الرئيسية » مقالات » حصاد العمر14 الحكم بالإعدام

حصاد العمر14 الحكم بالإعدام

بقينا في الغرفة السوداء أياما بانتظار محاكمتنا بعد أن أكمل التحقيق معنا ورفعت أوراقنا التحقيقية الى المحكمة العسكرية في الديوانية،وبلغنا ذات يوم بالحضور أمام المحكمة التي شكلت من ضباط عسكريون لا يعرفون القانون أو سير المحاكمات ويرأسها كاظم السعدي من أهالي الحلة،وكان هذا الحاكم من الناصر الحاقدة على الشيوعيين فاتهمنا بالعمالة لإسرائيل وأننا ننفذ عملا يرتبط بها مباشرة في أثارتنا للقلاقل في ظروف المواجهة مع العدو الإسرائيلي عند ذلك دافعنا عن أنفسنا وقلنا أننا ثوار شيوعيون وقد ثرنا بوجه سلطة نختلف معها سياسيا ،وأن الشيوعيين هم ألد أعداء إسرائيل وأمريكا،ثم عاد وكرر ذات النغمة التي يبدوا أنه لقن بها فقال نحن لا نحاكمكم لشيوعيتكم وإنما لارتباطكم بإسرائيل عند ذلك تصديت له وقلت له نحن ثوار ندافع عن قضية وطنية وأن الذين قتلوا من أفراد الشرطة كانوا يدافعون عن سلطة تكن لنا العداء وقد قتلوا برصاص زملائهم الشرطة في المواجهة ولا يوجد ما يثبت قتلنا لهم،وبعد رد وجذب وما كان يتلفظ به الحاكم من كلمات عدائية ضدنا طالب المدعي العام بإعدامنا وأحالتنا وفق المادة 80 والمادة 240 من قانون العقوبات البغدادي ،بعدها رفعت المحكمة على أن تعقد في موعد قادم وأعدنا الى المعتقل في ظل حماية مشددة، وقد عرفنا أن السلطة مصرة على إعدامنا فأخذنا بالتمرن على حفظ النشيد ألأممي وترديده ليكون آخر ما ننطق به عن تنفيذ عملية الإعدام.

وفي موعد آخر عقدت الجلسة الثالثة للمحكمة لمحاكمتنا وحضر وقتها شهود الإثبات من الشرطة الذين أدلوا بشهادات تديننا ومعهم الرفيق لفتة الذي أنهار وأعترف بكل ما لديه من معلومات وأصبح شاهد في القضية وقد شخص الجميع والأدوار التي قاموا بها ومن أسقط الطائرة،,أشار الى الكثير من الأمور التي تجهلها السلطة،فأنكرنا كل ما تفوه به وبينا للمحكمة أنه يحاول التخلص وإلصاق التهم بنا أملا بالخروج سالما من القضية وأننا لم يكن لنا يد في قتل الشرطة الذين قتلوا برصاص أصحابهم،عند ذلك طلب منا الحاكم توكيل محامين للدفاع عنا،وأعادونا الى المعتقل من جديد.

بعد أن عدنا الى المعتقل أخذنا بالتباحث حول توكيل محامين للدفاع عنا،وكان رأي الرفاق إن الأمر مفروغ منه والسلطة سوف تصدر حكمها بإعدامنا بوجود المحامين من عدمه ،فقلت لهم صحيح أن المحامين لا يستطيعون رفع حكم الإعدام ولكن توكيل المحامي سيساعد في أطالة أمد المحاكمة وربما تستجد ظروف جديدة تخفف من محكومتنا ،أو يكون للمطالبات الشعبية تأثيرها في تخفيف الحكم لذلك علينا الاستفادة من الأمر بما يخدم مصالحنا،ولا أتذكر هل أرسل زملائي الى أهاليهم لتوكيل محامي أم لا ولكني أرسلت برقية الى أهلي في الحلة لتوكيل محامي للدفاع عني في المحكمة،وفعلا جاء المحامي وهو من الشخصيات الوطنية وطالع الدعوى تمهيدا لدراستها وتقديم دفاعه فيها،وأرسلت ألينا أوراق وأقلام لكتابة دفاعنا،وفعلا كتبنا دفاعنا وقد رجوت من جماعتي أن لا يكون الدفاع متوترا قاسيا حتى لا نعطي الحاكم المجال بتشديد العقوبة،وأن نطلب من المحكمة نقلنا الى سجن سياسي وليس الى قلاع عسكرية لا تتوفر فيها أبسط مقومات السجون ومستلزمات الحياة،وقد جاء أهلي قبل المحاكمة ورأوا حالتي التي وصلت إليها وما حدث من تشوهات وجروح في جسمي ويدي المقطوعة ولكنهم واجهوا الأمور بكبرياء شيوعي وطني حتى لا يتصور الأعداء أن الشيوعيين يعبئون لما يصيبهم من الجلادين الطغاة.

