وأنا الكردي الذي قطع كل هذه المسافة بمحض إرادتي للوصول إلى قبر سيد البشر ، هل ما يردده الببغائيون أن الإسلام انتشر عنوة وبحد السيف ولون الدم صحيح ؟!

لا شك أن مشهد الناس المحتشدين إلى هذا المكان من كل صوب وحدب وهم يتسابقون لأداء العبادات من صلاة وقراءة للقرآن ودعاء في الروضة الشريفة يكذبون هذه المقولة وما شابهها ..

رحت أتساءل ثانية : أين مظاهر القومية العربية في هذا المكان وأنا أشاهد أمامي الزوار من جميع أشكال البشر في العالم، إذا كان الإسلام هو دين العرب كما يردده بعض الجهلة فماذا يفعل غير العرب في هذا المكان ؟!!

أسئلة كانت تراودني وأنا أقف بكل خجل أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، سلمت عليه وبلغت سلام من كلفني بالسلام عليه .

ثم ودعت المسجد بعد أن أديت فيه ما وفقني الله من عبادة على أمل اللقاء به مرات ومرات ، خرجت أجر معي مشاعر فرحة اللقاء وحزن الوداع ، وزوجتي تذرف الدموع لأنها حرمت من الوقوف أمام قبر رسول الله نتيجة تأخر وقت فتح الأبواب للنساء ، لا يمكن وصف المسجد إلا بعبارة واحدة : إنها فعلا روضة من رياض الجنة .

المسجد بني بأجمل طراز هندسي ، لم أتمكن من تدقيق النظر فيه لعدم امتلاكنا الوقت الكافي للبقاء فيه ، لكنها آية من آيات الفن المعماري في العالم …

الطريق إلى مكة :

يمكنك السير بهذا الاتجاه وعند أول إشارة توجه نحو اليسار ثم اليمين، بهذه العبارة دلنا شرطي المرور طريق مكة عندما أضعنا الطريق داخل مدينة رسول الله ..

وبعد أن قطعنا بضعة كيلو مترات توقفنا عند ميقات ذو الحليفة ( أبيار علي ) لنبدأ بأول ركن من أركان العمرة ، ارتدينا الإحرامات ، وأنا أتذكر فلسفة هذا الركن، والحكمة من هذا اللباس الذي لا يرتديه الناس إلا في هذه الأماكن المقدسة !!

إنها الخروج من المظاهر الدنيوية ، وتشبه بحال البشر المنقطع عن ملذات الدنيا من تمتع وزينة ، لذا قال العلماء عن مشاهد الحج : إنها حشر أصغر !!

توجهنا نحو مكة التي لا تفصلنا عنها سوى طريق يسير بين الجبال حينا وبين رمال الصحراء أحيانا أخرى، في هذه اللحظات وأنا في سيارتي الحديثة ( كامري تويوتا 2007 ) وجالس بجانب زوجتي وأولادي، نتمتع بهواء بارد في جو صحراوي يحيط بالسيارة من الخارج تصل درة الحرارة فيه إلى 44 درجة.

نعم تذكرت في هذه اللحظات رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صاحبه أبي بكر وهم يقطعون الصحراء المترامية الأطراف مشيا على الأقدام فارين بدينهم وعقيدتهم من كفار قريش .

ولولا خوفي أن يتهمني البعض أني دخلت علم الخرافات والخزعبلات لأفصحت لكل من حولي بعيد عودتي بأن الطريق بين مكة والمدينة والتي تزيد عن 400 كم قطعتها في وقت قصير لم أشعر به !!

ربما هي المشاعر التي سيطرت علي وأخرجتني من طور بشريتي العادية، وخاصة عندما وطأت قدماي المسجد الحرام لأتوجه إلى الساحة التي تشمخ فيها الكعبة منذ أزمان غابرة .

نسيت كل ما درسته عن الحج بتفاصيله في كتب الشريعة ، سيطرت علي أحاسيس طفل يتوجه إلى حضن والدته بعدما حرم منها !!

