الرئيسية » مقالات » من النهر الى المحيط

من النهر الى المحيط

بقلم : الشاعر والمترجم البريطاني ريجارد مكين { 1 }
الترجمة الى الكوردية : آمانج حمه
تعريب : قيس قره داغي

ينفجر الزمن متجولا في متن قصائد نزند بگيخاني ، تتحول طفولتها الى دجلة متدفقة لتستقر أخيرا منفية في ضفاف لواغ وشواطئ الأطلنطي ،
ولكن نزندا لا ترتأي الأنجراف مع امواج الزمن ، فهي تحارب بشعرها ، تقارع النظام الذي نفذ جرائم الأنفال ضد المدنيين الكورد في اواخر الثمانينات ، وتقف بوجه جرائم قتل النساء بحجة الحفاظ على الشرف ، وكذلك تعمل من أجل خلق صورة أنسانية للكورد في الغرب .
قصائد نزند تعج بالآلام ، آلام المرأة وآلام الكورد ، وعلى قرآئها في الغرب أن يتآلفوا معها ويكونوا شهودا لها .
منذ أمد بعيد وساسة الغرب والشرق قد خيبوا آمال الكورد وبالمقابل لم تشهد الحركة الكوردية اتحادا بين فصائلها ولذلك علينا أن نسترقي السمع لشعر نزند بگيخاني وشيركو بيكس والشاعرة الشابة چومان هردي لكي نتوصل من خلالهم الى الصوت الكوردي الأصيل .

علينا الاصغاء الى فلسفة أخلاقهم التي تتجاوز حدود هذه الدنيا ، تماما مثلما تجاوز الشاعر الروسي أوسيب مادلسن حدود ستالين ، فالطغاة الذين يضطهدون الكورد باتوا معروفين .
الكتابة في المنفى تتخذ أبدا مدارين أثنين ، فالى جانب الاوستاليزيا نستمع الى المزيد من الصراخ ، ومع الانغمار في العاطفة نستمع الى الموسيقى ، فقصائد بكيخاني تحتضن تقاسيم أربع ، فهي ولدت في كوردستان وتلقت تعليمها بالعربية وهي طليقة باللغتين الفرنسية والأنجليزية الى درجة تألقها في ترجمة نصوصهما ، وهذا أمر طبيعي ، فهي تقيم في فرنسا منذ أمد بعيد وأكملت تعليمها العالي في جامعة السوربون ، ترجمت بودلير وأيليوت الى الكوردية .
فإن تمعنا شعر نزند نتيقن كم تأثرت بشعر أليوت وأستفادت منها ، وكذلك من شعر ( لواغ ) وخاصة عندما تقول ( أنه لزمن جاف ) فهنا نلتقي بحس اليوتي ، فلنكتفي بحقيقة الصعوبة المتوخاة من ترجمة بودلير وأليوت وكم يسدي مثل هذا العمل من خدمة الى الشعر الكوردي بصورة عامة وشعر نزند بصورة خاصة .
لقد أندهشت في بادئ الأمر عندما عرفت بأن باكورة عمل نزند الاكاديمية خاصة بعلاقة الرجل بالمرأة في رواية ( دوسي ليدي جاترلي ) ، الكاتب الانجليزي اللورنسي ، وكذلك رسالتها التي نال بها درجة الماجستير كانت تتحدث عن التأثيرات التي تركها الشعر الأنجليزي وخصوصا شعر ( شيلي ) على الشعر الكوردي الحديث ، وأخيرا أطروحتها التي نالت بها درجة الدكتوراه تتحدث عن صورة المرأة الكوردية في الأدب الأوروبي .
حياة نزند بكيخاني تقترن بسياسة الجينوسايد المطبقة على الكورد ، أثنين من أشقائها تعلقا على أعواد مشانق النظام البعثي في العراق ، شقيقها الثالث نجى من السجن بأعجوبة لتنتهي حياته بحادث مأساوي في ألمانيا ، توفى والدها عام 1986 إثر تلقيه بطش وتعذيب البعثيين في سجونهم ، منحتها وزراة الخارجية الفرنسية زمالة دراسية عام 1989 في جامعة السوربون ، تقول نزند ( بالأبداع ، الابداع الفني ، بالشعر ، يكون بمقدور المرء تجاوز الحقد والالم ) .
عندما نلتقي نزند ، نكون قبالة أمرأة رشيقة باسقة القوام ، تتحدث بهدوء ، أنسانة لطيفة تتجول بين الفرنسية والانجليزية برشاقة تامة ، عملقة نزند لا تمحي حرقتها لضياع حقوق الأنسان ، لا بل هنالك عقد بين هذا وذاك ، فنزند هي تلك الانسانة النادرة التي تؤمن بالحوار وتحترمه في مجمل الجوانب المتعلقة بالمسألة الكوردية ، وهي في الوقت نفسه واحدة من القائدات المناهضات لقتل المرأة بجريرة الشرف ومن المدافعات عن حقوق الانسان الكوردي .
أثناء مشاركتي في مؤتمر ( مداد أدباء المنفى ) شاهدت فلما وثائقيا عن مأساة حلبجة من أعداد صحفي ايراني ، فقد كانت عدسة الكامرة الجامدة تعنق الأجساد الطرية الملفوفة بالألوان الزاهية التي هجرتها الروح للتو لتذكرنا باللقاء الذي جمع أعضاء الأسرة في ذلك المكان الموعود ، فالى الآن لم ترتقي كلماتنا التي كتبناها الى مستوى تلك التراجيديا التي تركها صدام في كوردستان والتي تعتبر بحق من أبشع ما شهده القرن العشرين من مآسي ، أود أن أقول للقارئ أني لا اسايس في كتابتي هذه ، فهذه المآسي هي رموز كونية تركت بصمات واضحة على مجمل الشعر الكوردي الحديث .
ففي قصائد نزند نتوصل الى حقيقة دفاعهاعن جسد المرأة ، وفي قصيدة ( جسدي ليس ملكا لكم ) تقف ضد القوة المضطهدة للجماعة ،عندما تقول : ( لكنني كنت أنا لوحدي وهم جميعهم ) فهذه المقولة تعيدنا الى مقولة الكساندر دوما : ( الفرد للجماعة والجماعة للفرد أو على الفرد ) ، فمن السهل علينا أن نتضامن مع نزند وهي تقول في قصيدة ( الحلم ) :

