الرئيسية » مقالات » بعد أن تمزقت لغتي ..اعلن إستقالتي من تلکم الکوردايه‌تي*

بعد أن تمزقت لغتي ..اعلن إستقالتي من تلکم الکوردايه‌تي*

رسالة إلی فخامة الرئیس مسعود البارزاني

صورة منها إلی أصحاب الفخامة الرؤساء:
مام جلال
عدنان المفتي
نیچیرڤان البارزاني

بقلم : محسن جوامیر ـ کاتب من أربیل


يقول العلامة اللغوي المصري الدکتور علي عبدالواحد وافي في کتابه‌ الشهیر ( فقه‌ اللغة ـ ص 152 ) ما يلي :

( إن اللغة العامية تختلف باختلاف الشعوب العربية، وتختلف في الشعب الواحد باختلاف مناطقه‌. فعامیة العراق لا يکاد يفهمها المصريون أو المغاربة، وعامیة المصريين لا يکاد يفهمها العراقيون ولا المغاربة، وعامیة المغاربة لا يکاد يفهمها العراقيون ولا المصريون. وفي البلد الواحد تختلف اللهجات العامیة باختلاف طوائف الناس وباختلاف المناطق، فعامیة المنیا غیر عامیة جرجا. بل إن المديرية الواحدة لتشتمل علی کثیر من المناطق اللغوية التي تختلف فيما بینها إختلافا غير يسير. فالقضاء علی الإزدواج لا يکون إذن إلا بأن تصنع في کل منطقة، بل کل مدينة، بل کل قرية، لغة کتابة تتفق مع لغة حدیثها وبذلک يصبح في البلاد العربية آلاف من لغات الکتابة بمقدار ما فيها من مناطق ومدن وقری.. ولا أظن عاقلا ينصح بمثل هذه‌ الفوضی..). إنتهی قول العلامة وافي.

أما بعد:
مازلت أذکر بأن روح ( الکوردايه‌تي ـ الکوردية ) بزغت في نفسي حينما عاد والدکم وزعيمنا الراحل البارزاني مصطفی إلی العراق، بعد ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958، بعد أن التقی في القاهرة الرئیس المصري الراحل جمال عبدالناصر، حیث کنا أوانئذ تلامذة الإبتدائیة، وکانت أول رؤیتي له‌ من أمام مدرسة إبن خلکان، حينما جمعتنا مدرسة المظفرية الإبتدائیة التي کنت تلميذا فيها، وأخذتنا للترحيب بعودة الجنرال البارزاني.. وقد إزداد شوقي له‌ في نفسي، حينما سمعنا نحن الأطفال في الأيام اللاحقة بأن سيادته سيخرج من المتصرفية ( المحافظة ) بعد أن استقبل من لدن متصرف ( محافظ ) أربیل وقتئذ المرحوم علاءالدين محمود. وکانت تلکم الرؤیة الثانیة خلال أيام، ونحن الصغار نری زعيمنا العائد، منتصرا، ولکن لابسا خصال التواضع، حيث إنه‌ وکما أذکر رفض حينما واجه‌ الناس عند مدخل المتصرفية، أن يصفقوا له‌، وقد بقيت هذه‌ الطبیعة مرکوزة في نفسه‌ طوال حياته‌.