بعد يومين أرسل المحقق ورائي وأجلسني في غرفته فوجدت الى جانبه عبد الأمير الكعبي الذي أنهار وأدلى بكل ما يعرف طمعا في تخفيف الحكم عنه ،وطلب من التعاون معه والإدلاء بما أمتلك من معلومات تعين المحكمة وأنه سيطلب تخفيف الحكم عني ولكني بينت له أني لا أعرف شيئا لأني غريب عن المنطقة ولا أعرف أحدا من أهالي الناصرية أو المنطقة الجنوبية عند ذلك أمر بإعادتي الى المعتقل بعد أن كال لي السباب من العيار الثقيل ،فأخبرت رفاقي بالأمر وأن عبد الأمير قد خان قضيتنا وأفشى أسرارنا وعليهم الحذر وفعلا أ{سلوا وراء الرفيق عقيل حبش الذي صد صمود الأبطال وأنكر معرفته بأي شيء وأنه هارب في سجن الحلة وبعيد عن أرض المعركة ولم يشارك في الأعمال التي قاموا بها وأنه بعيد عن الحزب بسبب اعتقاله ولا يمتلك أي معلومات عن الحزبيين في الناصرية.

بدأت المحاكمة وكنا ستة في قفص الاتهام،وقد قمنا بالدفاع عن أنفسنا وبينا للمحكمة الظروف المحيطة بقضيتنا ولكن الحكم كان قد أعد سلفا فأصدرت المحكمة حكما بالإعدام شنقا حتى الموت لكل منا وفق المادة 80،والحبس الشديد لمدة خمسة سنوات لحيازتنا أسلحة غير مرخصة،والحبس سنة واحدة وفق المادة 143 من ق .ع.ب،واعتبار جريمتنا غير مخلة بالشرف وتنفذ العقوبات بالتداخل، فيما حكم على الخائن عبد الأمير بالسجن المؤبد مع وعد من المحكمة بتخفيف العقوبة.

عند ذلك طلبنا من رئيس المحكمة نقلنا الى أحد السجون السياسية والسماح لنا بالتدخين وإدخال السكائر ألينا ،وقد وافق على ذلك بعدها أعدنا الى المعتقل وسط حراسة مشددة لم تخلوا من أهانات من قبل الحراس الأجلاف،وعندما وصلنا الى غرفتنا المعهودة رددنا النشيد الشيوعي:

