الرئيسية » مقالات » لن يستطيعوا اغتيال ما تحمله من نور في قلبك ومن حبنا لك ياكامل

لن يستطيعوا اغتيال ما تحمله من نور في قلبك ومن حبنا لك ياكامل


الشهيد كامل شياع

ينطبق كل الانطباق على كامل شياع المثل القائل إن العينان تفصحان عن جوهر صاحبها. فمنذ أول لقاء لي مع شهيدنا الرفيق كامل شياع، كان بريق عينيه ولمعانهما يفصحان بقوة عن ما يختزن وجدان هذا المغدور من عمق ثقافي موسوعي وحكمة وعشق صامت لوادي الفراتين العريق. إنها عينان تعكسان سعة التواضع والخلق الرفيع وحب المعرفة لدى فقيدنا الغالي. إن كل من يتابع أحاديث كامل وما كتبه وفي محاضراته، وخاصة بعد مغادرته المهجر إثر انهيار الطغيان، يقتنع بأن الشهيد هو جزء من مشروع تنويري وطني عراقي الجذور، يخوض صراعاً مع مشروع ظلامي عنفي متخلف كان يراد فرضه على العراق خلال عقود سابقة، ويراد فرضه الآن وتكريسه ولكن بعباءة ظلامية طائفية ودينية مزورة بعد أن تخلى أصحابها عن ملابس “الزيتوني” البغيضة للحكم السابق.
هذا الصراع المصيري بين النور والظلام في بلادنا كان ماثلاً أمام شهيدنا عندما عاد إلى وادي الخير. وقتها كتب سطور لها دلالتها عن هذه العودة أو قل الوداع وتحت عنوان “عودة من المنفى”، والتي كانت بمثابة رسالة وداع ولكنها تنطوي على عمق في الأمل بأن يرسي العراق عند شاطئ الأمان رغم ما يحيطه من مخاطر وآلام. لقد عبّر الحبيب كامل عن ذلك بكلمات قصار ولكنها عميقة في فلسفتها وحكمتها وتوقعاتها ونظرتها إلى المستقبل حين قال:” بجانب التجربة الفعلية والتاريخ الحي، وضعتني هذه الرحلة وجهاً لوجه أمام موت جارف ، وشيك وعبثي. لا اعني هنا بالطبع أفكاراً أو أخيلة أو هواجس تستبق حدث الموت الرهيب، بل حقائق ملموسة يمتزج فيها الموت بالحياة ويتلازمان في كل لحظة. الموت في مدينة كبغداد يسعى إلى الناس مع كل خطوة يخطونها، فيما تتواصل الحياة مذعورة منه أحياناً، ولا مبالية إزاءه في أغلب الأحيان….. بعد هذا الانغمار المكثف في وقائع الموت وأخباره، يسألني البعض أحياناً، ألا تخاف من الموت؟ فأجيب، أنا الوافد أخيراً إلى دوامة العنف المستشري، أعلم أنني قد أكون هدفاً لقتلة لا أعرفهم ولا أظنهم يبغون ثأراً شخصياً مني، وأعلم أنني أخشى بغريزتي الإنسانية لحظة الموت حين تأتي بالطريقة الشنيعة التي تأتي بها، وأعلم أنني قبل ذلك كله كثير القلق على مصير أخي ومرافقيّ الذين بملازمتهم لي في سكوني وحركتي يجازفون بحياتهم وحياة عوائلهم. رغم ذلك كله، وبمقدار ما يتعلق الأمر بمصيري الشخصي، أجد نفسي مطمئناً عادة لأنني حين وطأت هذا البلد الحزين سلمت نفسي لحكم القدر بقناعة ورضى. وما فعلت ذلك كما يفعل أي انتحاري يسعى إلى حتفه في هذا العالم وثوابه الموعود في العالم الآخر، فالقضية بالنسبة لي تعني الحياة وليس الموت. وهذه الحياة ينبغي ألا تكون بالضرورة آمنة شرط أن تشبع الرغبة في الوجود والفعل والانغمار. منذ سنوات وأنا أعتقد، ربما بعد قراءة جان بودريار، أن النهاية حاصلة في الحاضر. إنها تلازمنا في كل لحظة نعيشها. وحين ندرك ذلك، لا يعد هناك ما يستحق الانتظار. غير أن تسليم النفس للنهاية … ليس استسلاماً، إنه بداية السير نحو التخوم أو بينها ….. “.