عندما أقرأ وضع الکورد الآن، وهو مشتت وفي طريقه‌ إلی الإنحلال اللهجوي واللغوي والقومي في عهد سيادتکم، واقارنه‌ بما کان علیه‌ أيام البارزاني الأب الذي لم يتنازل عن جوهرتین ( اللغة الکوردية الفصحی و کرکوک ).. فانني أجد بأن الامر مزر إلی درجة یرفض حتی القياس مع الفارق. وقد بدا هذا التصور عندي يتقوی عندما أعلنتم في العام الماضي بأن ليست هناک لغة کوردية فصحی، فهي لهجات، ووعدتم بأنکم سوف تولون هذا الأمر الخطیر إهتمامکم القصوی وتجعلونه‌ من أولويات مشاريعکم، وقد إستبشرنا خيرا، وبحذر.. ولکن بدلا من الأمر بالتنفيذ فورا لدراسة الأمر بجدية من قبل المختصين وعلی قاعدة ( اعط القوس باريها )، کما هو متبع في الامور المهمة، سرعان ما صارت اللغة التي قطعت نحوا من تسعین عاما من عمرها؛ قيد الإعتقال، وترک الأمر لمن تدفعهم العواطف ولا يدرکون المخاطر، وبالتالي ظهور لهجة أخری ـ أو بالأحری لغة أخری ـ في التدريس، مما حدا بأصحاب اللهجات الأخری ـ بما يشبه‌ ثورة الغضب ـ إلی المطالبة بحق التعلم بلهجاتهم اسوة بالآخرين.. في حین لم يسمح البارزاني الأول لمثل هذه‌ الدعوات والتراشقات، لخطورتها، وظهر هذا الموقف الفذ في مؤتمري المعلمين والکتاب الکورد في عامي 1959 و1972، وأصر من خلال ممثلیه‌، منهم الشهید الراحل سامي عبدالرحمن، علی التعامل مع الواقع الذي یتمثل بوجود لغة جمعت الکورد منذ تأسيس الدولة العراقية، خاصة في إیران والعراق، وعدم الإنجرار وراء العواطف التي لا تلد إلا الکوارث اللهجوية التي تقصم ظهر الکورد کأمة لا تکون کاملة، بل حتی موجودة، من دون لغة واحدة موحدة.

کلنا مطلعون علی الموجة التي سرعان ما انتشرت، وعلی المذکرات التي تقدم إلی البرلمان تباعا، تصر علی الدراسة بلهجاتهم، وکأن هناک ( هیئة الأمم واللهجات الکوردية في کوردستان ) علی غرار ( هيئة الأمم المتحدة في نیويورک )، لا أحد يفهم الآخر إلا بلغة أخری غير کوردية، وملأوا الدنیا ضجيجا لکونهم محرومین، ويريدون أن يدرسوا باللهجات، بدلا من لغة وحدتهم منذ حوالي قرن.. ونتیجة هذا التسيب وعدم الحسم من قبل سيادة رئیس الإقلیم، صارت هناک دعوات تؤکد علی إستقلالیة أصحابها وتشک في إنتمائها للکورد ولها نشيدها الوطني. ولا أتحدث هنا عن الفوضی العارمة التي ضربت أطنابها في الإملاء الکوردي، حتی أصبحت الکلمة الواحدة تکتب في صفحة واحدة بعدة أشکال.. وکل ما يمس اللغة تحول إلی مهزلة، والطفل المسکین الذي يکابد هذا التأخر هو الضحية في مثل هذه‌ الدراسة المهلهلة، في حین أن کل هذه‌ الظواهر لم تکن موجودة في العهد العربي الذي کنا نصفه‌ بالفوضی والبلبلة.

بعد أن بويع لکم برئاسة الإقلیم، کتبت لفخامتکم رسالتین ( إضافة لعشرات المقالات بالکوردية والعربية ) ناشدتکم فيها بأهمية الإصرار علی تبني لهجة واحدة لتکون هي الأساس في التدريس والرسمیات، وبقية اللهجات تصبح منابع وحواري، حینئذ تتحقق ـ للکورد ـ نعمة الباري.. وأشرت أيضا إلی أننا ومن خلال حوالي قرن من الزمان تکونت لدينا لغة لا نشك في کونها فصحی في کوردستان العراق علی الأقل وکذلک في إيران، لکون الأکثرية تتکلم وتدرس وتکتب بها، بل الکل يفهمها، إضافة للوضع القانوني والدستوري الذي تتمتع به اللغة الکوردية في العراق، علی عکس بقية البلدان التي يتواجد فیها الکورد، ويتراوح حقهم في ممارستها بین المنع وعدم الممانعة. وقد أکدت بالحرف الواحد علی دورکم في القرار الاحادي الجانب، وقلت لو کانت الدکتاتورية في کل شئ مرفوضة، فانها في مسألة فرض لهجة معینة لتکون أساسا للغة الکوردية، مفروضة وقمة في الديمقراطیة، لأنها صمام الأمان لبقاء الکورد أمة لا تخسر تأريخ نضالها المشترک ولا تتهشم اصولها بفعل مطرقة اللهجات التي تشکل أکبر خطر يهددها، إضافة إلی أنه‌ کما لم يجعل الله‌ لرجل من ( قلبین في جوفه‌ ) کذلک لا يمکن لشعب واحد يعتقد أنه‌ أمة واحدة أن تدرس بلهجتين. ووافقت حتی علی إلغاء الدراسة باللغة الحالیة، وتعمیم الدراسة بأي لهجة کانت ـ إن کانت واقعية بعد تلکم المسيرة الطويلة مع اللغة القديمة ـ وجعل هذه‌ اللهجة الجديدة ـ مهما صغرت ـ لغة کوردية موحدة لکوردستان، بالإستفادة من بقية اللهجات، لأن هذا يضمن الحاضر الواحد والمستقبل المشرق، وإلی ( يوم تبدل الأرض غیر الأرض والسماوات ). وإلا سنتحول بکل تأکيد، وفي ظل سکوت الأحزاب العلمانیة والإسلامية وتقاعس المعاهد اللغوية والفکرية الکوردستانیة، إلی شعوب سورانیة، بادينیة، کرمانجية وزازاکیة.. والحبل علی الجرار. وقد أکد العديد من الکتاب والأساتذة خطورة الدراسة بلهجتین ـ أي بلغتین ـ وضرورة حلها، لاسيما في المذکرة الموقعة من قبل ( 52 ) استاذا مختصا في هذا المجال، والتي قدمت إلی سيادة الرئیس.

