الرئيسية » مقالات » أغاني طائر المنفى

أغاني طائر المنفى

(( كرائحة المطر في أعراس الخصب
وكقطرات الندى حين تداعب أزهار الياسمين
أراك تقفين على أبواب مدن الدم ، والمذابح الطائفية ))

* في مجموعته الشعرية الأولى يوظف الشاعر “صباح سعيد الزبيدي ” البنية المأساوية للمنفى توظيفا شعريا الى أبعد الحدود فهو وبالرغم من وجوده بعيدا عن محرقة الوطن الذي أحب وترعرعت فيه عصافير طفولته . . ألا أن تجربته الشعرية لا تستطيع أن تعلن عن نفسها إلا من خلال لجوئها الى طمأنينة ذلك الماضي الذي يتحول ورغم شراسته وتسببه في هجرة الشاعر الى ملاذ آمن يتكئ إليه رأسه المثقل بالحنين او ناي قصبي ينفث من خلاله ما يحتشد به صدره من أشواقه المتجهة نحو تخوم الوطن الذي مزقته حراب الغزاة وفظاظة فرق الموت التي أفرغت القدر من وظيفته الطبيعية وراحت تصنع بنفسها أقدار الأبرياء والعشاق وأحلام الطفولة .
إن الشاعر “صباح سعيد الزبيدي ” وهو يقف أمام محنة وطنه لم يجد ما يقدمه له سوى أن يهبه حزمة من أغانية العذبة الشبيهة بحزمة ضوء دافئة تنسكب في عينين أتعبتهما ليلة كثيفة الظلام والألم والحنين . أو كقطرات مطر تلقفتها كف الأرض التي شققها العطش . ورغم أنه يتحدث في جل قصائده عن مرارة وحشية المنفى أو عن ناس الوطن الذين والى أي جهة التفتوا لا تقع عيونهم الا على رعب الموت . وبشاعة سنته الوحشية . إلا أنه يمزج مزجا عذبا بين حديّ نصه الشعري المتضادين . وكما يظهر هذا في المقطع الذي اجتزأتاه من نصه الجميل الذي يحمل عنوان (( أميرة الأحزان )) إذ أنه ومن عنوان قصيدته يبدأ بتأسيس تضادية شعرية تعمق من قوة النص وتأثيره بل وحتى دراميته وإن كانت تبدو متخفية بين صور النص وأبنيته اللغوية والموضوعية .
إن أميرته التي تشكل عنوان النص تتعارض وتتضاد مع صفة الحزن التي لا يمكن لها أن تقترب من (الأميرات ) والتي هي بضاعة يتوارثها متعبو جيلا بعد جيل . هنا يأتي اختلاف أميرة الشاعر عن أميرات الأرض السعيدات . إنها أميرة الحزن التي لم تنج منه أكثر السلالات سعادة وفرحا .
وإذا ما صاحبنا هذا النص الشعري في إنثيالاته وتدفقه المفعم بالأسى والحنين والوجع اليومي فان هذه الأميرة التي تستأثر بعنوان القصيدة تخرج من صفتها الحسية . وتتحول الى معطى أشاري يحيل مخيلة المتلقي الى أن تصنع منه أكثر من تشكيل قد يكون حسيا أو حدسيا . . وهنا يخرج الشاعر من التحديد التعريفي الضيق لأميرته . . سيما الأميرة الأنثى ليلبسها امتدادا يتسع ليشمل الحياة التي أنكسر غصن فرحها . . فآل مصيرها من أميرة محاطة بالفرح والبهجة والمسرة الى مكون كابوسي أينما يتجه تقف في طريقة (( مدن الدم والمذابح الطائفية )) .
إن لهذا النص ظاهرا وباطنا . . فهو يهديه الى كل امرأة عراقية أعطت الوطن أثمن ما لديها وليس لدى المرأة ما هو أثمن من الحب الذي يصنع معجزة الحياة . . إنه درسها الإنقاذي الذي تحاول أن تروض من خلاله كل أولئك الذين غرست الكراهية في صدورهم أكثر أشجارها رداءة ووحشية ولكنه ولكي يخرج بالمرأة هذا الكائن الأسطوري من شرطه المحدود الى مطلقه اللامتناهي فأنه جعلها ومن خلال تدفق نصه عبر لغة لا حدود لشفافيتها وبساطتها . . أن تأخذ تجسد الحياة بضفتيها المادية والمعنوية . .
إننا وحين نركز كثيرا على رمزية المرأة في هذا النص . . فأننا ننقاد الى ذلك كون الشاعر مذ أعطاها متسعا كبيرا في تجربته . . حين تبسط ظلها على معظم قصائد المجموعة . . فالشاعر حتى وإن لم يتحدث عن المرأة بصورة مباشرة إلا أنه يعمد الى توظيف ما يشير إليها في جميع نصوصه ونجد هذا واضحا في نصه الذي يحمل عنوان (( الطفولة الذبيحة )) فالطفولة هنا لوحة إشارية كغيرها من اللوحات التي تدلنا على هيأة الشيء الذي تشير إليه . وهنا نجدنا أمام معطى آخر من الكنوز التي أمدت المرأة بها العالم وهذا الكنز يتمثل في الأطفال الذين أراد لهم الشاعر أن يكونوا كباقي أطفال العالم سعداء وحالمين . إلا أن الأطفال الذين يتحدث عنهم الشاعر ( الزبيدي ) في نصه وهم أطفال بلاده قد ذبحوا قبل أن يغادروا عتبة طفولتهم . .
(( في زمن القهر والموت المهين
ومع انبلاج الصبح
وأناشيد العصافير الحزينة
أرى أطفال وطني
عند أبواب مدن الأحلام
يفتشون عن فرح الطفولة ))

