الرئيسية » الآداب » تحت اقدام الغجر

تحت اقدام الغجر

هيوا شاب في الثلاثين من عمره لايميز وجهه الأسمر سوى شارب غليظ غطى شفتيه الزرقاوين، لم يكن يستوعب ان التصرفات الرجولية لا تكفي لكي تجعل من المرء رجلا مالم يشعر هو برجولته، كما انّ المرأة لا تكفي تصرفاتها الانثوية لكي تصبح امرأة مالم تشعر هي بانوثتها..
كانت كلمات قريبه العجوز ما زالت تشغل ذهنه لتثير فيه عددا من التساؤلات التي جعلته يهيم على وجهه في شوارع مدينة السليمانية دون ان يدري ماسيفعل حيث طلب منه العجوز أن يجتهد ليصبح رجلا يمكن الأعتماد عليه ويجلب المبلغ الضخم الذي طلبه منه مهرا لابنته شيلان كي يزوجها اياه، شيلان.. الفتاة التي طالما عشقها وجعلته يسهر الكثير من الليالي وهو يعانق طيفها منتظرا بلهفة تلك اللحظة التاريخية من حياته في أن يصبح هذا العناق واقعا ملموسا وهو غاية مناه من عشقه اذ لم يكن يعرف له معنى آخر سواه.. كما لم تكن حقيقة هذه الفتاة تهمه كثيرا طالما تتصرف أمامه بتصرفات لم يرها الاّ عند النساء… تمهل وهو يعبر شارعا مزدحما دون أن يشعر بأي شي حوله وقبل أن يصل منتصف الشارع توقف فجأة وقد بدا على وجه الغضب مشوبا بالذعر حين سمع صوت فرامل احدى السيارات التي كادت تدهسه لولا انتباه سائقها الذي استطاع ايقافها بسرعة خاطفة وعلى بعد سنتمترات قليلة منه، نظر هيوا الى السائق بعينين غاضبتين وقد بدا كغصن تهزه ريح عاصفة ثم ضرب مقدمة السيارة بكلتا قبضتيه ورفع رأسه الى السماء لتضيع نظراته الغاضبة في الأفق الواسع وهو يردد بصوت منخفض كلمات قريبه العجوز ثم يحني رأسه فجأة نحو الأسفل ويمضي مسرعا دون أن يلتفت وراءه وقد أرهقه التفكير في الكيفية التي يمكن ان يصبح فيها رجلا، رغم انه قد بلغ مبلغ الرجال، وزاد ارهاقه وهو يتذكر المبلغ الضخم الذي طلبه العجوز مهرا لابنته والذي لو وفر خلال عشر سنوات كل ما يحصل عليه من عمله البسيط في احدى مخابز المدينة لما استطاع جمع هذا المبلغ…
كثيرا ما كان يتوقف امام واجهات المحال الزجاجية لينظر الى هيئته ويعدل شعره الأسود الخفيف، لم يكن ذا مظهر معقد، فسرواله الكوردي العريض وقميصه الأبيض الضيق فضلا عن قصر قامته ونحوله قد جعلا من مظهره بسيطا مما لايمكن ان يجذب اليه نظرة ولو خاطفة كان يتمناها، من أية امرأة كانت لربما تجعله يشعر برجولته الاّ انه لم يكن ليراها حتى في أحلامه مما دفعه للتمسك وبقوة بشيلان، وكيف لا وقد أخبرته ذات مرة بانه الرجل الوحيد في حياتها وبأنها لم تغرم بأحد سواه، فلعن أباها العجوز ومطالبه التي حتما ستؤخر اللحظة التاريخية التي ينتظرها في حياته, وكيف انه لايعترف برجولته… هل هي تخدعه!! و… لكن شغفه بها منعه من التفكير بمجرد انها ربما تكذب.. بل ويذهب الى أبعد من ذلك في انّ شيلان ووالدها العجوز لربما يريدان مصلحته ولاسيما انّ ذلك العجوز لم يرزق من الأولاد سوى ثلاث بنات زوج اثنتين منهن وبقيت الثالثة التي لن يدعها تفلت من يديه مهما كان الثمن…
