الرئيسية » التاريخ » موقف الحكومة العراقية من القضية الكوردية في العراق الحلقة الحادية عشرة

موقف الحكومة العراقية من القضية الكوردية في العراق الحلقة الحادية عشرة

رسالة تقدمت بها الطالبة/كافي سلمان مراد الجادري

-فترة نفي الشيخ محمود الى جنوب العراق ووسطه والموقف من انصاره
بعد استسلام الشيخ محمود ونفيه الى الجنوب عام 1931 تمتعت السليمانية وبقية مناطق كردستان بهدوء واستقرار نسببيين , وخضعت السليمانية من جديد لسلطة الحكومة , ثم تعيين احمد توفيق (1)متصرفا عليها(2) .
انتهز الملك فيصل الاول استسلام الشيخ محمود , فقرر زيارة كردستان بنفسه, بعد ان كان قد زارها وزير الداخلية مزاحم الباجه جي(3) . وفي الثالث من حزيران عام 1931 تحرك موكب الملك من بغداد الى الموصل بصحبة وزير الداخلية , ومدير الشرطة العام(4) .
وفي الموصل وكركوك وزع الملك الهدايا والاوسمة على الجنود والضباط الذين اسهموا في القتال ضد الشيخ محمود (5) .
في السادس من حزيران وصل الملك الى اربيل ثم قصد السليمانية , عاد على اثرها صبيحة يوم الرابع عشر من حزيران عام 1931 الى بغداد(6) .
وكبادرة حسن نية قامت الحكومة العراقية باصدار العفو عن اتباع الشيخ محمود , ومنهم الضباط الثلاثة (7) الذين التحقوا به عام 1931 , وقد تم اطلاق سراحهم (1) .
اما عن الشيخ فقد نقل من السليمانية الى بغداد . وقضى السنوات العشر التالية بين الناصرية , وعانة , وبغداد , وتمت مصادرة املاكه ومزارعه(2) .
في اثناء اقامته في مدن جنوب ووسط العراق كان يتصل بين الفينة والاخرى بالسلطات الحكومية , وكذلك بشخص الملك فيصل الاول للسماح له بالعودة الى مسقط راسه , والتفرغ لادارة بيته بعيدا عن السياسة (3) .
في صيف عام 1933 سمح له بالانتقال الى بغداد , وخصصت له دارا في منطقة الاعظمية, مع راتب شهري قدره ( 900 ) ربيه(4) شهريا(5) .
بقي موقف الحكومات العراقية تجاه نفي الشيخ محمود متشددا , خصوصا بشأن السماح له بالعودة الى كردستان حتى بعد قيام انقلاب بكر صدقي عام 1936 , اذ لم يختلف موقف حكومة الانقلاب في شيء عن موقف الحكومات السابقة تجاه قادة الحركات الكردية , والمشتركين فيها . فقد اصدرت حكومة الانقلاب العفو العام عن كافة الذين اشتركوا في جميع الانتفاضات التي وقعت في وسط وجنوب العراق قبل عام 1936 , بمن فيهم عدد من شيوخ العشائر العربية, واعادت لهم اراضيهم المصادرة , بينما ظل الشيخ محمود وبقية الزعماء الكرد في المنفى , رغم مطالبة الاوساط الكردية حكومة الانقلاب بالسماح للشيخ بالعودة الى مسقط راسه (6) .
فحسب صحيفة ” البلاد” البغدادية فان برقيات عدة كانت ترد من المواطنين الكرد الى المسؤولين في بغداد تطلب فيها اطلاق سراح الشيخ(1) . غير ان هذه المطالب لم تجد لها صدى لدى الحكومة العراقية , ولم يكن للانكليز دور قليل في ذلك , واستنادا الى صحيفة “التايمس” البريطانية فانه((طالما كان الشيخ محمود طليقا فان منطقة كردستان سوف لن تعرف الهدوء))(2).
وحتى بعد سقوط حكومة الانقلاب وتشكيل حكومة اخرى برئاسة جميل المدفعي(3), فان موقف الحكومة الجديدة لم يختلف عن سابقتها .
فبمناسبة عيد تتويج الملك صدر عفو عام شمل شيوخ كل العشائر العربية , وسائر المعتقلين , ولكنه استثنى الزعماء والقادة الكرد بمن فيهم الشيخ محمود (4).