وكما أن هؤلاء الأطفال الذين ولدوا وفي أعناقهم يتدلى نصل السكين فإنهم لم ييأسوا من البحث عن لحظة فرح يسرقونها من مدن العالم الفرحة كذلك هو الشاعر وفي قصيدته (ثلاثون عاما مضت ) لم ينس الأرض التي دبت فوقها قدماه . وأشرقت فيها شمس طفولته . أنها ارض العراق المباركة . الأرض التي ينحني أمامها طابور لا نهاية له من التواريخ المعمدة بالإبداع والموت والقيامات المتكررة.
أنه وفي قصيدته هذي يكرر أسطورة سيزيف حامل الصخرة التي كلما تدحرجت عاد الى حملها ثانية فهو ورغم وقوفه على عتبة عامه الخمسين إلا انه لم يتعب من حمل الماء من نهري (( الدانوب و السافا )) اللذين يخترقان أرض (( صربيا )) كما يخترق (( الفرات ودجلة )) أرض العراق ليطبع كل منهما قبل نهاية الرحلة قبلة عاشقة على شفتي الآخر ليولد منها شط العرب .
لقد ظل الشاعر (الزبيدي ) يواصل حمل الماء ليسقي حقول ذكرياته حتى لا تذبل وتدوسها أقدام المنفى القاسية :
(( مضت الأعوام
وأصبحت في سن الخمسين
وها أنا على ضفاف الغربة
عند ملتقى النهرين
كحبات المطر
أسقي ورود الشوق
فوق ..
حطام ذكرياتي ))

إن الشاعر صباح سعيد الزبيدي وهو يرثي الوطن الأول وكنوزه المباحة للمحتلين واللصوص . وباعة الضمائر فإنه لا ينسى (العمارة ) المدينة التي تلقت صرخته الأولى . وتلقفته من بين أيدي القابلات لترضعه لبن أنهارها الثلاثة (دجلة)و (الكحلاء ) و( المشرح ) .
إنها أمه الثانية التي يرفع صلواته بين يديها من أجل تلقي بركتها . أو أن تصحبه في رحلته ( اليسوعية ) عبر (جلجلة المنفى ) لتجعله أكثر قدرة على احتمال وجع مسامير صليب المنفى :
(( آه . . لو تعلمين (ياعمارة )
يا سيدة الحزن والآلام ) .

ومن البعيد حيث غابات (صربيا) في (بلغراد ) يحاول أن يشكل (العمارة ) على هيأة مدن العالم السعيدة . وينفض عن أكتافها تلال أوراق الخريف الذابلة . ومن ركام النسيان يريد أن يوقظ أصدقاءه الغارقين في الموت أو ارتجافة الألم
. فربما منحوه شيئا من ذبالة حلم عودة طائره المهاجر :
(( آه . . يا صديقي (حيدر )
لقد قتلوا ديك (فيروز )
وما عاد للصبح من صوت
نواح على (الفرات)
نواح على (دجلة )
لقد أصبح الأطفال في أرضهم غرباء )) .

ولكي تبقى نافذة الحلم مفتوحة ولو على زاوية زقاق ضيق فأن الشاعر يحاول أن يمنحنا الأمل بأن الليل ومهما كان كثيف الظلمة لا بد وأن تدفعه شمس طيبة بذراعيها الشبيهين بالفضة .
عندها يهتدي كل عاشق الى حضن معشوقة :
(( آه . . يا صديقي (صباح )
“غدا ستزور النخلة أختها شجرة الجوز
وتبيت شجرة البندق لدى شقيقتها . .
شجرة السدر ”
غدا ستورق صباحات الفرح
وسنسمع صوت (فيروز ) وزقزقة العصافير
عندها سنلتقي ذات مساء
على موقد عامر بالشاي )) .

إن تجربة الشاعر ( صباح سعيد الزبيدي) تظل تجربة خاصة . و لا تحمل توقيع ذلك الطائر المهاجر الذي ظل يحمل عوالمه الأولى كتعويذة تمنحه الأمل في لقاء حاضنته الأولى . وكما هي أغاني الطيور المهاجرة وحفيف القصب والبردي كلما لا مسته هبة هواء ناحله . وكما هي ثرثرة أمواج (دجلة ) عندما حاور شواطئها المعشبة تظل كلمات هذا الشاعر رقيقة وعذبة كأغنية صياد جنوبي عاشق وهو يقود قاربه بين أجمات قصب الاهوار .