الرئيسية » مقالات » حصاد العمر13 المواجهة

حصاد العمر13 المواجهة

تمكنت مجموعة من الشرطة من رصد مكان وجودنا وكنا نختفي خلف شتلات (الطرطيع) الكبيرة،وأخيرا استدلوا علينا وإذا بهم فوق رؤوسنا،فهاجمونا بأسلحتهم المختلفة واحتدم القتال غير المتكافئ بين قوتين الأولى منهما مدعومة بالعدد والعدة والأخرى قليلة العدد محدودة الإمكانيات ولكن أيمانها بقضيتها منحها قوة أكبر في المواجهة،وكان الشرطة ومن تبعهم قاموا بتطويق المنطقة حتى بات من المستحيل النفاذ منهم وقد قاربت الساعة الثانية عشرة ظهرا،وأخذ رفاقنا بالهتاف بحياة شعبهم وحزبهم فيما كان الشرطة يطالبون باستسلامنا ،وكنا نطالبهم بالعودة من حيث أتوا أو الاستسلام وإلا سيكون مصيرهم الموت،وكانت مكبرات الصوت تردد طالبة الاستسلام،وكنت أحمل القليل من الخبز والتمر فقمت بتوزيعه على المجموعة وقمت بحفر بئر صغير في النهر فخرج منه الماء وشربنا منه،وبعد تكاثر الشرطة وقطع الطريق أمامنا في حالة الانسحاب طرح الرفيق القائد ألمفاوضة مع الشرطة،فأيده البعض فيما رفض آخرون،وكان المؤيدين أكثر من المعارضين لنفاذ عتادنا وإغلاق الدروب في وجهنا فطلب منهم إحضار المحافظ للتفاوض معه ،ولكن الشرطة أبو ذلك وكانت الساعة قد أصبحت بحدود الخامسة عصرا أو أكثر بقليل ،وقد حاول أحد الشرطة اجتياز النهر وكنت حينها في المقدمة فأطلقت عليه النار وسقط في النهر فأمر الرفيق حسين ياسين بمساعدته على الخروج والالتحاق بجماعته وعندما أعترض محسن حواس على هذا العمل وطالب بقتل الشرطي قال له حسين ياسين نحن ثوار من أجل شعبنا وقضيتنا وهؤلاء من أبناء شعبنا ولسنا قتلة مأجورين،وفعلا ساعدناه بالعبور إلى جانب الشرطة،وكان الرفيق محسن يتلفظ بكلمات نابية ويشتم الشرطة وينعتهم بأقذر النعوت،فيما كان الرفيق حسين ياسين يحاول التفاوض مع الشرطة والوصول إلى أتفاق معهم وكان يقول أذا تفاوضنا معهم وأودعنا السجن فان شعبنا سوف يعمل لإطلاق سراحنا.

