الرئيسية » شخصيات كوردية » عبد المجيد لطفي .. الرائد في فجر القصة العراقية

عبد المجيد لطفي .. الرائد في فجر القصة العراقية

مجلة فيلي 24 / 7 / 2008

تزخر مدينة خانقين الكوردستانية بالعديد من المواهب الفذة في كافة ميادين الحياة السياسية منها والثقافية والأدبية والرياضية، وبرز فيها رجال كانوا دعائم أساسية في إدامة الإرث الثقافي والفكري في العراق بصورة عامة و كوردستان بصورة خاصة الأمر الذي يؤكد مدى عمق الارتباط الوجداني بين مكونات هذا الشعب الذي لم تنل محاولات أعدائه من شل قدرته على العيش في بيئة حضارية متناغمة ومتكاتفة تثير إعجاب المجتمع الإنساني .
عبد المجيد لطفي كاتب وأديب ومثقف عراقي الهوية وكوردي القومية خانقيني الهوى، سجل حضوراً واسعاً في ميدان الثقافة والأدب والحياة الاجتماعية في العراق، نستذكر في عجالة نتفاً من سيرته وأعماله التي ازدانت بها المكتبات.
يحتار المرء من أين يبدأ الحديث عن شخصية عملاقة وجبل أشم وعالم جليل وأديب لامع يمثل دعامة من دعامات الثقافة العراقية في العصر الحديث، إلا أنني أحاول خجلاً أن أزيح الستار عن بعض ما يمكن أن يقال بحق هذا الإنسان .
ولد (عبد المجيد عمر عبد الرحمن محمد) في مدينة خانقين عام 1905 في محلة التيلخانة وهي من المحلات القديمة التي أنشئت فيها دائرة البريد لأول مرة عام 1805، أكمل دراسته فيها وقضى بواكير سنين عمره على ضفاف نهر الوند الخالد وترعرع في بساتينها الخلابة ومناظرها الجميلة التي تركت أثراً كبيراً في ذاكرته وتعلق وهام بها حباً الى آخر حياته التي أوصى بعد وفاته أن يدفن في مقبرة سيد محمد (باوه محمي) التي تتوسط المسافة بين نهري الوند وسيروان (ديالى) وهذا يعكس مقدار تلك الرابطة القوية التي جمعته وخانقين وثراها المحبب؛ بعد إكمال الدراسة الابتدائية توجه الى بغداد وأكمل الدراسة في مدرسة الصنايع …

