الرئيسية » مقالات » لماذا اغتالوا كامل شياع؟؟؟

لماذا اغتالوا كامل شياع؟؟؟

أفادت وكالات الأنباء نقلاً عن مصادر أمنية عراقية السبت 23/8/2008 عن “مقتل مسؤول كبير في وزارة الثقافة العراقية على أيدي مجهولين أطلقوا النار من مسدسات كاتمة للصوت على سيارة تقل كامل شياع عبد الله مستشار وزير الثقافة على طريق محمد القاسم وسط بغداد… والحادث وقع حوالى الساعة 15:00 بالتوقيت المحلي (12:00 تغ) وتم نقله الى المستشفى قبل ان يفارق الحياة هناك.”

في الحقيقة، لم يكن القتيل موظفاً كبيراً في وزارة الثقافة، إذ لم يكن وزيراً أو وكيل وزير أو حتى مدير عام، إذ كان مستشاراً ثقافياً للوزير، ولكنه كان مثقفاً كبيراً ولو بدون أضواء ساطعة، كما وكان نقياً ونظيفاً، غير قابل للفساد أو الإفساد، ولذلك قتلوه، ولذلك أثار استشهاده هذا الرد الفعل العنيف في أوساط المثقفين من أنصار الفكر التنويري. كما ولم يكن القتلة مجهولين، بل هم معروفون لدينا ولدى الجميع. لأن القاتل هنا لم يكن فرداً مجهولاً، إذ لا يحتاج المرء أن يكون عبقرياً ليعرف من هم القتلة، لأنهم يعملون وينشرون الرعب في كل مكان وفي وضح النهار، فهم يمثلون جبهة واسعة معروفة ومنتشرة في كل البلاد العربية والإسلامية، وهي جبهة الإسلام السياسي والقوى الظلامية التي تريد إبقاء العراق غارقاً في ظلام الجهل، لكي يتسنى لهم فرض حكمهم الظلامي الغاشم على الشعب وإبقائه في قعر التخلف بعد أن تحرر من الفاشية القومية لتحكمه فاشية الإسلام السياسي.

كما لم يكن كامل شياع شخصاً أرادوا قتله بذاته ولذاته ولعداوة شخصية بينه وبين القتلة، إذ كان الرجل إنساناً مسالماً وديعاً لم يؤذ أحداً في حياته، ولم يكن له أعداء شخصيين مبغضين، لأنه كان محباً للخير وعاملاً من أجله، وقد جازف بحياته من أجل خدمة العراق وشعبه وخلاصه من التخلف، لذلك عاد إلى الوطن مباشرة بعد سقوط حكم الفاشية البعثية، وبعد أكثر من عقدين من السنين العجاف قضاها في غربة موحشة.

إذنْ، المعركة ليست بين كامل وقتلته من حاملي مسدسات كاتمات للصوت، بل هي معركة مصيرية، حامية الوطيس بين جبهة التنوير والإصلاح والعلمانية الديمقراطية الليبرالية التي كان كامل حاملاً مشعلها من جهة، وبين جبهة الظلام التي تعمل على تدمير الحياة من جهة أخرى. فكامل شياع لم يكن أول شهيد في المعركة الأبدية بين الخير والشر، كما ولم يكن الشهيد الأخير أيضاً. فقافلة شهداء الفكر التنويري طويلة، والذين قتلوا كامل هم أنفسهم الذين قتلوا قاسم عبدالأميرعجام وحسين مروة ومهدي عامل وفرج فودة وجورج حاوي، ونحو 130 من الكتاب والصحفيين العلمانيين الجزائريين في التسعينات من القرن المنصرم، ونحو 500 من المثقفين والعلماء والأطباء العراقيين منذ سقوط حكم البعث الفاشي في العراق، لأن القتلة يريدون تدمير العقل العراقي والعقل العربي، فهم ضد كل شيء ينتمي إلى العقل والعقلانية، وهم الذين رفعوا شعارهم المعروف (من يواجهنا بالكلمة نواجهه بالرصاص) وهم الذين اتخذوا من الإرهاب وسيلة لهم لفرض تسلطهم على الناس بالقوة فقالوا: (” نعم للإرهاب، وهل هناك أكثر قربى إلى الله من إرهاب أعدائه؟”. فأعداء الله في نظر هؤلاء هم دعاة العقلانية والتنوير والعلمانية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة بين المرأة والرجل… الخ.