وفي هذه الأثناء وصلت طائرة هليكوبتر فظن الرفيق جبار أنها تحمل المحافظ والمسئولين فأوعز بعدم مهاجمتها،وطلب من الشرطة إحضار المحافظ للمفاوضة,لكن قائد الطائرة أمطرنا بوابل من الرصاص لم يصب أحد منا ،ثم هبطت الطائرة في مكان قريب من المعركة وعندما وجدنا أن لا أمل في الوصول إلى حل غير الحسم العسكري ،وأن لا خيار أمامنا غير المقاومة حتى آخر أطلاقة ،وأن القوات المهاجمة عازمة على أبادتنا،وقد علمت أن هذا اليوم آخر أيامي وأني لابد أن أستشهد فقمت بكتابة أسمي على يدي وعلى البندقيتين اللواتي عندي وثبت عنواني حتى يرسل جثماني الى عائلتي،وقمت بإنشاد نشيد الأممية لإثارة الحمية والنخوة في نفوس الرفاق وكانوا يرددون معي (هبوا ضحايا الاضطهاد)،وفي تلك الأثناء خرجت الطائرة من المنطقة لجلب قوات أضافية وركب فيها بعض الشرطة ،وأرادت الطيران وما أن ارتفعت قليلا حتى ثنى لها أحد رفاقنا ووجه إليها سيل من الأطلاقات فأصيب سائقها وهوت الى الأرض،وكانت هناك رمانة يدوية في حزام الطيار فأخذها معاون الشرطة ورماها باتجاه الجهة التي ينبعث منها صوت النشيد،ولم أشعر إلا بشيء بين أرجلي وعندما نظرت إليه عرفت أنها رمانة يدوية فرأيت أن أتلقفها وأرميها باتجاههم لتنفجر عليهم وكانت قريبة من يدي اليسرى ،ما أن هممت بتلقفها حتى انفجرت وتوزعت شظاياها في أنحاء مختلفة من جسمي وشعرت أن يدي اليسرى قد انفصلت عن مكانها،وقد أصيب بدني بحروق وجروح كثيرة،ولم أستطع تحمل الألم رغم ثوريتي ووطنيتي وأيماني وكل شيء،فتوقع جماعتنا أني استشهدت،ولكني تحركت باتجاههم وطلبت من الرفيق خالد أن أستسلم إليهم أو يقتلني ببندقيته حتى أتخلص من الألم المبرح الذي لم أعد قادرا على تحمله،ولا توجد منفعة في بقائي،وكان الشهيد يرتدي فانيلة بيضاء فأنتزعها من جسمه وربطها على بندقيتي السيمنوف،ونادى بصوت مرتفع طالبا من الشرطة الموافقة على استسلامي،وتسلقت المرتفع وكان التراب أشبه بالنار التي تحرق جسدي بسبب الحروق والجروح التي ملئت جسمي،وعندما وصلت الى خارج النهر قابلني معاون الشرطة بالسباب والكلام البذيء وطلب من أحد الشرطة أن يعطيه بندقيته ليقتلني ويتخلص مني،ثم سألني عن عدد المجموعة فأخبرته بأن عددهم قليل،عندها أوعز الى الشرطة بالهجوم عليهم واقتحام تحصيناتهم،وضربوا حولهم نطاق ناري كثيف جعل الشرطة يتمكنون من العبور الى الجانب الثاني والدخول في النهر،فقتل عدد من الرفاق وأستسلم الباقون

وقد جرح من الشرطة وأتباعهم مجموعة لم نتمكن من معرفتها فيما قتل منهم خمسة أفراد بظمنهم قائد الطائرة السمتية وقد أستشهد من مجموعتنا الرفاق خالد أحمد زكي،ومحسن حواس ومطشر سوادي،وبقينا أنا وعبد الأمير الكعبي وحسين أبو سلام وعلي الزريجي وعبد الله شهوان،وقد علمنا أن الشرطة كان يرافقهم في حملتهم مجموعة من أتباع الشيوخ والشرطة السيارة وقد أستقدم فوج كامل من الجيش قام بتطويق المنطقة وأحكم الحصار عليها خوفا من هروبنا،وقد مارس معنا الشرطة أبشع أنواع المعاملة فقد قاموا بسحل جثامين الشهداء على الأرض وعدم حملها وكأنهم ليسوا بشرا ثم رموها كما ترمى القمامة في السيارات وقاموا بضربنا الضرب المبرح بالصوندات السوداء التي يحملوها رغم أننا كنا نتجنب قتلهم لأنهم غير مخيرون في قتالنا ،ولكن هذا هو حال الشرطة وسلوكيتهم مع المواطنين فهم بعيدون عن أي صفة إنسانية أو قيم خلقية،وبعد أن أركبونا السيارات انطلقوا بنا إلى مركز الشرطة وقد صممنا أن نكون على ما عاهدنا الحزب عليه إصرارا على النضال وأن نكون بالمحل الأرفع الذي وضعنا أنفسنا فيه ثوريين لا يهابون الموت أو يرعبهم النظام.

وكان شعارنا نحن ثوار ضد سلطة غاشمة أخذت السلطة والحكم من حكومة وطنية،ونحن جئنا بالسلاح لإعادة الثورة الى أصحابها الشرعيين،واتفقنا أن يكون جوابنا بهذا الكل عند التحقيق.