كثيرا ما كان يتمنى لو ان أمه مازالت على قيد الحياة، فمن المؤكد انها كانت ستجد له حلا لمشكلته مع مطالب قريبه العجوز، فهي المرأة الوحيدة التي لم يشك مطلقا بأنها كانت تخاف عليه وتنصحه دائما خاصة انه كان قد فقد أباه في عمر مبكر فكانت هي المثل الوحيد الذي يقتدي به في هذه الحياة المرهقة، اذ كان لها التأثير الأكبر في تنشئته، وتهيئته للتخرج من مدرسة الحياة، رغم انه لم يتخرج الاّ وهو طفل بائس حتى وهو في الثلاثين من عمره، ليزداد بؤسه بعد وفاة أمه، فمن أين له أن يتعلم كيف يصبح رجلا سوى أن يرتمي بين أحضان الشارع الذي يفتح ذراعيه دون تذمر لكل من يرغب في ذلك…
استطاع بعد تفكير طويل وعناء شديد الوصول الى أطراف احدى مدن الجنوب العراقي ليبتعد للمرة الاولى في حياته عن مدينته الكوردية الواقعة في كوردستان العراق… كان يسمع بالغجر وليالي الطرب التي يمكن قضاؤها هناك, لكن لم يسبق له أن حضر احداها فقرر قضاء عدد من الليالي بين خيام الغجر بعد أن استطاع الوصول الى مضاربها ليقضي أولى ليالي الانس والطرب في حياته، كان أول ما خطر في باله أن يشتري من متعة الرجال شيئا لربما استطاع أن يصبح رجلا ولو بالقدر الذي يرضي قريبه العجوز، الاّ انّ تجربته فشلت في أول ليلة وهو يهرب من بين ذراعي احدى الغجريات اللواتي امتلأت بهن خيام الغجر بعد أن دعته لاحتساء الشراب وقضاء الليلة في خيمتها، فبعد أن لبى دعوتها فوجئ بها تطلب الشيء الذي اعتقد أنه يخص حبيبته شيلان فقط ليلوذ بالفرار…
لم يجد بداً من سؤال قريبه العجوز كيف يصبح رجلا ؟ وكيف سيجمع له المبلغ الذي طلبه ؟ طالما شعر بعطفه وشفقته عليه، غير انّ العجوز كان داهية في جوابه حين طلب منه ان يجمع عنده كل مبلغ يحصل عليه من عمله في المخبز أو أية أعمال اضافية أخرى يقوم بها حتى يفي بمبلغ المهر كاملا، كما وعده بأنه سيصبر عليه حتى ولو لسنوات أخرى، لم يشعر هيوا بنظرات الخداع التي تلتمع بها عينا العجوز والتي يحاول اخفاءها بابتسامته الخبيثة، وعندما سأله عن الأعمال الأخرى التي ينبغي عليه القيام بها أجابه العجوز بمكر ودهاء: لا أدري، من الحلال او الحرام.. لا اعرف كيف ستجمع المبلغ، المهم ان تجمعه حتى لو اضطررت للسرقة.. ولا تنس ان السرقة لا يستطيع القيام بها الاّ الرجال الأشداء..
كانت الفكرة قد راقت له وخصوصا في الأيام التي لم يجد فيها ما يصرف على نفسه بعد ان كان يودع كل ما يحصل عليه من عمله عند قريبة العجوز, فلم يجد رادعا يمنعه من المضي في هذا الطريق ولاسيما انه كان يعتقد بأن هذه الطريقة هي الوحيدة التي ستجعله يجمع مبلغ المهر بأسرع مما يمكن أن يتصوره، ولربما أيضا تجعله من أغنياء هذه المدينة وليصبح رجلا في عيون قريبه العجوز وأهلا للزواج بابنته، ورجلا في عيون كل من كان يهزأ به أو يستصغره، كما انّ النظرة التي كان يحلم بها من عيني أية امرأة كانت، سيشتريها بدلا من ان يستجديها ولا يحصل عليها..