فنحن اليوم أمام عدو جاهل متغطرس، تم غسل دماغه بالنصوص الدينية المقدسة خارج سياقها التاريخي، من قبل فقهاء الموت، وتحويله إلى روبوت مبرمج للقتل باسم الله، حيث اسبغوا القداسة على جرائمهم وحقدهم الأسود على الحياة وجردوا خصومهم العقلانيين من كل الصفات الإنسانية، واختزلوهم إلى كائنات لا قيمة لها من أجل تبرير قتلهم وإبادتهم. فنحن أيها السادة أمام عدو همجي وحشي لا يقيم للعقل ولا للإنسان أية قيمة، ويعتبر قتل الأخيار من الناس مدخلاً لهم في الجنة والتمتع بحور العين والولدان المخلدين.

يتساءل البعض عن الجهة المسؤولة عن قتل كامل شياع، وتصفها بأنها جهة مجهولة. ولكن هل حقاً الجهة التي نفذت الجريمة هي مجهولة؟ وجواباً على هذه الاستفسارات، نقول:

هل كان من باب الصدفة، أن يتم اغتيال كامل شياع في نفس اليوم الذي صدر فيه حكم محكمة الجنايات في بغداد بالإعدام على أسعد الهاشمي، وزير الثقافة السابق، بدوره في قتل ولدَيْ المناضل الوطني المعروف مثال الآلوسي؟ ويا للمهزلة، كامل شياع المثقف الكبير، العلماني الديمقراطي الليبرالي، يعمل موظفاً تحت إمرة أسعد الهاشمي، شبه الأمي، الذي يبين تاريخه أنه انضم إلى القاعدة وحارب مع الطالبان في أفغانستان، ومن هناك تدرب على الإرهاب، وعلى تجنيد الشباب لمنظمة القاعدة في العراق. ما كان لهذا الشخص أن يصبح وزيراً لولا المحاصصة الطائفية البغبضة، إنها واحدة من مهازل العصر.

وهل كان من باب الصدفة، أن يقتل كامل شياع بعد يوم أو يومين فقط من صدور فتوى مقتدى الصدر بقتل العلمانيين و”النواصب”؟ هذا المقتدى أو اللامقتدى الذي باع نفسه لحكام إيران مستغلاً فقر أبناء طائفته وجعل من مليشياته (جيش المهدي) المجرمة ملاذاً لفدائيي صدام وغيرهم من فلول البعث من الشيعة ليعملوا بأوامر سيدهم “الولي الفقيه” علي خامنئي على تدمير وطنهم وقتل أبناء شعبهم، فأية مهزلة هذه؟ إن ما يحصل الآن من إجرام بحق المثقفين وغيرهم من أبناء الشعب هو التركة الثقيلة التي خلفها نظام البعث الصدامي. فالظلم يدمر العقل ويعيد الإنسان إلى الهمجية.