وعندما وصلنا مديرة أمن الناصرية توجه المعاون بالسوال من هو عبد الجبار علي أبو هادي،فقلت لهم أنا- والظاهر أنهم القوا القبض على عقيل حبش الذي فقد قبل المواجهة الأخيرة من الشرطة،واستفسروا منه عن بعض الأسماء فكان يعرف أسمي الحقيقي وأسمي الحركي لأننا كنا زملاء في سجن الحلة وهربنا سوية ويعرفني حق المعرفة- وبدء التحقيق معي رغم أني جريح وحالتي الصحية خطرة ويجب أن أحال إلى المستشفى ،فأخبرتهم أني هارب من سجن الحلة وقد توجهت إلى الأهوار خوفا من ملاحقات الشرطة فوجدت هناك بعض الهاربين ونحن ثوار ضد السلطة ولسنا عصابة لصوص ونناضل من أجل قضية وطنية،وقد ثبت المحقق أسمي الكامل وعنواني،،ثم حقق مع الأخ عبد الأمير الكعبي الذي كان مصابا في مؤخرته،بعد ذلك أرسلنا إلى المستشفى للعلاج حيث أجريت لي عملية جراحية لخياطة يدي المبتورة وإخراج الشظايا من جسمي وخياطة الجروح وعلاج الحروق ،ولم أشعر إلا في صباح اليوم التالي حيث وجدت نفسي في المستشفى وقد ربطت أقدامي إلى السرير وكذلك يدي السليمة والى جانبي اثنان من الشرطة،وقد فرحت لسلامتي رغم فقداني ليدي اليسرى وقلت في نفسي أن يدي اليمنى باقية وبها أستطيع القيام بمختلف الأعمال وأن عاهتي لا تشكل مانعا في ممارستي لدوري في الحياة،وكان عقلي لا يزال يفكر بالثورة والنضال ،والعودة إلى ميدان الصراع لتحقيق الأهداف التي نناضل من أجلها.

بقيت في مستشفى الناصرية لأسبوع أو أكثر ثم أرسلنا الى مديرية أمن الناصرية لإكمال التحقيق معنا ،وكان هناك معاون من أهل الحلة وقد أرسل ورائي الى غرفته وعندما دخلت عليه رحب بي أجمل ترحيب وأخذ يتكلم معي برقة وكأنه من أصدقائي فتوقعت أنه مال لجانبي على أساس مناطقي، ثم قال لي أن قضيتكم محسومة والإعدام مصيركم ولكن لأنك من مدينتي فأنا أستطيع مساعدتك أذا اعترفت لي عن كل ما حدث وأرشدتني الى أماكن الشيوعيين الآخرين ،وتخبرني عن الأسماء التي وجدت بخط يدك،فقلت له أنا غريب عن المنطقة ولا أعرف أحدا من هؤلاء سوى عقيل حبش الذي كان معي في السجن وهؤلاء من أهل الناصرية ولم أعمل معهم تنظيميا ،وأسمائهم التي أعرفها هي أسماء حركية،لقد كنت أمام خيارين أما الاعتراف والتخلص من حبل المشنقة أو الصمود ومواجهة الموت بالبسالة المعروفة عنا نحن الشيوعيين،عند ذلك توالت على مخيلتي رموزنا الشامخة التي واجهت الموت بشجاعة وكيف قضى الرفاق سلام عادل وصحبه الأبرار تحت التعذيب دون أن يخونوا الأمانة أو يفشوا سرا من أسرار الحزب،وقلت لنفسي هل هذه هي نهايتك يا أبو هادي أن تعترف وتجلب العار لأسرتك وحزبك،وهل هي إلا موته واحدة وما أحلا أن يموت الإنسان بعز وشرف،وقد أصررت على عدم معرفتي لأحد من هؤلاء عندها أعادني للسجن ،وأرسل ورائي في اليوم التالي وحاول ذات المحاولة إلا أني لم أعترف بشيء،وعندما عدت سألني عبد الأمير الكعبي عن أسباب استدعائي أخبرته بالأمر،وقد استدعاه المعاون في تلك الليلة والظاهر أنه أعترف له بما يعرف،وأعطاه بعض الأسماء المهمة لأنه أفرد عني بعد ذلك.

