الرئيسية » مقالات » من قتل كامل شياع ؟

من قتل كامل شياع ؟

لكل جريمة فاعل ، ولكل جريمة سبب ، ولابد من تقليب الأوراق التي تخص قضية أستشهاد الباحث والكاتب كامل شياع بشكل موضوعي ودقيق ، فالقتلة لم يكن بينهم وبين الشهيد خصومة شخصية ، ولاعداوات عشائرية ، والقتلة لم يكن يقصدون التعرض لأي كان وقتله تعبيرا عن أختلال الأمن وتحديهم للسلطة ، والقتلة لم يمارسوا جريمة القتل سرا أو تحت جنح الظلام أو بعيدا عن القصبات والأماكن المأهولة بالسكان .

تمت الجريمة فوق أرض طريق محمد القاسم ( الخط السريع ) بالقرب من شارع فلسطين ، وهو من الشوارع المأهولة والذي يربط أهم شوارع العاصمة ، ولايخلو من مرور السيارات ، غير أن القتلة أستعملوا السلاح الجديد الذي دخل العراق حديثا ، فكاتم الصوت سوف يستعمل بكثرة في عمليات الأغتيالات الفردية .

السيارات التي لاحقت سياة الشهيد لم تك أختارته بالصدفة ، فقد كانت ترقبه وتخطط الى اللحاق به ، وكانت بالتأكيد هناك أشارات من جهة تعرف حركة الشهيد ، وكان هناك تنسيق بين أكثر من جهة حول التصدي وأرتكاب الجريمة ، وهذه الجهات تعيش بيننا وتزعم أنها تمارس دورا سياسيا ، غير أنها تعرف غطست في وحول الجريمة وخسة الفعل ، وتلطخت بدماء العراقيين مع أنها شريك في اللعبة السياسية وتزعم أنها تقود العراق .

وأختيار كامل شياع ليس دون معني مطلقا ، فقد كانت معانيه واضحة ، وعبر مقتله ليس خسارة للثقافة العراقية والكلمة الحرة الشجاعة ، إنما كان خسارة للحركة الوطنية في العراق ، فقد كان كامل شياع ابنا بارا ومخلصا للعراق ولمستقبله ، ولم يهادن ولم يستكن ، فقد وظف كل ما كان له من العمر في النضال ضد السلطات الغاشمة ، وتحمل المطاردة والأغتراب والعذابات ، مثلما تحمل شجاعة قراره فى العودة الى بغداد حاملا روحه فوق كفيه ، عارفا انه يمكن أن يضيء طريق العراق الجديد بدمه .

وليس فقط لأن كامل شياع عضوا في المكتب المركزي في لجنة الأعلام للحزب الشيوعي العراقي ، وليس فقط لأنه أحد المسؤولين عن تحرير مجلة الثقافة لجديدة التي يعتز بها كل صاحب ضمير حي ووجدان وطني عراقي ، أنما كان كامل شياع صوتا معتدلا وداعية من دعاة وحدة المجتمع وتفعيل منظمات المجتمع المدني وترسيخ أسس النظام الفيدرالي الديمقراطي في العراق .

وكان هذا الصوت مقترنا بما عرف عن الشهيد من خلق سامي ، وبما يحمله من فكر وضاء كان القتلة يرون فيه أشعاعا يبهر عيونهم ويعمي قلوبهم ويدحر افكارهم التي لاتتم قرآئتها الا في ظلام الكهوف وبعيون الخفافيش ، كانوا يريدون أن تندحر أفكاره وتخفت مطالباته بالمجتمع الذي يليق بالعراق ، وكانوا يريدون أن تموت الكلمة الطيبة وتندحر المحبة ليشيع الجدري والجذام فوق وجه العراق ، واستعملوا كاتم الصوت ليس بقصد أن يموت كامل شياع ، فلا أنسان يبقى مؤبدا في حياته ، ولكل أنسان أجله ، ولكنهم ارادوا أن تثقب رصاصاتهم أحرف الكلمات الجميلة فتشلها عن الحركة .