لم يكن قد قرر بعد أية عملية للسرقة يقوم بها عندما كان يتجول عصر أحد الأيام في أحياء المدينة، توقف فجأة أمام مسجد صغير وقد التمعت عيناه سرورا عندما ظن انه استطاع التوصل لبداية الطريق.. لربما تكون عملية بسيطة لكنها ستكون مفيدة له لتؤهله الى عمليات اكبر، فالناس مشغولون في هذه المسجد بصلاتهم ولن يلتفت اليه أحد اذا ما استطاع سرقة شيء ما من هذا المسجد أو من المصلين أنفسهم.. كانت السذاجة التي يتميز بها تدفع عنه الخوف والارتباك عندما أبصر فردة أعجبته من حذاء أحد المصلين.. أخرج كيسا صغيرا من جيب سرواله العريض وشعر بنشوة الانتصار وهو يقذف بها داخل الكيس دون أن ينتبه اليه احد, التفت يمينا وشمالا وهو يبحث عن الفردة الاخرى, فلم يطل بحثه وهو يراها على مقربة خطوتين أو ثلاث منه، وحالما مد يده ليأخذها انتبه الى خروج أحدهم، ودون أن ينظر مد يده على عجل والتقط فردة الحذاء ليضعها داخل الكيس ثم اطلق ساقيه للريح مما جلب مظهره الشك والريبة, فصرخ به ذلك الشخص ليتجمع عليه عدد من الناس في باب المسجد وينهالوا عليه بالضرب بعدما اكتشفوا بيده الكيس الذي ضم الحذاء المسروق والذي اعترف من أول ضربة تلقاها بسرقته, فلم يتوان الناس المحيطون به من تسليمه لرجال الشرطة لكونه قد سرق من احدى دور العبادة ليتضح بعد ذلك انه قد سرق فردتين لحذائين مختلفين, لكن القانون في هذه البلاد ليس سوى مصيدة للفئران, ومصائد الفئران لا يسقط في فخها الجرذان… وسارق الروث كسارق الجمل, ولربما ينفذ الثاني من مصيدة القانون الاّ انّ الأول لايلبث الاّ أن يواجه اقصى العقوبات… ليودع هيوا للمرة الاولى في حياته السجن بعد أن حكم عليه بعقوبة الحبس الشديد لمدة خمسة عشر عاما, لم يقض منها سوى أربع سنوات ليفرج عنه بعدها ولحسن حظه بعد أن شمله قرار بالعفو المشروط ليخرج الى الحرية من جديد.. لم يكن قد زاره خلال فترة سجنه لا حبيب ولا صديق مما زاد من قسوة عقوبته الاّ انه لم يلبث أن ذهب الى بيت قريبه العجوز مع أول نسمة يشمها من نسمات الحرية, لا ليعاتب أو يلوم أحدا, انما لشوقه الكبير لشيلان وليستغل والدها العجوز نقطة ضعف هيوا هذه في تبريراته التي لم تكن معقولة مطلقا لكنها انطوت على هيوا الذي لم يحاول اثارة أية مشكلة قد تؤدي الى تعكير الأجواء بينه وبين شيلان ولاسيما بعدما أوهمه قريبه العجوز بأن وعده مازال ساريا في تزويج ابنته له… كانت شيلان قد بدت شاحبة الوجه وفقدت الكثير من حيويتها ولهفتها له, لم يهتم كثيرا ببرودها نحوه أو بتغير تصرفاتها واسلوبها طالما انها ما زالت صالحة في نظره ليحقق معها اللحظة التي ينتظرها.. كما لم يعد مهتما بالطريقة التي تجعل منه رجلا طالما انّ قريبه العجوز قد اقتنع بهذا القدر من الرجولة حين تحمل مشقة وعناء السجن وحده..
اذا فقد أضحى رجلا ولم يتبق سوى أن يعمل بهمة ونشاط لتحقيق الشرط الثاني للزواج من شيلان وهو مبلغ المهر الضخم، غير انه لم يلبث سوى شهور قليلة في أعمال مختلفة ومرهقة حتى عاد اليأس يتسلل اليه عبر استحالة جمع مبلغ المهر من خلال الأعمال التي لم تشبع نهم قريبه العجوز والذي لم يكن مهتما كثيرا بالطريقة التي يجلب بها هيوا المال، وما زاد الطين بلة انّ هيوا كان قد أدمن على شرب الخمر بحيث كانت المبالغ التي يحصل عليها تافهة في نظره ونظر العجوز، فكان في حيرة دائمة بين ارضاء قريبه العجوز وبين مصاريفه التي تتزايد يوما بعد آخر حتى كاد يصل الى طريق مسدود, فكان كلما يفكر في حلمه الذي يعيش من أجله والذي يكاد يفقده نهائيا يدمن أكثر على شرب الخمر لتزيده سذاجة وبلها بدلا من أن تنسيه همومه.. حتى عمله لم يستطع أن يحافظ عليه رغم انه تعود التنقل بين اونة وأخرى من عمل لآخر، غير انّه هذه المرة قرر عدم البحث عن عمل جديد.
