الرئيسية » مقالات » مطاردة مجالس الصحوة: يا ليت شعري ما الصحيح؟!

مطاردة مجالس الصحوة: يا ليت شعري ما الصحيح؟!

أبرزت صحيفتا “نيويورك تايمس”، و”هيرالد تريبيون”، على الصفحات الأولى في عدد 23 – 24 الجاري، أخبار مطاردة القوات الحكومية لمجالس الصحوة، واعتقال عدد من قادتها، ومئات من أعضائها في ديالى، وصدور أوامر قبض على 650 منهم في غرب العراق. عناوين صحفية بارزة تقول: “الشيعة العراقيون يطاردون السنة الذين يساعدون الولايات المتحدة.”

إن هذا الموضوع يحتاج لوقفات، ويجب أن يكون موضوع سجال بين مختلف وجهات النظر حوله. إن مجالس الصحوة المسلحة، جاءت من إفرازات، وحاجات، وضع أمني استثنائي، والجهة التي بادرت لتسليحها، وتمويلها، هم الأمريكان، لا حكومة المالكي.

من الناحية المبدئية، إن وجود أية مليشيات مسلحة مرفوض في أي بلد كان، إذ يجب أن تكون المهمات الأمنية في أيدي القوات الحكومية حصرا، وكل سلاح في أيدي المواطنين يجب تسليمه للحكومة. وهكذا، فإن مجالس الصحوة لا يمكن أن تبقى ظاهرة مستمرة، بل يجب ضم من يمكن ضمهم للقوات الحكومية، والاستغناء عن المجالس في الوقت المناسب، مع تثمين دورها الكبير في مطاردة القاعدة حتى في بغداد، وتقليص تفجيراتها سواء ضد العراقيين، أو القوات الأمريكية، كما أن محاولة بعض قيادات الصحوة أن تكون قوة سياسية جديدة لا يمكن قبولها.

إن أي قرار مبرر ومهم، يجب أن يأتي في وقته، فإذا اتخذ في غير وقته، أدى لعكس المطلوب. إن التقارير تتحدث عن استياء القيادات العسكرية الأمريكية، وقد تساءل أحدهم أمام المراسلين عن الحكمة في تأليب هذه التنظيمات، وخلق مشاعر الإحباط، والشعور بأنهم صاروا ضحية “الغدر”. أما حسب تصريحات القادة العسكريين العراقيين، فإن أوامر إلقاء القبض تشمل نسبة صغيرة من المجموع، ولكن جلال الصغير يصرح أن “الدولة لا يمكن أن تقبل بالصحوة، وقد باتت أيامها معدودة” قول استطرادا للصغير، وللسيد المالكي، هل عوقب أفراد حماية الصغير الذين ضربوا الطلبة بالرصاص؟!

لا شك في أن معظم عناصر الصحوة كانوا سابقا قد حاربوا القوات العراقية والأمريكية، وانضموا للقاعدة، وآووهم، وساهموا في تفجير المواطنين، ولكنهم استدركوا، لعدة أسباب، وبتشجيع أمريكي، ليرتدوا على القاعدة، وينظفوا المدن الغربية، وبعض مناطق بغداد منهم، وقد تعرض عدد من زعمائهم للاغتيال، أو محاولات الاغتيال، على أيدي القاعديين، اللذين لا تزال لهم مواقع وقوى في العراق، وخطرهم باق رغم الضربات التي تعرضوا لها.

لقد كان على الحكومة أن تصدر بيانات توضح، وتبرر الحملة: فهل من قوات الصحوة من يلعبون لعبة مزدوجة، أي يتعاونون سرا مع القاعدة؟ هؤلاء، بالطبع، يجب اعتقالهم، ومحاكمتهم. أما إذا كانت الحملة موجهة ضد المجالس كمجالس، فيجب أيضا أن تعلن الحكومة أسباب الحملة، ومبرراتها.

إن الموضوع، كما قلنا، مفتوح للنقاش، ولكن القرار يأتي في وضع أمني لا يزال هشا برغم الثقة المبالغ بها للسيد المالكي في قدرة القوات العراقية. التفجيرات مستمرة، وهذه المرة انتحاريات مجرمات تسببن في المئات من القتلى والجرحى. إن ما يخشى جديا هو أن تدفع الحملة عددا كبيرا من الصحوة وقادتها للعودة إلى القاعدة، ومن ثم زيادة الوضع الأمني خطورة، على خطورة.

التقارير تتحدث عن حدوث شق بين الجانب العراقي والأمريكي حول الموضوع. والشعور الأمريكي بأن ضرب الصحوة ستشكل خطرا على القوات الأمريكية، كما ستثبط كل من يريد التعاون معهم. القادة العسكريون، بحسب التقارير الصحفية، يقولون، إنه رغم أن دفع مرتبات للصحوة هو إجراء غير معهود، فإنه” أدى لإنقاذ حياة المئات من الجنود الأمريكان” ، ويصرح الجنرال ” دافيد بيركنس”: “هذه الإجراءات لا تدار بشكل صحيح. إنك لا تريد إعطاء أي شخص حجة للعودة للقاعدة، ونخشى حدوث مشكلة أمنية لنا.”
إن الاتفاق مع الولايات المتحدة يفترض أن ينص على مغادرة القوات الأمريكية للمدن العراقية خلال العام المقبل، وترك المسئولية الأمنية حصرا في أيدي القوات العراقية؟ سؤالنا: هل القوات العراقية قادرة حقا لوحدها بعد عام أن تنجح في مكافحة القاعدة في المدن، والفتن الجديدة المحتملة لمقتدى الصدر، الذي يقسم على مواصلة محاربة القوات الأمريكية، والعلمانيين، و”النواصب”، قاصدا السنة؟
من جانبنا نشك تماما، خاصة وإن الشطر الأكبر من القوات العراقية ملغومة بعناصر المليشيات الحزبية التي تدين بالولاء أولا لأحزابها.

24 آب 2008 ،