الرئيسية » مقالات » اغتيال كامل شّياع : فجيعة مؤلمة لكلّ المثقفين العراقيين

اغتيال كامل شّياع : فجيعة مؤلمة لكلّ المثقفين العراقيين

صعقني خبر مصرعك الدامي ايها الصديق العزيز كامل شيّاع .. واهتز لاغتيالك الآثم كل المشهد الثقافي العراقي .. وبكى عليك كل من عرفك عن قرب .. وعرف مزاياك العراقية الاصيلة .. لم تكن مثقفا ملتزما ومنظما حسب ، بل كنت انسانا عراقيا طيبا غاية الطيبة .. يتلمس سجاياك الكريمة كل من عرفك ورآك ، بل وتداول اسمك كل المثقفين العراقيين .. كنت امينا على موقعك الثقافي ببغداد منذ سنوات وانت تعمل ليل نهار في خط النار من اجل العراق .. ان الحزن العارم على رحيلك الذي اراده لك المجرمون .. هو رسالة مؤلمة تخبرنا انك لم تكن مستشارا في وزارة يسمونها وزارة الثقافة ، بل كنت مثقفا اصيلا ، وانسانا قلما يجود الزمن بمثله .. لقد بكيتك بحرقة بالغة لأنني عرفتك ، وكنت سعيدا جدا بمعرفتك .. وجدت فيك وانا اجالسك طعم العراق ، وروح العراق ، وقيم العراق ، وشموخ العراق ..

كنت تصغي رفقة الاخت العزيزة ميسون الدملوجي الى محاضرتي في ” بنية الثقافة العراقية ” قبل قرابة ثلاث سنوات ولم تفارقك ابتسامة المحب العاشق لثقافة العراق المتجددة .. ومن يعشق ثقافة العراق ، يلتصق بتراب العراق ، وماء العراق ، وهواء العراق .. وكنت معك جنبا الى جنب على مائدة عشاء ، وانت تحدثّنى عن متغيرات ثقافة العراق وما يمكن عمله من اجل مستقبل اجيال العراق الجديدة .. كنت تحدثّني عن المتوحشين الذين يريدون قتل ثقافة العراق ، ومحو حداثة العراق ، وهتك كل ابداعات العراق بطقوسهم البالية ومهرجاناتهم المضحكة .. كنت تشتكي لي من مكابدات تعانيها وانت في وزارة الثقافة وعلى رأسها ” وزير ” متخلّف لا يعرف معنى ” ثقافة ” ! كنت تنقل لي مشهد العراق المرّ ، والالم يعتصرك لما آل اليه وضع العراق .. وعندما قلت لك : اني اخاف عليك من كل هذه الامواج اللعينة التي طغت كالجراد على كل الحياة .. ابتسمت ، وقلت : لقد اخترت العراق ، ولن ارحل منه ابدا ، وسأبقى التصق بترابه حيا او ميتا ! بقيت تراسلني .. بقيت تكتب لي واكتب اليك .. بقيت تسألني وأسألك .. تجيبني واجيبك .. تحدثني واحادثك .. تبلغني سلام الاصدقاء واقرئهم وأياك كل السلام .. كم ناشدتني ان اكتب لك مقالا او خطابا لنشره ، وكم طلبت مني ان ازور العراق .. ؟؟

لقد خسرناك يا اطيب الاصدقاء ، وافتقدك العراق ، ورحت مغادرا قسرا ميدان حياة العراق ، وهو في امّس الحاجة اليك في بحر هذه الايام .. قتلك الجناة القتلة في لحظة دموية بائسة على جسر محمد القاسم ببغداد ، وفّروا الى المجهول ليبكي عليك كل المثقفين العراقيين في يوم مذهل ينبغي ان يمثّل في ذاكرتهم كل انحدار العراق ومآساة هذا الزمن الغادر .. ان صوت المثقفين العراقيين لابد ان يعلو على كل الاصوات المنكرة والمرتزقة واللقيطة والغادرة والمنافقة والمتردية التي لا تعرف الا الظلام الاسود ولا ترى العراق الا من خلال العواصف الهائجة .. ان صوت المثقفين العراقيين ليكن حرا وشجاعا بوجه كل الصامتين من السياسيين المتخلفين الذين لم يجدوا مكانا لهم الا في المنطقة الخضراء .. ماذا جنى كامل شيّاع بحق السماء كي يغتاله الغادرون ؟ ماذا فعلتم بقوافل الذين رحلوا من اجل العراق وهم احرار ابرياء .. حتى يقتل كامل شّياع ؟