وفي حالة بروز تلکم التعددية اللهجوية الکوردية القاصمة في الدراسة والإعلام، فانها سوف لا تنعکس سلبا علی کوردستان فحسب، إنما تجعل العراق أمام حالة وواقع جديدین، مما يدعو الأمر إلی التفکیر في تعديلات دستورية، لأن المنطق الدستوري الفيدرالي يرفض أن یتناقض ما علی الأرض مع ما في النص الدستوري الذي يقول ( اللغة العربیة واللغة الکوردية لغتان رسمیتان للعراق )، أي ليس هناک تناغـم بین ما جاء هنا في الدستور من وحدانیة اللغة، وبین ترجمة ذلک علی أرض الواقع من خلال التدريس بلهجتین مثلا. مثل هذا کمثل أن يسمح لأهل الموصل أو غيرها بالدراسة بلهجاتهم إن شاءوا، باعتبارها عربية واحتراما للغة الأم. إضافة إلی أنک لن تجد حتی في أفريقیا امة تدرس بلهجات مختلفة، دع عنک الشعوب المتقدمة.

قد لا يتورع بعض دعاة الدراسة باللهجات عن طمس الحقيقة والقول بخلافها، زورا لا جهلا، حينما يدعي بأن الشعب السويسري ـ مثلا ـ يدرس بعدة لهجات، هذا تلفيق وافتراء، فاللغات الألمانیة والفرنسية والإيطالية والرومانشية المعتمدة هناک، لیست بلهجات، إنما هي ألسنة شعوب لها جذورها في البلدان المجاورة. ولیس من المستغرب أن تکون ضمن اللغة الفلاماندية في بلجيکا، لهجات تبعد عن اللغة الرسمیة بعد اللغات عن بعضها البعض، مع ذلک لا أحد يدعو إلی الدراسة بلهجات الام مراعاة لحقوق الإنسان، کما يجري حالیا في کوردستان، حیث إنها تکاد تقترب من أن تصبح في يوم ما سوق اللهجات، في کل مدينة وقضاء وزارة أو مديرية أو مجمع لغوي لهذه‌ أو تلکم اللهجة الکوردية، من زاخو إلی مندلي، من دون أن يفهم الناس بعضهم البعض، إلا من خلال العربية أو الإنجلیزية، أو حتی الترکیة. وما نقرأه‌ من دعايات عن تعدد الفصحی في اللغة الفارسية أو الترکیة، مبالغ فيه‌ جدا جدا، فمن يطلع علی مناهج اللغة الدارية الفارسية في أفغانستان مثلا، لا يجد أي إختلاف جوهري بین فارسية إيران وأفغانستان، إلا في المفردات أو المصطلحات، ومثل إختلافهما کمثل إختلاف العربیة المشرقية عن المغربية ( أعمال المؤتمر في العراق تصبح أشغال المؤتمر في المغرب )، وکذلک الأمر مع الترکیة في البلدان المختلفة. وهذا لا ينفي بطبیعة الحال وجود عشرات اللهجات واللهيجات الغريبة في کلتا اللغتین، ولکن رحم الله‌ شعبا رتب لغته‌ ووحدها، وأخذ بزمامها، وجعلها مقدسة، وعین لها عاصمة کطهران وإسطنبول، بغض النظر عن الأکثرية والأقلية الناطقة بهذه‌ أو تلکم اللهجة، وبالتالي لم يعرضها للتمزق، کما يفعل الکورد بلغتهم الیوم، بعد أن أصبحت لها عاصمة کذلک. وکل هذا يعني أن الکورد ليسوا بأمة متجانسة، ولم يستفيدوا من تجارب الشعوب التي جعلت من نفسها شیئا من لاشئ.

