الرئيسية » مقالات » صفحات من الماضي القريب- المؤتمر الأول لنقابة المعلمين في الجمهورية العراقية

صفحات من الماضي القريب- المؤتمر الأول لنقابة المعلمين في الجمهورية العراقية

انعقد المؤتمر الأول لنقابة المعلمين العراقيين في قاعة سينما روكسي وحضره جمهور غفير من المعلمين ورجال السياسة والأدب في العراق ،وفي بداية الاحتفال ألقى الأستاذ هديب الحاج حمود وزير المعارف وكالة كلمة الوزارة،ثم تلاه الأستاذ نجيب محيي الدين فألقى كلمة الهيئة المؤسسة لنقابة المعلمين،وقد تصدر منصة الخطابة ممثلو الهيئة المؤسسة السادة:عبد الغني الجرجفجي ونجيب محيي الدين والدكتور مهدي المخزومي وعزيز الشيخ .

وقد ألقى الأستاذ صلاح خالص كلمة اتحاد الأدباء العراقيين أشاد بها بالمعلمين ودورهم في بناء البلد ومشاركتهم في العمل لجماهيري وأسهامهم الفعال في القضاء على النظام الملكي ،ثم ألقى بعد ذلك الدكتور وصفي محمد علي كلمة نقابة ذوي المهن الطبية،وألقى الدكتور رحيم عجينة كلمة جمعية الخريجين،فيما ألقى المهندس عبد الرزاق مطر كلمة نقابة ذوي المهن الهندسية،وتلاه العامل النقابي صادق جعفر ألفلاحي ليلقي كلمة اتحاد نقابات العمال،ثم ألقيت بالنيابة كلمة الهيئة المؤسسة لرابطة الدفاع عن حقوق المرأة،بعدها ألقى الطالب مهدي عبد الكريم كلمة اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية ثم تقدم الدكتور صفاء الحافظ وألقى تقرير الهيئة المؤسسة لنقابة المعلمين،وطلب من الحضور الوقوف دقيقة حداد على أرواح الشهداء،وأستعرض تاريخ النقابة ونضالها المديد منذ عام 1942 حتى ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة،حيث شكلت الهيئة المؤسسة لأجراء انتخابات ديمقراطية يختار من خلالها المعلمون ممثليهم،وقد حضر (408) مندوب يمثلون الألوية العراقية،وقدم شرحا وافيا للجان المنبثقة عن النقابة والمهام الموكلة إليها.

بعد ذلك ألقى الأستاذ متي الشيخ تقرير اللجنة المالية للفترة الواقعة بين 1/1/1959 حتى افتتاح المؤتمر الأول في 2/2/1959،بين فيه الواردات والمصروفات وأوجه صرفها،وأقر المؤتمر في جلساته المتتابعة الكثير من التوصيات والقرارات وتعديل قنون النقابة ووضع النظام الداخلي لها.

وفي يوم الانتخابات أنطلق المعلمون لاختيار ممثليهم في أول انتخابات ديمقراطية تشهدها البلاد ،دون أن يمارس فيها أي نوع من أنواع الجبر والإكراه الذي كانت عليه الانتخابات الصورية للملكية البائدة،وفي الساعة الواحدة والنصف ظهرا فوجئ مركز التصويت المخصص لقدامى المعلمين بحضور الزعيم عبد الكريم قاسم،المعلم السابق،ليدلي بصوته في صندوق الاقتراع،وقد تجمهر آلاف المعلمين لتحيته والسلام عليه ثم تحدث كعادته وألقى كلمة عن مستقبل العراق وما يخطط من أجل تقدمه وبناء الغد الأفضل،ولتأكيد عدم انحيازه إلى قائمة دون أخرى،طلب ورقة بيضاء وقعها وأرخها:

الزعيم عبد الكريم قاسم

14/تموز/1958

ثم ألقاها بيضاء في صندوق الاقتراع مع قوائم المرشحين.

وكانت المنافسة حينها شديدة بين القائمة المهنية الموحدة التي تمثل التيار الوطني الديمقراطي،والجبهة القومية التي تمثل التيارات الأخرى من قوميين ورجعيين وإسلاميين،والمرشحون المنفردين،ولأن الزعيم هو زعيم البلاد بمختلف طوائفها وقومياتها واتجاهاتها ،فلم يعلن انحيازه لهذه الجهة أو تلك وأعطي صوته الأبيض حتى يكون الجميع بمستوى واحد في الموازنة والاختيار،وليكونوا على قدم المساواة في الممارسة الديمقراطية الفتية وليعلن أن المرجعية هي الوطن ولا شيء غير المواطن.

وتدور الأيام دورتها وتجري الانتخابات التالية وكان عبد الكريم قاسم في وقتها قد أدار ظهره للقوى الوطنية وأفسح في المجال لقوى الردة والعمالة أن تعود إلى الساحة من جديد ،وأجريت انتخابات نقابة المعلمين وسط هيمنة مقرفة لأشياع النظام الملكية والقوى الرجعية والقومية العميلة،فسخر هؤلاء أجهزة الدولة لخدمتهم وأوعزوا إلى مديريات التربية بعدم السماح للمعلمين الوطنيين والشيوعيين من المشاركة في الانتخابات فيما قامت القوى الأمنية باحتجاز آلاف المعلمين في مختلف المحافظات ،وكان المعلمون على علم بالآجراآت التي ستقدم عليها الحكومة وقواها الرجعية ،فكان المئات من المعلمين قد ساروا على الأقدام وسلكوا طرقا غير مأهولة للوصول إلى المركز الانتخابي وفعلا أستطاع الكثيرون الوصول للمشاركة في الانتخابات ولكن قوى الشرطة والأمن والجيش والمليشيات المسلحة بالهراوات والسكاكين كانت بالمرصاد لمن يفكر بدخول قاعة الانتخاب،فكانت تتعرض لهم قبل الوصول إلى المركز وإذا تسنى لأحدهم تجاوزهم بطريقة ما فيقوم الانضباط والأمن الذي شكل طوقا محكما بمنعه من الدخول ،ووصلت الأمور إلى استعمال القوة والضرب وأصيب العديد من المعلمين فيما أعتقل المئات منهم قبل وأثناء الانتخابات،وكان للرجعيين ما أرادوا ففاز ممثلي القائمة الرجعية في الانتخابات على الطريقة العراقية القومية .

واليوم أخذت الانتخابات أشكال أخرى في التزوير والتلاعب وطرق جديدة مبتكرة واستطاعت القوى الهامشية السيطرة على الكثير من النقابات ،ولعل الأيام المقبلة ستشهد تغيرات كبيرة تجعل النقابات والجمعيات أبواق مسخرة لأطراف تمسك بالسلطة بيد من حديد ،بسبب الجمود والتراخي الذي أصاب القوى الوطنية وجعلها تعيش في ضياع ليس له مثيل.