( في رؤياي
أقف وسيطة بين الله والثعبان
أعيد آدم الى نعيمه ) .
تكون هذه الأبيات ذات تأثير أكبر حينما نعلم بما حل ببرج بابل ورياض عدن ، فأنا لا اريد أن اكشف النقاب عن الأسرار التي تكتنفها قصيدة ( الرجاء ) ربما تكون مفزعة للقارئ ، لكن هذه القصيدة تحمل معان كبيرة للذين يحلمون ببناء عالم أصدق يسوده مبدا حقوق الأنسان .
مع أن شعر نزند يحمل الكثر من الرموز التراثية والفولكلورية ، ولكن برأيي إنها تستحق أن ترشح لأحتلال مكان لها في منظمة أطباء بلا حدود ، فنزند تلاطف روح الأنسان برقة ونعومة في شعرها ، كثيرة هي تلك القصائد التي خصتها نزند لأمها ، فقصيدتها ( الله عند أمي قيوم ) مثال حي للحقيقة التي مفادها أن اللغة قادرة على أن تكون معبرة لمعنييين قوين :
( فان كنت أنت
ترمقين زرقة السماء
لترين فيها أرواح فلذاتك
وهي تحلق كالنور
إذن لا ترتأين أن يموت الله
فالله عند أمي قيوم ) .
في قصيدتها القصيرة ( السفر ) تعبر نزند عن وجدانيتها وهي تقول :

( عبرت الى الضفة الأخرى
الضفة الأخرى للأشياء
الوجه الآخر للكلمة
ظهر الريح
ماوراء الجسد
لكي أبلغ ذاتي ) .

أحيانا نجد الشاعرة تبلغ حدود الفلسفة في أقصر مسافة شعرية :

العلم نقيض الجهل
بل هو فضاء
لرؤية أخرى
لرؤية نافذة ضاحكة
تفيض نورا مختلفا ) .

وحتى السعادة تتحول الى صعود شاقولي في شعر نزند :

( السعادة سلم
تعال كي نتسقله سوية ) .


ديسمبر 2004
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

{ 1 } الشاعر البريطاني ريجارد ماكين ( 1947 ) صاحب أكثر من عشرين كتابا ، عضو الهيئة المؤوسسة ل ( پی ئی ئین) الانجليزي ، أضافة الى كتابة الشعر ترجم ماكين الكثير من نتاجات الشعراء الروس والترك من أمثال مندلستم و سيدكوفا وأرونزون واتا أخناتوفا و؛ذلك ناظم حكمت وأوكتا رفعتي .