برغم أن الشعوب الحية تطوف حول لغتها کطواف الحاج حول الکعبة، إن صح التشبیه‌، فان هذا لا یعنی رحيل اللهجات، لکونها باقية لن تموت، بل تزداد وتنشعب، وهي جزء من الحياة البشرية إلی يوم ( إذا رجت الأرض رجا ). إطلعت أخيرا علی مقالة تقول إن في بعض المناطق السويدية التي يتجمع فيها الأجانب بکثرة، تکاد تظهر لهيجات سويدية جديدة مطعمة بکلمات شائعة بين الجالیات، مثل کلمة ( هبیبي ـ حبيبي ) أو ( والله‌ ) وهکذا.. بيد أن المهم هو وجود لغة فصحی أولا، تجمع الجمیع، وهی موجودة في السويد، برغم تعدد لهجاتها. دبلجة المسلسل الترکي ( السنوات الضائعة ) و کذلک ( النور ) علی شاشة قناة ( إم.بي.سي ) وتقديمهما باللهجة اللبنانیة، لا إعتراض علی تلکم اللهجة کثیرا ولم تثر ردة فعل واسعة، بسبب وجود اللغة العربیة الفصحی علی الساحة ومراقبتها لها، وکما کان الأمر أيضا مع الأفلام المصرية التي کانت تقدم باللهجة المصرية وماتزال، وکذلک مع کثیر من الأفلام الترکیة، والحالة تشمل جمیع لغات العالم، من دون إستثناء.. ولکن أن لا تکون عندک لغة فصحی، بعد سحب الثقة منها، وتروج للهجات، کما هو الحال مع الوضع الکوردي، فالخطورة هنا کامنة والمستقبل ليس آمن، والأمر ينذر بمجئ صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، ولکن علی لغة الکورد هذه‌ المرة، مهما إدعی المدعون بأن المهم هو الشعور بالإنتماء الکوردي والکوردستاني، فان هذا لا يعدو کونه‌ مؤامرة مقصودة ومدبرة للقفز من فوق الحقائق ولتحقيق المآرب، وفي غاية الخطورة، وهي آتیة ـ علی وجه‌ الخصوص ـ من بعض الکتاب الکورد من الداخل، الذين يعزفون علی وتر اللهجات، وکذلک مجموعة من المقيمین في الخارج وأغلبهم ليسوا من کوردستان الفيدرالية، لا هم لهم سوی تخريب صرح اللغة الکوردية ومحاربة کل ماهو کوردي أو کوردستاني، باسم الدفاع عن لهجة الأم، أو باسم ثنائیة الفصحی التي لا تعرفها أمة متماسکة وعاقلة علی الأرض وليس لها فحوی.

