الرئيسية » مقالات » كركوك بين الضم و الاستعادة

كركوك بين الضم و الاستعادة

قبل كل شيء الف تحية وسلام الى ابناء كركوك الطيبين من اعضاء مجلس محافظة كركوك من كورد وتركمان وعرب وكلدواشوريين لمواقفهم الوطنية الجريئة في الدفاع عن كوردستانية كركوك وخاصة موقف التحدي الاخير ، مؤكدين بذلك ان ارادة اهل كركوك المستندة الى مضامين المادة 140 من الدستور هي الطريق الامثل للحل ..ولا طريق اخر.
اما بعد..
من قال ان الكورد يريدون (ضم) كركوك الى اقليم كوردستان؟ ان من قال ذلك خالف الوقائع والتاريخ وحقائق الجغرافيا ، ومن قال ذلك لم يفهم اساسا المطلب الكوردي او تغافل عن فهمه. الكورد لم يطلبوا ابدا (ضم!) ما هو ليس ضمن الارض التي سكنوها منذ ان كانوا ومنذ ان كانت كركوك وديار بكر وديرسيم وكرمنشاه ودهوك واربيل ومهاباد والقامشلو وغيرها من ديار الكورد ..
الكورد لم يطلبوا استقطاع جزء من جسد احد لـ (يضموه)! الى جسدهم .
الكورد لم يطالبوا ابدا بأضافة شيء لا يملكونه الى ممتلكاتهم التي تنام عليها طواغيت الظلم والاحتلال دون حق منذ ان استطاعت دولة الفرس وال عثمان بسط شرهم على اراضي كوردستان وتوزيعها غنائم ، ومنذ ان وقعت الايدي السافلة معاهدة لوزان ، فاصدرت وثيقة العار الدولية بالغاء معاهدة سيفر التي دعت الى انشاء الدولة الكوردية على جزء من ارض كوردستان.
الكورد ، وبكل بساطة يريدون اعادة الحق الى نصابه ، ولم يعرفوا شيئا بمعنى )الضم) في ادبهم السياسي والتاريخي ، هذه كلمة يستعملها المحتل الغازي ، وليس الشعب الذي تعرض الى الانفالات و (مهرجانات) القتل الكيمياوي …
كركوك ليست ملكا لاخرين ليأتي الكورد كي (يضموها) الى اقليمهم ، فكركوك مثل اربيل وديار بكر ومهاباد والقامشلو جزء اصيل من كوردستان ، بل انها روح اقليم كوردستان التي يعيش بها ، انها الشريان الذي يمده بالدم والهواء .
ان الكورد لا يطالبون بـ (ضمها) الى كوردستان ، لان مفهموم (الضم) لا ينطبق على واقعة كركوك ، بل انهم يريدون ويناضلون من اجل أستعادتها بالوسائل السلمية وبالتفاهم ، وبروح الاخوة ، واستعمال العقل والحكمة . فكركوك استقطعت من كوردستان قسرا وبوسائل عنصرية خبيثة ترفضها شرائع الارض والسماء كلها ، واعادتها الى جسمها الطبيعي في كوردستان ليست (ضما).
والكورد يدركون جيدا ان كركوك (كمكونات قومية) ليست مدينة خالصة لهم ، ويعرفون ويحترمون حقيقة وجود قوميات اخرى فيها يجب ان تحترم بالتمام حقوقهم وخصائصهم القومية اسوة بالكورد ، والكورد الذين لا يزالون في اغلبيتهم يتعرضون الان الى اضطهاد قومي بشع وظالم في تركيا وايران وسوريا ، وتعرضوا في العراق الى قمع عنصري وحشي لم تشهده امة على الارض الا ربما اليهود على يد النازية والارمن على يد الطورانية ، لا يمكن ان يحاولوا قمع او اضطهاد قوميات اخرى تعيش معهم على الارض نفسها.
فالتركمان كقومية ثانية لهم مع الكورد الكثير من الوشائج والعلاقات الطيبة ، ويعيشون متجاورين او مختلطين في احياء مشتركة وفي اسر واحدة تصاهرت ، وهذه العلاقات الانسانية العميقة لا يمكن لنفر قليل من عملاء تركيا تشويهها والتعويل في مؤامراتهم وخيباتهم على احداث مثل ما حدث عام 1959 والتي يعرف المنصفون التركمان انفسهم ان الكورد كانوا حماتهم ، وان المؤامرة الدموية المؤسفة تلك كانت قد دبرت في عاصمة مجاورة للعراق ، وان منفذيها والذين اشعلوا فتيلها كانوا قلة من العملاء وعلى شاكلة من اطلق النار على مظاهرة اهالي كركوك يوم الاحتجاج على ما اقرته عصبة المئة والسبعة والعشرون من اعضاء البرلمان العراقي.