كانت الخمرة قد لعبت برأسه الصغير حين عاوده التفكير بالسرقة مرة أخرى خصوصا وانه يشعر بأن أبواب الأرض والسّماء قد اوصدت أمامه، لم تكن لديه فكرة واضحة عمّا سيفعل أو من أين يبدأ.. فكل ما كان يفكر به اّن عليه أن يسرق شيئا هذه المرة يستحق السرقة، كان قد اثقل في الشرب حتى لم يعد يشعر الى أين تأخذه قدماه وهي تسوقه بين أحياء المدينة ليتوقف أمام منزل ضخم.. كان كبيرا جدا بحيث لم يستطع حصره في زاوية بصره دون تحريك رأسه المثقل.. ازداد جرأة وهو يلتفت يمينا وشمالا ليطمئن من خلو الشارع والذي كان خاليا بالفعل من أية حركة في هذه الليلة الربيعية التي لم يكن ينقصها سوى ضوء القمر، كما انّ انقطاع التيار الكهربائي في هذا الحي قد زاد من عتمة الظلام فما لبث حتى قفز من فوق سور المنزل ليجد نفسه في حديقة واسعة.. لم يطل بحثه عن مدخل المنزل الاّ انه عجز عن فتح بابه مما اضطره بعد محاولات يائسة البحث في باحة وحديقة المنزل علّه يجد شيئا يستحق السرقة، فلم يجد سوى مجموعة من الكراسي البلاستيكية ليقرر أخذ احدها، وسرعان ما رفعه وارتقى به سور المنزل ليجد نفسه في الشارع مجددا.. وضع الكرسي أمام عتبة الباب الخارجي للمنزل.. وبعد لحظات من الاسترخاء على الكرسي لم يشعر الاّ والدنيا تدور في رأسه، كما انّ نسمات الهواء المنشعة قد زادته استرخاء حتى غط في نوم عميق..
ما أن أشرق أول خيوط شمس الصباح حتى شعر هيوا بعدد من رجال الشرطة يحيطون به، اذ كان صاحب المنزل يهم بالخروج حين فوجىء به أمام المنزل فاعتقد انه لص خطير فلم يتأخر بتبليغ رجال الشرطة الذين سرعان ما ألقوا القبض عليه ليضيع مرة أخرى في قضية سرقة أتفه من الأولى وليحكم عليه مرة أخرى بالحبس الشديد مدة أطول من الأولى…
كان يمنّي النفس في أن تزوره شيلان أو على الأقل والدها العجوز وهو يقضي أياما ثقيلة في سجنه, غير انّ الأيام والشهور كانت تمر عليه دون ان تصله عنهما سوى أخبار سيئة كان يحاول التشكيك في صحتها.. حتى كاد صوابه أن يطير وهو يرى قريبه أمامه في السجن, اذ لم يأته زائرا, بل مقيما, بعد أن ألقي القبض عليه وحوكم بتهمة ادارة شبكة للدعارة, ولم تكن تلك الشبكة سوى بناته الثلاث وأخريات.. فلم يجد هيوا مهربا سوى الانطواء على نفسه والابتعاد عن التعليقات اللاذعة والتي كان يسمعها بعد أن اكتشف أخيرا بأنه لم يكن سوى مغفل كبير بل ساذج صغير, وانه قضى عمره كمن يبحث عن طفل ضائع, والمصيبة انه كلما كان يرى الطفل, يركض وراءه فلا يستطيع اللحاق به حتى تغيرت ملامح الطفل فلم يعد يميزه كما لم يعد يميز أي موقف رجولي في حياته, فتمنى لو انه لم ينتظر اللحظة التي كان يتمناها مع شيلان بانتهازه الفرصة التي اتيحت له في احدى خيام الغجر.. غير انه لم يستطع اثبات رجولته حتى عند اولئك القوم، فلم يجد بدا من احتضان طيف شيلان للأبد دون أن تكون له رغبة في العودة الى الواقع…