عانى كثيراً من ضيق العيش في طفولته وردحاً من شبابه وتنقل بين أكثر من منطقة نائية موظفاً بسيطاً، وربما كانت هذه الحياة القاسية التي عاشها سبباً في توجهاته الفكرية والسياسية التي يفهم منها أنه كان يسارياً إلا أنه والحقيقة تقال لم يكن يسارياً بالانتماء إنما كان مدافعاً عن حقوق الطبقات المسحوقة التي خبر معاناتها، لأنه عاش القسم الأعظم من حياته خصوصاً أوائلها وهذا الأمر أنعكس على أعماله الأدبية التي توزعت بين خمسة من فنون الأدب كالشعر والقصة القصيرة والرواية والمسرحية والدراسة الأدبية.
يقول عنه الدكتور جليل كمال الدين “ كان أكبر دعاة الأخوة العربية الكوردية والوحدة الوطنية، ولم يناقض نفسه في ذلك قط، وقد حظي بشعبية كبيرة ومجد مستطير يكاد يضارع شعبية الجواهري في بعض الأحيان وبعض المواضيع، وهو في القصة قمة في الثالوث الإبداعي القصصي العراقي، ويشاركه في القمة اثنان من عباقرة القصة العراقية هما ذو النون أيوب وجعفر الخليلي“، انتهى كلام الدكتور جليل كمال الدين .
ويعد عبد المجيد لطفي رائداً ومبشراً في مجال الحداثة في الفنون الأدبية، فقد ألف كتاباً رائداً بعنوان “أصداء الزمن“ عام 1938وآخر بعنوان “خاتمة موسيقار” عام 1941، فكان بحق راعياً أبوياً للحداثة كما يشير الدكتور جليل كمال الدين.
بعد ثورة عام 1958التي كان يساندها ويصفها بثورة الشعب، أصدر العديد من الأعمال التي تنم عن إبداع حقيقي وعراقة أسلوب وشدة الالتصاق بقضايا الشعب بصدق وعمق عكس مهارة، ومضي قلم خبر فن الكتابة وجمع كل أطراف المجد الأدبي والفكري وكان هذا مدعاة اهتمام النقاد ومتذوقي الأدب الرفيع فأصبح شاغلاً للأوساط الأدبية.
فقد كتب عام 1958مجموعة قصصية بعنوان “في الطريق” وفي عام 1967أصدر كتابه المثير “الأمام علي“ وهو دراسة تاريخية، وينقل الدكتور جليل كمال الدين عن الكاتب الروائي العراقي الكبير غائب طعمة فرمان كلاماً يشير لهذين الكتابين يقول فيه “إن هذا الرجل يبقى شاباً رغم تقدمه النسبي في السن، وتبقى كتبه ذات نكهة خاصة هي نكهة الأصالة الواقعية“.
أما عن روايته “الرجال تبكي بصمت“ عام 1969 فقد شكلت نقطة تحول كبرى في جذب التعاطف مع الإنسان العراقي المعذب المضحي طوال الوقت، قال عنها غائب طعمة فرمان: أنها رواية عراقية حد النخاع تشهد لكاتبها أصالة نادرة ووفاء قل مثيله لقضايا الإنسان العراقي بخاصة ولقيمه وتقاليده“ والكلام منقول عن الدكتور جليل كمال الدين…
لقد كان لعبد المجيد لطفي موقفاً ثابتاً مع قضايا الشعب العراقي وظلاماته ولم يداهن الحكام الذين تسلطوا على رقابه، نزيهاً قلما تجد له نظيراً وقد نقل عنه انه قال: “مع الأسف أبتلى بلدنا بالانتهازيين والجاحدين والمتاجرين حتى بالقيم النبيلة“ وهو بهذا يعبر عن شجاعة نادرة في زمن كانت سيوف الطغاة مشرعة لذبح الكلمة الحرة وأصحابها.
الاستاذ حميد المطبعي في سلسلته الشهيرة عن الادباء والمفكرين والكتاب العراقيين تناول حياة ومؤلفات عبد المجيد لطفي في كتاب عنونه (القاص عبد المجيد لطفي) وأشار فيه الى أنه الرائد في فجر القصة العراقية واحد أعلامها البارزين الذين كونوا جهازا اعلاميا في الخير والفضيلة في كتاباتهم القصصية، وهو كوردي كرس ابداعاته الادبية في وجدان اللغة العربية الا ماندر من شعر وقصص ورواية تموجت الوانها في اجواء اللغة الكوردية.
أما الشعر فقد نظم بالكوردية أبياتا مفردة بين البيتين والاربعة ابيات، فيما اختار للغة الكوردية واحدة من أفضل رواياته المكتوبة باللغة العربية بعنوان (نبوءة العراف الغجري) وقد قام الاديب الكوردي شكور مصطفى بترجمتها الى اللغة الكوردية؛ وفي سنة 1948 الف كتابا بعنوان (نظرات في الادب الكوردى) بالاشتراك مع الأديب الراحل عبد السلام حلمي، وكانت الغاية منه محاولة اولية للتعريف بالشعر الكوردي للقارئ العربي مع لمحات من التاريخ الكوردي من خلال القصائد. كما أشار الى ذلك فؤاد الدجيلي في قراءته لكتاب (القاص عبد المجيد لطفي).
تناول المطبعي في فصل آخر من كتابه الآنف الذكر بعنوان (شبح المرارة في قلبه) شرحا عن روايته (ايام تستحق الذكر) التي بدأت مع مولده واستمرت الى نهاية سنة 1980؛ اذ يقول المطبعي: هي امتع ما كتب لطفي من مشاعر وإحساس إنساني، وخيال جميل، وبراعة في وصف يومياته في الريف، وتصوير حنينه الى نهر (الوند) الذي ترك فيه آخر أحزانه التي هي احزان الفقراء والمتشردين في مدينة خانقين.. وبطل هذه الرواية هو عبد المجيد نفسه.
اما عن مواقفه من قضايا المرأة فقد ناصرها بقوة تصل حد العنف وطرح مشكلاتها بابداع متنوع كالطلاق ومآسيه وتعدد الزوجات مسلطا الاضواء على الظلم الواقع عليها في اطارها الاجتماعي.
من طريف الاخبار عن مغامراته (النسائية) هي قصة حبه وهيامه بالمطربة العراقية المعروفة عفيفة اسكندر التي وكما يقال قد حركت الاوتار السبعة في قلبه دفعة واحدة وشغلت حيزا من حياته حتى انه اصدر كتيبا شعريا صغيرا ضمنه احاسيسه الصادقة والجريئة تجاهها وهو بعنوان (عفيفة .. خواطر أدبية) عام 1953. حاول الابتعاد عنها ولكنه كما نقل عنه منعه الحب وأغلق عليه منافذ الدنيا كلها لانها كالشمعة الساطعة تضيء الظلمات.. (كنت في ظل الشمعة في الظل القريب منها اتلوى بالحرارة وأنا في الظلام!!) ويذكر لطفي لقاءه الاول بها وكيف انها امسكت بيده المرتعشة وتقول له :اانت عبد المجيد؟ انك لتشبه حداد عتيق وارسلتها ضحكة ناعمة!!.
وامتد العمر باديبنا الفذ حتى يوم 27 تشرين الاول 1992؛ وتوفي في بغداد ودفن طبقا لوصيته في خانقين بعد أن اتحف المكتبة العراقية باكثر من 60 كتابا.
كان ابو سعد قمة في العطاء وهاهي السنوات تمر سراعا ويكاد الجيل الحاضر لايعرف شيئا عن هذا العملاق الذي رحل في الزمن الرديء ولم يحتف به كما ينبغي لمقامه الكبير ودوره المتميز في خدمة العراق، اما الان فقد آن الآوان ان نقوم بما نستطيع من أجل استذكار رجل كان نصيرا للفقراء والبائسين وليس من المنطقي ان يلفه النسيان في حاضر نريد له أن يكون أفضل من الماضي الذي هو موضع استنكار الجميع فمتى نرى له مهرجانا او نرى كتبه في حلة جديدة وطباعة انيقة حتى ننهل من فيوضات فكره وقصصه ورواياته ودراساته؟!.