يبدو أن كامل كان على علم بمخاطر تجربته الصعبة التي كان يخوضها في العراق، مع سبق الإصرار على ما يترب عليها من عواقب واحتمالات الشهادة. ففي مقال له نشر مؤخراً على مواقع الإنترنت بعنوان (عودة من المنفى) كتبه بعد عامين من العودة، يبين فيه بكل وضوح احتمال اغتياله، نضع الرابط في نهاية هذا المقال، يقول كامل عن نفسه مبرراً: “بعد هذا الانغمار المكثف في وقائع الموت وأخباره، يسألني البعض أحياناً، ألا تخاف من الموت؟ فأجيب، أنا الوافد أخيراً إلى دوامة العنف المستشري، أعلم أنني قد أكون هدفاً لقتلة لا أعرفهم ولا أظنهم يبغون ثأراً شخصياً مني، وأعلم أنني أخشى بغريزتي الإنسانية لحظة الموت حين تأتي بالطريقة الشنيعة التي تأتي بها، وأعلم أنني قبل ذلك كله كثير القلق على مصير أخي ومرافقيّ الذين بملازمتهم لي في سكوني وحركتي يجازفون بحياتهم وحياة عوائلهم. رغم ذلك كله، وبمقدار ما يتعلق الأمر بمصيري الشخصي، أجد نفسي مطمئناً عادة لأنني حين وطأت هذا البلد الحزين سلمت نفسي لحكم القدر بقناعة ورضى. وما فعلت ذلك كما يفعل أي انتحاري يسعى إلى حتفه في هذا العالم وثوابه الموعود في العالم الآخر، فالقضية بالنسبة لي تعني الحياة وليس الموت. وهذه الحياة ينبغي ألا تكون بالضرورة آمنة شرط أن تشبع الرغبة في الوجود والفعل والانغمار.”

إن إقدام الجناة على قتل كامل لدليل واضح على خستهم ودناءتهم وإفلاسهم الفكري والسياسي والإخلاقي، وهم يعرفون هذه الحقيقة في قرارة نفوسهم. وإذا استطاعوا سلب كامل حياته فإنهم قدموا خدمة لأفكاره. فكأي شهيد استشهد من أجل قضية إنسانية رائعة، لقد برز كامل هو الأقوى بعد استشهاده من أعدائه ومما كان عليه في حياته، بل واشتهر أكثر، إذ ساهم القتلة في نشر أفكاره أكثر عشرات المرات مما كان في حياته.

لقد كتب لي عدد من الأصدقاء أنهم لم يسمعوا بكامل شياع من قبل، وفي هذا الخصوص كتبتْ لي قارئة عراقية مقيمة في أمريكا، قالت أنها لم تسمع به، ولكنه يبدو أنه كان فعلاً مثقفاً كبيراً. فأجبتها أن كامل معروف في أوساط المثقفين العراقيين والعرب، وسبب عدم شهرته على نطاق واسع هو تجنبه للأضواء، ولأنه كان يهتم بالجانب العملي أكثر من الجانب النظري والإعلامي. كذلك كان ينشر معظم كتاباته في مجلات متخصصة في شؤون الثقافة والفكر، تنشر على الخاصة من المثقفين. ولذلك راحت القارئة تبحث في موقع (google.com) عن مقالاته، فأرسلت لي واحدة منها عن حقوق المرأة مع تعليق لها تقول: (ومن هذه المقالة وحدها يكفي أن أعرف لماذ اغتال الجناة هذا الصوت العلماني المدافع عن حقوق الإنسان، والغريب أنهم كيف صبروا طيلة هذا الوقت ولم يغتالوه من قبل). هذه الشهادة من قارئة تكشف لنا مدى غباء القتلة، أعداء حرية التعبير والتفكير والتنوير. فهم بجريمتهم المنكرة هذه، ساهموا في شهرة كامل وإثارة شهية الناس لقراءة كتاباته التنويرية ونشرها على أوسع نطاق.

لذلك أهيب بأصدقاء الشهيد كامل شياع، وخاصة رفاقه في الحزب الشيوعي العراقي، وبالأخص هيئة تحرير مجلة الثقافة الجديدة، ووصحيفة طريق الشعب، جمع مقالاته، وإعادة نشرها في الصحف وعلى مواقع الإنترنت، وتبويبها ونشرها في كتب حسب محاورها. وبذلك يكون الرد الحاسم على الجناة الذين أرادوا بقتله إسكات صوت مفكر كبير.

لك المجد والذكر الطيب أيها الصديق العزيز، والخزي والعار للقتلة من أتباع القوى الظلامية، أعداء الحياة. فلا شك أن النصر النهائي لقوى الخير وللفكر التنويري.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقال الشهيد كامل شياع، وكأنه يكتب نعيه بنفسه:

كامل شياع : عودة من المنفى

http://www.al-nnas.com/ARTICLE/is/24km.htm