وفي اليوم التالي جاءت مجموعة من الشرطة نقلونا بسيارة محاطة بسيارات تحمل إفراد الشرطة الى الديوانية حيث وصلنا الى معسكرها لعرضنا على المحكمة العسكرية التابعة الى الفرقة الأولى التي مقرها الديوانية وأودعنا في سجن الموقع،حيث أصعدوني الى الطابق الثاني وأدخلوني الى أحدى الغرف فوجدت رفاقي عقيل حبش وحسين أبو سلام وعلي زريجي وعبد الله شهوان،فيما أفردت غرفة خاصة لعبد الأمير ،وقد وضعونا في الطابق العلوي خوفا من هروبنا من الطابق الأرضي وكانت الغرفة خالية من أي فتحة حيث كان الشباك مغلقا ولا توجد فتحة في الباب الخشبية،وكانت حرارة الجو وأنفاسنا ووجود صفيحة الفضلات في الغرفة وتنبعث منها روائح لا يمكن تحملها وكانت الحياة فيها جحيما لا يطاق،وكان رفاقي عراة لا يستر أجسامهم شيء سوى لباس يخفي محارمهم أما أنا وبسبب الجروح والحروق فكنت أرتدي لباس يغطي المؤخرة والمقدمة ومفتوح من الجوانب وكأني أحد الهنود الحمر ،وأطلق علي الرفاق لقب السفور لتلطيف الجو ونسيان الواقع المر،ورغم الظروف الصعبة التي نعيشها إلا أن معنوياتنا عالية وقد تأقلمنا على هذه الحياة رغم قلة الطعام ورداءته ومنع السكائر التي هي عماد حياتنا في تلك الظروف،وعدم وجود التهوية حيث قام الرفاق بعمل قطع شطرنج من لب الصمون ورسموا لوحة الشطرنج على الأرض فكنا نقضي الوقت باللعب أو قراءة الشعر أو ترديد الطرائف أو مناقشة الأوضاع واستذكار بعض المواضيع النظرية لدفع السأم عن نفوسنا،وكنا نخرج مرتين واحدة صباحا وأخرى مساءا لقضاء الحاجة والاغتسال في المغاسل فيما نستعمل صفائح في الداخل للماء والتبول،،وطلبت من مأمور السجن أن يأتي مضمد لمعالجة جروحي التي لم تلتئم بعد فكان المضمد يأتي يوميا لمعالجتي وقد وقف على رأسي أحد الحراس ورأى الإصابات الكثيرة المنتشرة في أنحاء جسمي ورأسي فسقط مغشيا عليه وجيء ببديل عنه،وكان المضمد يقوم بتبديل الضمادات وأخراج الشظايا الصغيرة التي كانت ظاهرة للعيان،وكنا رغم معاناتنا نردد أغاني أم كلثوم والعتابا والأبوذية،وكان طعامنا من فضلات الجنود لأنهم لم يخصصوا لنا طعاما في السجن العسكري.

ولسوء المعاملة وإهمالنا من قبل مأمور السجن قررنا الإضراب عن الطعام،وقدمنا مطالبنا الى أمر السجن،حيث طلبنا عمل فتحة لدخول الهواء وأخرى لخروجه حتى يتبدل هواء الغرفة،وجاءنا أحد الضباط للتفاوض معنا،وعندما أراد الدخول الى الغرفة واجهته الحرارة والروائح العفنة فارتد كأن شيئا دفعه الى الخارج،ووقف خارج الغرفة وبدأت الحديث معه حيث كلفت من قبل الرفاق بأن أكون المتحدث عنهم،فقلت له نحن لسنا قتلة أو لصوص ولكننا سياسيين ثرنا على سلطة غاشمة،وعليهم معاملتنا أسوة بالسجناء السياسيين،لأننا ننتمي الى حزب كان له الفضل في إسقاط النظام الملكي وقيام الحكم الجمهوري الذي رفع مستوى العراقيين،ونحن لن نخاف أحد أو نخشى سلطة لأننا مؤمنون بمبادئنا وقيمنا التي عشنا عليها وناضلنا من أجلها،لذلك نطلب الخروج ثلاثة مرات في اليوم وعمل فتحتين واحدة في الباب وأخرى في الشباك لتساعد في تبديل الهواء،وأن يسمح لنا بالتدخين وأن يخصص لنا طعام كامل بدلا من تناول فضلات الجنود،ونفذت مطالبنا فكنا نخرج ثلاث مرات يوميا وعملت فتحتان للغرفة وأعطي لنا الطعام ثلاث وجبات يوميا أسوة بجنود الموقع.