الرئيسية » الآداب » بدل رفو المزوري في فوتوغرافياته – حياة اللقطة

بدل رفو المزوري في فوتوغرافياته – حياة اللقطة

“اللقطة بالنسبة لي هي الضربة الحاسمة أو نهاية القصيدة أو فكرة القصة فاللقطة في نظري لا تتكرر مرتين”
بدل رفو المزوري
1
لم أكن اعلم أن الكاتب العراقي بدل رفو المزوري ليس فقط من هواة التصوير الفوتوغرافي بل ومن الضليعين الذين يمتلكون منجزا يحسب لهم في هذا الحقل الإبداعي، وكان من حسن حظ الفوتوغرافيين على وجه العموم إن الصور الفوتوغرافية لا يمكن أن تكون متفوقة باتصافها بـ(ـالاصلية) مقارنة مع النسخ الالكترونية، وهو الأمر الذي يتحجج به البعض في رفض الكتابة عبر النسخ الالكترونية للوحات المعروضة في المواقع الالكترونية، عليه كان دخولي موقع الكاتب، العراقي الكردي بدل رفو المزوري المغترب في النمسا، كان كافيا، وفرصة ممتازة كشفت لي جانبا خبيئا من اهتمامات هذا المبدع الذي جرب مختلف صنوف الإبداع ونجح فيها، فكانت أكثر الخصائص التي شدتني هذه المرة إليه، والتي أتوقع أنها ستشد المتلقيين الآخرين في أعماله الفوتوغرافية ذلك الاعتناء الآسر باللقطة العابرة، وهو أمر قد يستغربه البعض حيث يبدو متناقضا تماما مع أعماله التي اخترناها كنماذج للدراسة هنا؛ فانه غالبا ما يصور شواهد ثابتة كالتماثيل، والمناظر الخلوية، والموجودات الجامدة التي هي بطبعها لقطات تسمح ببناء اللقطة بطريقة مدروسة وحرفية؛ لكن المظاهر غالبا ما تكون خداعة؛ فان بدل رفو المزوري، حينما يصور تلك الواقعة الثابتة فانه لا يكتفي بتقديمها جزيرة معزولة، لأنه يحيطها بـ(ـإكسسوارات) متغيرة تعطيها طابعا يوميا، ودفقا من روح متغيرة، زائلة؛ فتصطبغ اللقطة بمعنى خفي، واثر نتج اكسبها أهمية حينما شكلت وسيلة مكنتنا من اقتناص الزائل المتغير ومنحه جوهرا صلبا يشكل ما يسميه الناس الذكرى، تلك الذكرى التي أتيح لها أن تنجز أحد أهم تحققاتها المادية وهي اللقطة الفوتوغرافية.


2
غالبا ما أعامل بعض التجارب الأكاديمية التي لا تكترث كثيرا بانجاز إزاحة شكلية مؤثرة في أشكال المشخصات، وهو حال تجربة الرسامة العراقية المغتربة في هولندا عفيفة لعيبي؛ فأعاملها دون قصد، وكأنها لقطات فوتوغرافية وليست لوحات مرسومة، فقد كتبت مرة عن معرض لها، وتساءلت عن أهم الإضافات فيه على تجربتها السابقة في المعرض الذي سبقه؛ فكتبت مجيبا عن ذلك السؤال، بان ذلك يكمن في بناء علاقات أجزاء (اللقطة)، وان احد أهم التغييرات المهمة في معرض عفيفة ذاك كان: إعادة الصلة بين الشاخص وبين (العالم) الذي يحيطه وذلك من خلال: أولا، شكل نظرة الشاخص المتجهة إلى الخارج (=نحو المتلقي)، فحيث لم تكن هنالك أية نظرة حوار بين الاثنين فيما مضى، فإذا بتلك النظرة تتجه الآن صوب ذلك المتلقي، وهذا يعني محاولة لردم القطيعة مع العالم الخارجي (=خارج اللوحة وخارج النفس)؛ والتي قد تكون تعبيرا سيكولوجيا لبداية مرحلة جديدة من (التصالح) مع العالم الخارجي من قبل هذا الشاخص (امرأة غالبا)، وربما هو محاولة من الرسامة ذاتها للتصالح مع الواقع، ربما، ثانيا، لقد تغير شكل العلاقة بين الشاخص والخطوط الخلفية للوحة، من خلال انحسار الظلام من اللقطة، واكتساح الضوء لها؛ مما كشف عن الموجودات التي ظلت، طوال المدة الماضية، خبيئة، فبدأت بالظهور في المشهد الخلفي للقطة: مدنا كانت غارقة في ظلام أطلنطي قبل ذاك، فظهرت معالمها الآن، وهو ما فرض علاقات جديدة بين موجودات اللوحة، علاقات ذات طابع نفسي وشكلي معا بين الشاخص والخطوط الخلفية؛ فبدأت اللقطة تأخذ طابع المكان المؤسس وفق ذات الأسس التي تحكم اللقطة الفوتوغرافية.


3
لذلك اعتقد أن بدل رفو المزوري كان يهتم، كما اهتمت عفيفة لعيبي في آخر أعمالها، وبشكل ملفت، بالخطوط الخلفية للقطة، تماما كما يهتم المسرحيون بتأثيث المسرح بالديكور ليكوِّن خطوطا خلفية للأبطال الذين يحتلون واجهة الخشبة مع خفقة حياتية يومية مرت سريعا خلف المشهد الذي يبدو ثابتا، وبالتالي مبنيا بإحكام، لذا فهو لا يترك الكثير من (الشواخص) الجامدة خاما معزولة عما يحيط بها؛ بل يدعها تستمد وجودها (وموضوعها) من خطوطها الخلفية تلك الخطوط النابضة بالدفق الحياتي؛ مما يخلق آصرة قوية بين الشاخص الذي يحتل واجهة اللقطة (=موضوعها) وبين تلك خفقة أو اللمحة الحياتية التي تبدو عرضية لا أهمية لها باللقطة، فإذا هي جوهر ذلك التوافق العجيب الذي خلقه المزوري بأبسط الوسائل التي تمكنت من خلق روح التوافق والتواشج البسيط والغريب بين هذين العنصرين الذين هيمنا على اللقطة فتشبعت كل أجزائها به.