كما يعرف الكورد ان هناك قومية الكلدوآشوريين التي لها هي الاخرى الكثير من العلاقات الطيبة مع الكورد الكركوكيين ، وهم في كركوك يعيشون في احياء مختلطة ، فعدا حي (عرفة) القريب من ابار باباكوركور الذي تسكنه غالبية من ابناء قومية الكلدوآشوريين ونسبة قليلة من الكورد ، فأنهم يعيشون الى جوار اخوتهم الكورد والتركمان في الاحياء الاخرى مثل حي (الماس) و(تبة ملا عبدالله) و(القلعة- قبل تحويلها خرابا على يد النظام الفاشي السابق).
كما يعرف الكورد ويحترم الوجود العربي ايضا في كركوك ، ولكن لا يمكن ان تنسى الذاكرة الكوردية ايضا ما قامت به السلطة الفاشية السابقة من ممارسة عنصرية حينما قامت بمواصلة سياسات تقليل العدد الكوردي في المدينة المستمرة منذ تأسيس الدولة العراقية وذلك بطرد اكثر من مائتي الف كوردي من كركوك واحلال عوائل جلبوا من جنوبي ووسط العراق محلهم. وهذا الكلام لا يعني ابدا تحميل الشعب العربي وزر الممارسة العنصرية لنظام قاتل ، قتل من الشيعة العرب مئات الالوف خاصة اثناء الانتفاضة ، ودون ان يسلم حتى العرب السنة من شروره.
كما ان هناك في كركوك يعيش الارمن والصابئة المندائية.
وكركوك ليست حالة خاصة كما يدعي البعض ، ففي كل مدينة هناك العديد من القوميات تعيش متجاورة مع بعضها ، ففي بغداد هناك العرب والمسيحيين والكورد والتركمان والصابئة المندائية والارمن ، ومع ذلك فهوية المدينة هي الهوية العربية لانها تقع في المحيط العربي وذات تاريخ عربي واغلبية سكانها من العرب ، وهل تقبل عصبة المائة والسبعة وعشرون ان بغداد حالة خاصة؟ ، وهناك الاف المدن في العالم على ذات الشاكلة، وكل مدينة لها هويتها الخاصة على الرغم من تنوع مكوناتها ، فلماذا يريد البعض ان تشذ كركوك عن الدنيا والعالم؟ هل يمكن تفسير هذا الاختراع الغريب حول كركوك ، ومن اجل ماذا يسوق ؟
ان المادة 140 التي وافق عليها ما يقارب 80% من العراقيين في استفتاء شهدت بنزاهته مؤسسات الامم المتحدة ومنظمات ذات اهتمام بالرأي العام ، اقول ان هذه المادة اذا طبقت كما هي ، ولا مناص من ذلك ، فأنها تعيد كركوك الى حاضنتها الطبيعية وفق اصول الحق ومبادئ العدالة التي لا بد من الركون اليها ، ووفق ما نراه في العالم المتمدن والمتحضر. اذ ان اي حل اخر بعيد عن مضامين وروحية تلك المادة لا يعني الا الخروج عن تلك الاصول وتلك المبادئ ، وهو شيْ سيجابه برفض كوردستاني عارم سيغير الكثير من الامور والمعادلات ويوصلها الى مستويات غير قابلة للجم ، اذ ان مسألة اعادة كركوك الى الجسد الكوردستاني هي من الامور التي لا يمكن لاية قيادة سياسية كوردستانية ان تساوم عليها ومهما كان الثمن . فمشروعية وجماهيرية وبقاء اي قيادة سياسية كوردستانية مرتبطة اساسا بموقفها من المدن الكوردستانية الاخرى المستقطعة من اراضي كوردستان وخاصة مدينة كركوك ، كما ان التأثيرات الدولية التي يعول عليها بعض العملاء والانظمة العنصرية الاقليمية لا يمكنها ان تناطح الى الابد الارادة الكوردستانية الموحدة في استعادة حقها وفق صيغ العدالة والحق الصراح. وحسب رأي اغلبية الكورد فأن اعادة كركوك لم تكن تحتاج الى كل هذه الضجة ولا الى اية مادة دستورية ، اذ لو كانت النوايا صافية حقا ، لو كان هناك احترام حقيقي للناس الذي اسيء اليهم في كركوك ، ولوكان هناك عقل مفتوح ورؤيا بعيدة عن العنصرية لتمت عملية اعادة كركوك وخانقين وسنجار والمدن المستقطعة الاخرى الى اقليم كوردستان دون كل هذه الضجة المفتعلة التي لن تغير من الحقائق شيئا.