ويذكر ان موقف الحكومة العراقية المتصلب تجاه الشيخ محمود كان نتيجة المخاوف البريطانية من احتمال عودة القلاقل الى كردستان اذا ما عاد اليها الشيخ محمود . ففي تقرير بعثه ادموندس مستشار وزارة الداخلية العراقية الى سفارة بلاده في بغداد , ذكر فيه انه سمع (( منذ اشهر )) بتشكيل لجنة في السليمانية بهدف الاتصال بالسوفييت(5) . وفي التقرير نفسه يشير ادموندس الى (( ان الحديث عن الدعاية الروسية ( بين الكرد ) كثير . ولكن في اعتقادي انه حتى الان ( اواسط شباط 1940 )(1) ليست هناك مصادر موثوقة حول هذه الدعاية وليس لدينا اي مظهر لنشاط من هذا النوع ))(2) . ويؤكد المستشار البريطاني ان هذه الدعاية هي من ((طرف الناشطين ( الكرد ) المتذمرين )) . او من صنع اشخاص من امثال الشيخ محمود الذين يريدون (( اغاضتنا لاهدافهم الخاصة ))(3) .
وتطرق ادموندس في تقريره الى المبعوثين الذين كانوا يأتون من طرف الشيخ للبحث في مسألة السماح له بالعودة الى السليمانية , ولم ينس المسؤول البريطاني التأكيد على ان نشر الاشاعات حول اتصال الكرد مع الروس هو بتحريض من الشيخ محمود الذي (( يهدف الى تخويف الانكليز ))(4) .
وتجدر الاشارة الى ان انصار الشيخ محمود تجنبوا خلال هذه الفترة اثارة الاضطرابات بوجه الحكومة واقتصر نشاطهم على انشاء الجمعيات الثقافية والسياسية .
فبمبادرة من الابن الاصغر للشيخ محمود , الشيخ لطيف تم في عام 1937 تأسيس جمعية ((براية تي ))( الاخوه ) الصغيرة بحجمها والطموحة باهدافها(5) .
ضمت الجمعية عددا من ابرز مثقفي السليمانية , واختارت اللجنة الشيخ محمود الذي كان منفيا في بغداد رئيسا فخريا لها(6) .
وقد خطط قادة الجمعية لاقامة فروع لها في بغداد , ومدن كردية اخرى(7) .
وعلى الرغم من ان نشاط الجمعية العلني كان ثقافيا في الدرجة الاولى , الا ان تحرير الكرد وكردستان , والتخلص من السيطرة البريطانية على العراق كانت الاهداف الاساسية لها .
وعموما تجنبت الجمعية التعرض للسلطة , او المشاركة في نشاطات مناوئة لها (1) .
المبحث الثاني
موقف الحكومة العراقية من البارزانيين
– نبذه تأ ريخية عن موقع البارزانيين في القضية الكردية وموقف الحكومة العراقية منهم
– فترة نفي البارزانيين – انتفاضة خليل خوشوي
-نبذة تاريخية عن موقع البارزانيين في القضية الكردية وموقف الحكومة العراقية منهم تقع قرية بارزان في اقصى الشمال من كردستان العراق على سفوح جبل شيروان الجنوبية, وهي من قرى قضاء الزيبار التابع لمحافظة اربيل (1) ” لواء سابقاً “(2). يحدها من الشرق قضاء راوندوز ، ومن الغرب قضاء العمادية ومن الجنوب قضاء عقرة ومن الشمال الحدود التركية (3).
سميت عشيرة بارزان نسبة الى قرية بارزان ، وينتسب شيوخ بارزان الى سلالة امراء العمادية ، اذ نزح جدهم مسعود الى قرية هفتكا القريبة من بارزان واستقر هناك(4) .
وقد اصبحت بارزان المقر الرئيس للطريقة النقشبندية التي رأسها شيوخ بارزان فاصبحت لديه السلطة الروحية من جهة ، والزعامة القبلية من جهة اخرى(5) .
وفي عهد الشيخ عبد السلام الأخ الاكبر للشيخ احمد ، ومصطفى البارزاني اصبحت عشيرة بارزان مهيوبة الجانب ، وبرز الشيخ بسرعة كزعيم ديني وقبلي في ان واحد معاً , واثبت كفاءته العالية في الزعامتين الدينية والدنيوية ، واقام علاقات وثيقة مع معظم العشائر الكردية(6).