إنها كلمات عجيبة في تحديها لمن يراد فرض الطغيان والظلامية ووأد الثقافة والمثقفين في عراقنا العزيز. أنها كلمات بسيطة ولكنها مدوية وعميقة في فضح الظلامية وأمراء الذبح ومدبري الطقوس البالية ومنظمي الكارنفالات المليونية وأهدافهم. وهنا يكمن سر ودافع الجريمة التي ارتكبت ضد شهيد الثقافة والعراق كامل شياع. فهو لم يكن أمير من أمراء الموت ولا ملثم أو ضابط في هذه الجيوش والفيالق العبثية التي تفتك بالعراقيين ولا “فدائي” من فدائيي العهد الأسود المباد ولا صانع مفخخات، بل كان صاحب كلمة ومشروع ثقافي حضاري وطني عراقي. ولهذا حلّل صعاليك فرق الموت الخاصة ومن يحميها من وراء الحدود سفك دم هذا الرجل المسالم وصاحب رسالة التنوير تماماً كما حلل طغاة سابقون سفك دم أخوان الصفا والقرامطة وأهل الزنج وغيرهم من العقلانيين على أرض عراقنا الحزين. إنه فعل شائن يظن أصحاب الأيادي الملطخة بالدماء وقف الموجة الراهنة الثقافية التي تتصاعد الآن في العراق لتحيي ذلك الخزين الثقافي الهائل الذي أراد الحكام السابقون والظلاميون حالياً طمره ووقفه.
ولكن هيهات، فهذا الخزين له جذور يمتد في عمق التاريخ الحضاري للعراق، ولا تستطيع شراذم الظلام أن تمنع إشعاع هذا الخزين رغم ما يقدمه المثقفون من ضحايا ودمار سواء في الأرواح أو في مراكزهم الثقافية التي تعرضت إلى الأضرار الجسيمة. فهذا العمل الشنيع والمكلل بالعار سيدفع محبي الثقافة..محبي كامل شياع ورفاقه وتلامذته إلى استلهام القيم والحكمة والمعرفة من كل شهداء الثقافة كي يعبروا عن إصرارهم على السير قدماً في نشر الثقافة الإنسانية والقيم الخيرة وتعزيز مكانة المثقفين والثقافة في يلادنا العزيزة لبناء عراق حضاري مزدهر. إن هذا الفقدان لدليل على أن طريق كامل شياع كان طريق الصواب وما علينا إلا الأصرار على السير في نفس طريق التنوير والثقافة الحرة. فلا خير في بلد تستباح فيه الثقافة. ولا يمكن أن يبنى أي بلد بدون تبلور ثقافة انسانية عقلانية حرة كتلك التي تبناها الشهيد كامل شياع.
نم أيها الحبيب كامل في مثواك الأبدي، ولكن لتكن عيناك محتفظتان ببريقهما كي تزيدنا أملاً واندفاعاً نحو تحرير العراق من الظلامية والعنف وفتاواه. وما على حكومتنا إلا أن تعمل على تنظيف وزارة الثقافة من القتلة وعملاء مخابرات الدول المجاورة التي حولت هذه الوزارة إلى ضيعة للتجاذب الطائفي، وعلى قاعدة المحاصصة المشينة تم تعيين وزير قاتل من أنصار القاعدة تسبب في قتل أنجال السيد مثال الآلوسي، كما تسبب أفراد من المسلحين فيها باغتيال الشهيد كامل شياع ظناً منهم أن ذلك سيعينهم على السطو على الثقافة ووزارتها. ولكن هيهات، فللثقافة العراقية نساؤها ورجالها وفرسانها الذين لا يترجلون عن جيادهم.


لوحة للفنان مصدق الحبيب

27 آب 2008