اما اقتراحات ديمستورا الذي يقال انه سيقدمها بعد بضعة ايام ، فمهما تكن تلك الاقتراحات الا انها تبقى في مجال الفحص والتدقيق ، وليس هناك اي دليل على ان القيادة السياسية الكوردستانية ستقبل بها اذا مست في اي جانب منها مضامين و اليات تطبيق المادة 140 من الدستور الدائم. وشخصيا لا اعتقد ان شيئا اسمه التوافق يمكن ان يحل موضوع كركوك ، اذ كيف يمكن للكوردستانيين ان يتوافقوا مع الرأي الرافض للدستور و للفدرالية وللهوية الكوردستانية لمحافظة كركوك ، الكورد في اعتقادي مستعدون للنقاش في مسألة ضمان حقوق القوميات غير الكوردية في كركوك وايصالها الى اعلى المستويات ، ولكن لا اعتقد انهم مستعدون للنقاش في اي مبدأ يشك في الهوية الكوردستانية للمحافظة ومبدأ اعادتها الى الاقليم.
وقد يكون هناك من يعتقد ان موضوعة النفط هو السبب الوحيد في هذا التعلق الكوردي بكركوك ، وهذا السبب وان كان مهما ، ولكنه ليس السبب الاهم والاقوى ، فكركوك امتلكت حسب ظني، وكأحساس انسان كوردي من كركوك ابا عن جد ، اقول انها امتلكت مكانة تشبه مكانة التقديس في الذاكرة والميثولوجيا الكوردية التي دخلت في جينة الانسان الكوردي اينما كان وبصورة عامة ، فاسم كركوك القديم )كوركورك) هو ذات لاحقة زاكروسية اي تنتمي الى لغة قبائل جبال زاكروس الكورد ، وكركوك نفسها واقعة على الهضاب الجنوبية لتلك الجبال التي تعتبر الموطن الاصلي للشعب الكوردي منذ الاف السنين والتي مرت منها وعبرها الكثير من الحضارات والدول والجيوش وبقي الكورد فيها متمسكين بارضهم دون التفكير ولو للحظة في مغادرتها على الرغم من الاضطهاد والقمع وسياسات الاقتلاع الكثيرة والمستمرة التي تعرضوا ويتعرضون لها الى الان . كما ان موقع نيران باباكوركور الازلية يعتبر في مصادر تاريخية معبدا من معابد الديانة الكوردية القديمة الزرادشتية (ويعتقد مؤرخون ان اثار معبد(اناهيتا كانت على تلة شمال موقدي النار الازلية ، وانا اتذكر وجود التلة واثار مبنى قديم متهدم هناك ، وشاهدته بأم عيني في اوائل ستينيات القرن الماضي ، لكن القوات الحكومية البعثية حولتها الى ربية عسكرية ومن ثم ازالت التلة كلها من الوجود ، وان اهالي كركوك الكورد قبل سيطرة القوات الحكومية ايام العهد البعثي على محيط بابا كوركور كانوا يمارسون عادة زرادشتية قديمة وهي خروجهم مع عوائلهم ايام الاربعاء للنزهة ، وهو اليوم المقدس لدى الزرادشتيين ، وكانت النساء الحوامل يطفن بالنار الازلية ويطلبن من باباكوركور ان يرزقهن بولد ، وبعد ان سيجت قوات الدكتاتور منافذ النار الازلية بحرابها ، غير الكركوكيون الكورد اماكن نزهاتهم ولكن دون ان يغيروا اليوم ، وبقي (جوارشه مه سوره) لحد الان هو يوم النزهة والخروج الى اطراف المدينة.
اذن ، الكورد لا يطالبون بضم كركوك، بل يطالبون وحسب القانون والدستور والحق والحقائق الى عودتها الى محيطها وجسدها الكوردستاني ، وكركوك لن تعيش ولن تستطيع التنفس الا في محيطها الطبيعي ، هكذا كانت وهكذا ستبقى .
قال ابو الطيب المتنبي:
تريد ادراك المعاني رخيصة
ولابد دون الشهد من ابر النحل.