حدث اول صدام بين الشيخ عبد السلام والدولة العثمانية الحاكمة عندما رفض دفع ضرائب جديدة فرضتها الدولة العثمانية , في الوقت الذي طالب فيه العثمانيين بأجراء اصلاحات في المناطق الكردية (7).
عدت السلطات العثمانية هذه المطالب خروجا عن الطاعه ودعوة للانفصال ، لذلك وجهت عام 1909 قواتها الى بارزان ، فاعلن البارزانييون انتفاضتهم ضد العثمانيون(1).
في اوائل الحرب العالمية الاولى عام 1914 رفض الشيخ عبد السلام ارسال المتطوعين للأ نظمام الى الجيش العثماني ، وامتنع عن دفع الضرائب ، ثم هاجم مدينة عقرة ، ولذلك ارسلت الحكومة العثمانية قوة كبيرة احتلت بارزان , واعتقلت الشيخ عبد السلام ، الذي اعدم في عام 1914 بعد محاكمة صورية(2) 0
بعد اعدام الشيخ عبد السلام البارزاني ، تولى الزعامة البارزانية الشيخ احمد ، الأخ الثاني للشيخ عبد السلام .والذي اصبح الزعيم الروحي في بارزان ، في حين غدا شقيقه الاصغر مصطفى البارزاني ، الزعيم العسكري للعشيرة البارزانية(3) 0
وقد وقف البارزانيون ضد البريطانيين بمساندتهم حركة الشيخ محمود الاولى عام 1919، اذ قام الشيخ احمد بأرسال شقيقه مصطفى البارزاني على رأس قوة الى دربندى بازيان التي كان يتحصن فيها الشيخ محمود اثناء انتفاضته الأولى ، للمشاركة في قتال البريطانيين ولكن عندما وصل الى المنطقة كانت المعركة قد انتهت بأسر الشيخ محمود(4) 0
لم يتوقف نضال البارزانيين ضد البريطانيين . ففي عام 1919 هاجم البريطانيون بارزان بعدما قتل رجال العشائر الكردية الكابتن بيل الحاكم السياسي لعقرة مع مساعده الجنرال سكوت واثنان اخران من مرافقيه (5) .
في عام 1922 شن البريطانيون هجوما اخر على المنطقه نتج عنه دمار كبير لبارزان والقرى المحيطه بها (6) 0
عندما حاولت الحكومة العراقية عام 1927 اقامة ادارة مدنية وبناء مخافر للشرطة في قرية بارزان ، قاوم الشيخ احمد اجراءات الحكومة وهدد باستخدام القوة ، فارسلت الأخيرة قواتها التي احتلت بارزان بعد قصف مركز من الطائرات البريطانية(1).
ومع مرور الوقت بدأت الحكومة البريطانية المنتدبة على العراق ، ومعها الحكومة العراقية تنظران بعين القلق الى النفوذ المتزايد الذي بدأ يحصل عليه الشيخ احمد ، خصوصا وانه اقام صلات وثيقه مع الشيخ محمود ، والمثقفين الكرد من اعضاء الجمعيات السرية في الموصل(2). كما كانت له صلات ايضا مع الزعماء الكرد في كردستان تركيا وايران(3) . جددت الحكومة عزمها على كسر شوكة الشيخ احمد ,وذلك بتحريض العشائر المناوئة للبارزانيين اولا , ومن ثم تجريد حملة عسكرية حكومية عليه ثانيا , اذا تطلب الامر ذلك(4) .
نفذت الحكومة خططها بمهاجمة بارزان عندما قامت قوة من الجيش العراقي بالهجوم على الشيخ احمد واتباعه , غير انه تمكن من الافلات من الهجوم , وشن هجوما معاكسا كبد فيه القوات المهاجمة اعدادا من القتلى , وغنم المهاجمون اسلحة ومؤناً من الجيش (5) .
لم يثن هذا الفشل الحكومة ومن ورائها البريطانيين عن السعي لمجابهة الشيخ احمد من جديد , تحت ذرائع شتى , منها اقامة ادارة مدنية في كردستان وبناء مخافر للشرطة في بارزان ودفع ضريبة جديدة(6) للحكومة . وعندما رفض الشيخ احمد المطلب الاخير , اتهمته الحكومة بالتمرد وشرعت في تجهيز قوة عسكرية لقتاله(7) .

التآخي