وفي كل الأحوال يكون المجرم متجردا من عمقه الأنساني ، ففي لحظة الجريمة يتجرد الإنسان من أنسانيته ويتخلص من معانيه البشرية ، يتحول لحظتها الى وحش كاسر وخطير تتهيج غرائزه متعطشة للدم وأيذاء الآخر ، المجرم بهيمة من البهائم التي تسرح وتمرح تتبرقع بوجوه بشريه وتتحدث بلسان الناس ، غير أن هناك من يوظفها ويأمرها فتطيع دون أن تتعرف على الأسباب ، تقاد كما يقاد القطيع ، والأهم منها هي تلك الجهة التي تحرك هذه البهائم ، لن يكون كامل شياع الأخير في هذا الدرب ، والمتمعن في تدقيق شخوص الثقافة العراقية ، وفي وزارة الثقافة تحديدا ، فلم يكن الشهيد قاسم عبد الأمير عجام أول الشهداء ، ولن يكون الشهيد كامل شياع أخر الشهداء ، فلم تكن تلك العقليات توظف تلك البهائم تمدها بالمال والسلاح وكواتم الصوت والسيارات الا لأرتكاب مثل تلك الجرائم .

ليس صعبا ومستحيلا معرفة القتلة ، وهذه المهمة التي ستتولاها الجهات التحقيقية والمخلصين من أبناء العراق ، وستكشف القتلة وربما تعرضهم علينا في الفضائيات ، غير أن الأهم أسماء من هم وراء القتلة ؟ من حرك هذه البهائم لتقتل وتشرب من دمائنا ؟ فقد شبعنا موتا وشبعنا تبريرا ووعود ، وربما كثرت ملفات الجرائم وتم اعدام العديد من القتلة ممن أدانتهم المحاكم القضائية بعد أن توفرت الأدلة كاملة وواضحة ، وبعد أن اكتسبت قرارات الأحكام الصادرة بحقهم الدرجة القطعية ، غير أن تلك القرارات ناقصة ومبتورة وربما تم بترها تتلخص في عدم كشف الأسماء التي دفعت القاتل ووفرت للقاتل وأمرت القاتل ، وتلك جريمتها الأخطر وستبقى .

من هم قتلة كامل شياع الحقيقيين ؟ ومن هم وراء هذه الجريمة الواضحة وضوح شمس تموز في العراق .

لم يقبل كامل شياع أن يبقى في مدينته الصغيرة والهادئة (( لويفن )) في بلجيكا ، ولم يتقبل أن يشرب قهوة الصباح في شقته وعلى انغام فيروز في التلفزيون ، ولا على متابعة ما يجري من بعيد من فضائيات تدخل البيوت دون استئذان ، ولم يقبل أن يبقى يتمشى مع ولده (( ألياس )) يوميا في حديقة المدينة العريقة والتمتع بأزهارها وأشجارها وبحيرتها الصغيرة ، فظل أن يكون ضمن أهله في بغداد تحت شمسها اللافحة ، وغبارها الذي يعمي الأبصار ، ووسط جدران من الكونكريت تقبض النفس وتحز في الروح ، فظل أن يشرب أستكان الشاي من باعته في ساحة النهضة أو العلاوي ، وان يتسامر مع رفاق دربه وهم يمسحون عرقهم من جباههم بأياديهم ، ولم تكن وظيفة المستشار أكبر منه ، فقد كبرت به بشهادة كل الذين عملوا معه أو تعرفوا اليه .

من هم قتلة رموز العراق وشخصياته الوطنية ؟ ربما نكون بحاجة ماسة للتصارح والتكاشف وتشخيص ألخلل ، ولايمكن أن تستقر الامور ونعيد للعراق بهاه ونقاءه أذا كان القتلة يسرحون ويمرحون ويقررون بيننا ، نحن بحاجة لكشف هذه الأسماء دون أن نضع للأعتبارات السياسية أو المذهبية حضورا في الأتهام ، نريد تشخيصا حياديا لوجه العراق يعين لنا الجهات التي تقتل رموز الثقافة والتنوير والفكر الوضاء والطيبين من ابناء شعبنا ، وخصوصا اولئك الذين يتسلحون بحماية شعب العراق ، وثقتهم عالية بستقبل العراق .