كم وجدتك مثقفا حقيقيا ، غزير المعلومات ، عميق الرؤية وانت تتوغل في الثقافة الانسانية ؟ كم وجدتك تتبارى معي في عشق الموسيقى العالمية ؟ كم وجدتك تهوى دجلة والفرات .. والنخلة وعنبر شامية المشخاب ؟ كم وجدتك رقيق الحاشية ، عذب اللفتات ، هادئ الطبع ، سريع البديهة .. ساحر الكلمات ؟ كم وجدتك تقدميا تهوى الفكر المعاصر ، وتسمو بالحداثة على مختلف الجبهات ؟ كم وجدتك نزيها نظيفا .. وانت تسير على نهج من سبقك من المناضلين العراقيين واثقي الخطوات ؟ كم وجدتك انسانا حرا تريد العراق حرا ومتطورا وموحدّا .. لا ينال منه الطغاة ، وان يكون شعبه فوق كل الشبهات ؟ كم وجدتك متواضعا ، دائم البسمة ، تحلم بالعراقيين تزدهر اجيالهم بكل المستويات ؟ كم وجدتك اكبر من كل اولئك الجهلة الذين يتربعون على كل الاطباق وفوق كل الركامات ؟ كم وجدتك متغايرا .. تتقبل الافكار والاراء المختلفة وتؤمن بالديمقراطية والسلم والامن وقوى الانتاج بعد كل ما مضى من صراع الطبقات ؟

قتلوك لأنك اكبر منهم ، واطيب منهم ، واسخى منهم ، واشجع منهم .. وانهم لمنتهون حتما الى مزبلة التاريخ .. ان عداءهم للثقافة الحية والنهج القويم .. جعلهم لم يلجأوا للغدر بك حسب ، بل لاقتراف جريمة غادرة بحق كل المثقفين العراقيين .. فقتلك هو قتل لكل المثقفين الحقيقيين ، من حيث يشعرون او لا يشعرون .. ولكن لن نسكت ابدا ، ولن يسكت صوت المثقف العراقي اينما كان في هذا الوجود .. سيبقى صامدا مع كلمته وخطابه وموقفه الخصم اللدود لكّل اللقطاء والطفيليين والارهابيين وانصاف المتعلمين .. ان دمك يا كامل سينير الدرب امام الاجيال العراقية القادمة ، ويعلمهم بأنه قد سفح من رجل مثقف ملتزم قبل ان يسفح من سياسي مناور ..

ان نضالك في اعماق الغابة الموحشة سيبقى صفحة بطولية ناصعة ، ورمزا لعهد يتساقط فيه خيرة العراقيين .. من دون ان يتحرك أي مسؤول من المسؤولين عن البلاد لعمل شيئ حقيقي مضاد ازاء استفحال هذا الجحيم . ان برقيات التعاطف وابداء الاسى لا تكفي ابدا ، فهي بمثابة اعتراف بالصمت القاتل على تصفية كل المثقفين العراقيين الرائعين . ان التمادي باخفاء الاسرار ، او التغطية عليها ، او التعتيم على المعلومات والتحقيقات والتستر على كل اوراق الجنايات الفاضحة.. يبطن من ورائه خفايا سياسية نطالب بالكشف عنها عاجلا .. ان المثقفين العراقيين لا يمكنهم ان ينتظروا التصفيات تنالهم الواحد بعد الاخر .. انهم لا يقبلون ابدا ان يعبث بمصيرهم بعد ان تم العبث والجريمة المنظمة بالاكاديميين والصحفيين العراقيين .

انني اناشد كل المثقفين العراقيين ان يقفوا صفا واحدا من اجل ابقاء كلمتهم ، واتساع خطابهم ، وصلابة مواقفهم .. انني اناشدهم بهذه المناسبة المؤلمة ، ومهما كانت اتجاهاتهم السياسية ، وميولهم الفكرية ، ونزعاتهم الايديولوجية ، ان يطالبوا الحكومة العراقية باتخاذ الاجراءات اللازمة ليس لحمايتهم انفسهم ، بل بنزع كّل الاسلحة من ايادي العراقيين ، وحلّ كل عصابات المرتزقة ، وميليشيات الاحزاب ، والجيوش غير الرسمية ، وفرق الموت الارهابية وان يسري العمل بالقانون الصارم ضد كل القتلة والمجرمين والعابثين والارهابيين .. وكل عصابات الدمار والخراب .

وأخيرا ، دعونا نقف زمن حداد لمصرع صديقنا جميعا الشهيد الاستاذ كامل شيّاع ، مستوحين من هذه المناسبة المؤلمة الدرس بأن ما يجري في العراق اليوم هو الخطر الذي سيأخذه الى الدمار ، فهل نحن بمدركين لسوء المصير . سيبقى أسم كامل شيّاع ، محفورا في ذاكرتنا العراقية شعلة متوقدة ورمزا وطنيا .. وسنذكره دوما بطيبته وبساطته .. بثقافته ومنتجاته .. باخلاصه ووفائه وحبه للعراق .

سّيار الجميل

تورنتو ، اونتاريو
24 آب / اغسطس 2008