بيت بناه إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل ، حاول أبرهة الأشرم أن يهدمه فدافع عنه ربه بأن أرسل عليهم الطير الأبابيل، عاش في هذه الأماكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبدأت أول كلمات الإسلام تنبع من هذا المكان ومنه انطلق الضياء ليبعث بشعاعه إلى كل العالم، ويرسم حول العالم حلقات دائرية يقف عليها المصلون في كل بقعة من هذه المعمورة ليتوجهوا إلى مركزها قاصدين ربا خلقهم وبيتا يجمعهم …

طفنا حول الكعبة سبعة أشواط كاملة في كل مرة أقف بمحاذاة الحجر الأسود وارفع يدي لأقول : بسم الله .. الله أكبر .

نعم إنه الحجر الذي وضعه الرسول على ردائه عندما أطفأ نار فتنة كادت تعصف بأهل مكة قبيل نبوته، حين أشار عليهم بعد أن وضع الحجر على ردائه أن يحمل كل زعيم طرفا من عباءته ..

صلينا ركعتين خلف مقام إبراهيم الخليل وتذكرت هجرته من موطنه كردستان إلى هذه الأماكن وأنا أعتز فخرا بأني من سلالة قومه عليه السلام ، وأني نسجت خيطا من مشاعر الحنين من القامشلي إلى مكة المكرمة .

ثم سعينا بين الصفا والمروة لنتذكر أمنا هاجر أم إسماعيل عليه السلام ، عندما كانت تهرول بين الصفا والمروة تبحث عن الماء لولدها الرضيع .

وفي كل مكان نصل إليه نجلس لنشرب من ماء زمزم الذي خرج من تحت أقدام نبي الله إسماعيل والذي بات نبعه أعجوبة من أعاجيب الزمان ، نعم تذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رحم الله أمنا هاجر لولا أنها حجزت الماء لكان زمزم نهرا جاريا ) .

كنت ألتفت للخلف وأنظر للكعبة عندما توجهنا إلى باب المسجد للخروج والعودة، منظر الكعبة كان يشدني ، لكن واقعا آخر كان ينتظرني .

لم يشد انتباهي من كل الزوار سوى قوم من الماليزيين يسرون خلف معلم لهم بنظام دقيق ، كما شد انتباهي رجال يرتدون السروال الكردي ، التقيت بأحدهم عند الباب أثناء الخروج فقلت له بالكردية : ( خوه دي شته قبول كي ) فرد علي مبتسما : ( خوه شته رازيبيت ) ، قلت : أنا من القامشلي ، فرد علي : وأنا من السليمانية .

ربت على كتفي بيديه مؤكدا على العلاقة التي تشدنا وتربطنا معا إنها إضافة للعقيدة والدين الذي جمعنا في هذا المكان هي علاقة الدم أيضا التي لا يمكن أن يتحول إلى ماء كما يقول المثل الكردي ..

ودعنا مكة وقد روت حبها المحفور في قلوبنا قبل رؤيتها بمنظر الكعبة التي تهفو لها قلوب المسلمين من كل أنحاء العالم، ودعناها على أمل اللقاء بها، والتعبد برؤيتها ..

خرجنا متجهين نحو الرياض التي ذكرتني بإحدى لوحاتها الإرشادية في جامعتي ( جامعة محمد بن سعود الإسلامية ) التي درست في فرعها بإمارة رأس الخيمة في دولة الإمارات العربية المتحدة .

وبعد رحلة دامت أكثر من شهر وعشرين يوما قضيناها بين أفراح وأتراح لاحت لنا أضواء مدينة دبي وهي ترحب بنا في ازدحام مروري غير معهود ..

توحي لنا بأن الإجازة قد انتهت ولا بد من التشمير عن سواعد العمل وشقائها من جديد ، نعم هكذا يجب أن يكون من أراد العيش في بلد فيه مدينة مثل دبي !!