نريد من الأحزاب العراقية الوطنية مراجعة ضميرية ووجدانية في تشخيص المجرم والخلل الموجود في مفاصل حياتنا ، ونحن نزعم إننا على أعتاب زمن ديمقراطي جديد ، زمن يتيح للعلماني واليساري واليميني والوسط والمعتدل والمستقل أن يكون جزء مهم من هذا العراق ، وأن لاجهة تهمش أخرى ولاحزب يقود الأحزاب ، ونريد من الحكومة بأعتبارها حكومة لكل العراقيين أن تسعى بجهد صادق لكشف الحقيقة خلال مدة قصيرة ، وأن توظف كل أجهزتها التنفيذية في سبيل أن تستثمر قضية مقتل الشهيد كامل شياع لكشف حقيقة الأغتيالات الجارية في العراق ، وتسمية القتلة بعد أن تم حجب تلك الأسماء خمسة سنوات سالت فيها دماء عراقية غزيرة ، وفقدنا فيها أرواح عراقية لن يكررها الزمن ، ولن يعوضها القادم من الأيام الا بصعوبة كبيرة ، خسارتنا كبيرة والأنسان اغلى من المال العام ، والمثقف العراقي ثروة لايمكن تعويضها ، والرموز العراقية نتيجة من نتائج المخاض والزمن العراقي المرير ، متحملين كل تجربته ومراراته ، ولايمكن تعويضهم أو ابدالهم بيسر .

من قتل كامل شياع يريد أن يقتل الضوء في العراق ، ومن قتل كامل شياع يريد أن يحارب الأعتدال والمحبة والسلام ، ومن قتل كامل شياع يفكر في أخصاء شعب العراق ، ومن قتل كامل شياع يعتقد انه يقتل الكلمة الحرة .

وكلنا نعرف انه واهم وساذج فالمحبة والكلمة الطيبة والموقف لايموت بالرصاص ، وسيبقى شعب العراق وقوافل المخلصين من أبناءه يرفعون شعار المحبة والتآخي والمجتمع المدني فيئا فوق رأس العراق ، وسيصدون رصاص الكاتم من الصوت بأجسادهم فقوافل الشهداء لن تتوقف مادام القتلة وأسيادهم يتسترون بأردية واغطية وأشكال نعرفها جميعا ، ولكننا بحاجة للجرأة لتشخيصها وتوجيه أصابع الأتهام لها ، ليكون القضاء العراقي الذي نثق به دائما هو الفيصل في أثبات الأتهامات وإصدار الأحكام .

كان كامل شياع يريد الحياة ويعرف انه هدف للقتلة ، وكانوا يريدون الموت ويعرفون أنهم يتلثمون وجوها وضمائر ، فهم ميتون ومشطوبين من العراق ، وهو باقي مابقي الإنسان والتأريخ في العراق .

وما يحز في النفس أن تسجل كل تلك القضايا الأجرامية ضد المجهول ، وهو ليس مجهول ، ونعرف يقينا انه ليس مجهول ، وحين نقوم بتوجيه أصابع الأتهام ، وحين تشخص السلطات التحقيقية المتهمين القتلة وتقدمهم الى العدالة وحين تقول العدالة كلمتها وقراراها ، حينها سترف فوقنا ليس فقط روح كامل شياع وقاسم عجام إنما أرواح كل شهداء العراق المغدورين ، حينها تتبدد لمخاوف من أن يستمر المجهول يتصدى لرموزنا ومثقفينا يقتل ويخطف ويهدد دون رادع ، حينها نطمئن حقا أن الأمن والقانون سيد الموقف .

لامجهول في القضايا الأجرامية ، ولاقضية تغلق لعدم معرفة ألجناة ، ولايمكن القبول بالتستر على القتلة والمحرضين والمخططين ، ولايمكن السكوت عن كل هذا حتى لايستقوي المجرم على القانون ، ولا عدو الشعب العراقي على أبناء العراق المجاهدين ، وحتى لاتستمر لعبة القتلة ونمنحهم فرصة أخرى لأغتيال عدد أخر من أبناء العراق ، علينا أن نطالب الدولة بكشف أسماء القتلة وفضح اسيادهم والجهات التي يتسترون بها ، وهي مهمة وطنية لاتقل أهمية من المصالحة الوطنية ومن سيادة القانون والأمن في العراق .

ومع أن رحيل كامل شياع المبكر يشكل خسارة كبيرة لاتعوض للعراق ، الا انه كان يعرف حقا أنه راحل مع الخالدين .