السجن ليس لنا نحن الأباة السجن للمجرمين الطغاة

وقد احتفلنا في قبل ثورة الرابع عشر من تموز بذكرى استشهاد رفاقنا في معركة الأهوار ألقيت كلمات وأناشيد تمجد الشهيد الشيوعي وبطولته الفذة ونضاله المجيد وتهيئنا لإقامة احتفالية بمناسبة الثورة الشعبية في 14 تموز الخالد،وبعد ثلاثة أيام من هذا التاريخ كنا جالسين في السجن نتحدث فسمعنا مارشات عسكرية وحدوث حركة غير طبيعية خارج السجن حاولنا الاستفسار من الحراس عن الأمر إلا أنهم لم يفصحوا عن شيء،وكانت تتناهى الى أسماعنا من بعيد أصوات الأناشيد التي ترددها الإذاعة إلا أنها كانت غير واضحة لدينا ,اعتقدنا أن هناك حربا قد حدثت،وأخذنا نسترق السمع فسمعنا أحد الجنود يقول رئيسنا أحمد،فعجبنا للأمر ولكن أتضح لنا بعد أيام أن انقلابا قد حدث وأن البعث عاد الى السلطة من جديد وأصبح رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر،الذي كان رئيسا للوزراء في انقلاب شباط الأسود 1963،وبعد لك بأيام شعرنا بحركة مريبة خارج السجن واستعدادات وتحضيرات فلم نعلم عن الأمر شيئا وفوجئنا بعد قليل بفتح باب غرفتنا ودخول ضابط كبير ومعه مجموعة من الضباط والجنود وطلبوا منا ارتداء ملابسنا وتهيئة حاجيتنا ،وعندما تساءلنا عن الأمر ردوا علينا بالشتائم والسباب واقتادونا الى الخارج حيث نقلنا الى محطة القطار وسط حراسة مشددة،ووجدنا في المحطة الكثير من الجنود وهم شاكين السلاح وعلى أهبة الاستعداد وكأنهم متوجهين الى معركة،وعندما جاء القطار أركبونا به وأنطلق بنا الى حيث لا نعلم،وكان القطار خاصا وليس لركوب الأهالي وقد شاهدنا الكثير من الجنود ،وبعد ساعات وصلنا الى محطة قطار الناصرية،حيث نقلنا الى سجن الخيالة،وربطونا بالسلاسل الى أبواب الغرف،ووضعوا حراسات مشددة علينا مما أوحى لنا بأنهم سينفذون حكم الإعدام بنا،وقد تعرف عقيل على بعض الجنود من أبناء مدينته فكان هؤلاء يقدمون لنا المساعدات المختلفة رغم خطورة الوضع والتبليغات المشددة بعدم التقرب منا أو محادثتنا،وعندما وجدنا أن لابد من الموت قررنا أن نحفظ كلمات نرددها ونحن على أعواد المشانق وأن يكون موتنا تظاهرة تليق بالشيوعيين العراقيين،وقد طلبنا من مسئولي السجن السماح لنا بمواجهة عوائلنا إلا أن طلبنا قوبل بالرفض القاطع،وفي يوم 30 تموز علمنا أن تغييرا وزاريا قد حدث وجاءنا عن طريق عقيل صدور عفو عام عن المعتقلين والسجناء السياسيين،وفي اليوم التالي علمنا بأن أمرا قد جاء بإيقاف عملية الإعدام،وفي ذات اليوم جلبت لنا السكائر وزودنا ببطانيات حيث كنا نام على الأرض بدون فراش.

بعد يوم أو أكثر علمنا بأن أمر آخر قد ورد بنقلنا الى سجن الديوانية،ونقلنا بواسطة القطار وحماية عسكرية مشددة وعند وصولنا محطة قطار الديوانية نقلنا بسيارات عسكرية الى موقع الديوانية وأدخلنا الى غرفتنا الأثيرة،وسمح لنا بإدخال السكائر معنا ،وطلبنا منهم جلب الطعام لنا إلا أن الحراس أخبرونا بأننا لم ننشر في ذلك اليوم وليس لنا تعين أسوة بالجنود طالبنا بحضور أحد الضباط وأخبرناه بالأمر فأوعز بجلب الطعام لنا وطلبنا منه السماح لعوائلنا بمواجهتنا إلا أنه رفض الأمر لحين ورود أوامر من الجهات العليا بذلك لأننا سجناء سياسيين،وبعد ثلاثة أيام استدعيت من قبل أدارة السجن وإذا بأهلي قد جاءوا لمواجهتي وقد جلبوا معهم سكائر وأعطوني بعض النقود ورسالة من مظفر النواب للرفيق عقيل حبش،وعندما عدت الى جماعتي الذين قلقوا على مصيري فاجأتهم بزيارة أهلي ،وسلمت الرسالة الى عقيل دون أن أعرف ما فيها.

بعد ذلك بأيام طالبنا بنقلنا الى أحد السجون السياسية بدلا من السجن العسكري فوعدنا المسئول برفع طلبنا الى المراجع العليا،وبعد أيام داهمت قوة من السجن الغرفة وطلبوا منا ارتداء ملابسنا وتهيئتنا أغراضنا لأننا سننقل الى مكان آخر ،وبعد أن أكملنا ذلك أركبنا في سيارات مشبكة ومعنا حراسة كبيرة من الشرطة،وتوجهت بنا السيارة دون أن نعرف الى أين المصير وكنا نحاول معرفة اتجاهنا من الحراس المرافقين لنا ألا أنهم لم يدلوا بشيء وأمام إلحاحنا قال أحدهم أنكم ستذهبون الى الناصرية لتنفيذ حكم الإعدام بكم فيما قال الثاني أنظروا الى أين تتجه السيارة فإذا كانت الى الناصرية فهذه وجهتكم أو الى بغداد فهناك محلكم وفعلا لاحظنا أن السيارة اتجهت بطريق بغداد من خلال الإشارات التي تشير الى اتجاهات الطريق،وعندما وصلنا مدينة الحلة عادت السيارة المسلحة التي ترافق سيارتنا لتحل واحدة غيرها من شرطة الحلة وبعد مسيرة طويلة وصلنا الى بغداد حيث أودعنا في سجن بغداد المركزي.