بسبب النموذج الکوردي الغامض في کوردستان الفيدرالیة ، فانک تجد لغة الکورد في اوروبا، علی عکس جمیع اللغات، قد تحولت إلی کورنیش اللهجات، مما حدا بالأجهزة المختصة في السويد ـ علی سبيل المثال ـ أن تسمي تلکم اللهجات لغات، فهناک عندک اللغة السورانیة، واللغة البادينية، واللغة الکرمانجية، واللغة الفيلية واللغة الزازاکیة .. إلخ، وتکاد الکوردية تصبح أوابد الأسماء وغرائبها‌، ولا يفهم التلامیذ لغة بعضهم البعض، والکل يدعي أنه‌ کوردي ومظلوم ومحروم. حدثني صديق کوردي کان في سفرة مع الصومالیین، أثناء حفل التعارف سئل فيما لوکانت لغته‌ کرمانجية أو سورانیة. والجدير بالذکر أن الصومالیین برغم کثرة لهجاتهم ولهیجاتهم، متفقون علی لغة رسمیة واحدة.. طوبی لهم وحسن مآب، فانهم أصلاء، إن تمسکهم بلغتهم الفصحی کتمسکهم بقيمهم التي تمیزهم ـ حتی وهم في الغرب ـ عن کل الأطياف الموجودة هناک.! ولم يقولوا کما قال أحد شيوخ الطوائف الکوردية في مدينة هانوفر في مقابلة معه‌، من أن إلغاء لهجتهم وفرض أخری لن يکون کارثة علیهم فحسب، بل سيکون کذلک بمثابة جينوسايد ضدهم.! ومن المؤکد أن الشيخ الوقور قد لقن قبل إجراء المقابلة، والقارئ الحصيف والمطلع علی المستويات يدرک ذلک جيدا. وقد نشرت تلکم المقابلة المفبرکة بحق، في جريدة التآخي بتأريخ 2008/07/21.

إضافة إلی أن نظرة متأنیة لما يقدم من مذکرات وعرائض یطالب فیها أصحابها الکورد بتبني الدراسة بلهجاتهم إسوة بالترکمان والکلدوآشوريين والسورانیین، تبین حقیقة وواقعیة ما ندعیه‌، وکأن داء الضرائر والحسد إنتشر بینهم، ناهیکم عن کونه‌ إشارة إلی أن الکورد باتوا علی شفا حفرة من نار اللهجات والشعوب، قد يکون حلها لیس أسهل من حل قضية کرکوک، بعد أن أشرنا في کثیر من المقالات والمقابلات إلی أن حسم مشکلة اللغة أهم وأولی حتی من وضع الدستور ومن المادة 140، لأن کرکوک باقية بأرضها وبأهلها الکورد وغيرهم.. ولکن التشرذم اللغوي، کائنا ما کانت الذرائع، يفضي إلی ایجاد قومیات جديدة في رحم الأمة الکوردیة، قد لا يقل إختلافها فيما بینها مستقبلا عن الإختلاف الموجود الآن بین الکورد والشعوب المجاورة، کل ذلک بفعل تعدد وتباين لغة الدراسة والإعلام في کوردستان.

لو کنت أشک في کل شئ، فانني وبعد أن إنشغل الکورد بالکيد للغتهم، لن أتردد الآن في قول أن اللغة الکوردية، وفق القراءة الراهنة، وبعد سحب رئيس الإقلیم ثقته‌ من اللغة المعتمدة، من دون إقتراح بديل أو دعوة جدية لإيجاد حل جذري أو الإستشارة بمختصين أقارب أو أجانب.. أجل، أقول إنها ولا ريب في حالة إنحلال، فهي تتجه‌ نحو تقسيمات عرقية ليست أقل من أربع تقسيمة في الوقت الحاضر.. اي أن الصراعات اللغوية : الکوردية العربية، والکوردية الترکیة، والکوردية الفارسية، السابقة والراهنة، والتي عانینا منها وأعطينا الدماء من أجل نزع حقوقنا اللغوية، تتکرر بشکل أو بآخر، حدة ومرونة، في المستقبل القريب والبعيد، بين السورانیة والبادينیة، والکرمانجية والزازاکیة، والزازاکیة والسورانیة ، وهکذا دوالیک.. وبصورة لا تحمد عقباها. أقول هذا الکلام بکل ثقة، وأنا المسؤول، فاسألوا أهل الذکر من علماء تأريخ اللغات البائدة والباقية، إن کنتم في ريب مما أقول أو ظننتم أن حججي واهیة.

لست من مؤيدي آيديولوجية مصطفی کمال أتاتورک وأهدافه‌ في تغيير الأبجدية الترکیة، ولکن أريد فقط أن أشير إلی أنه‌ خلال فترة لم تتجاوز عاما واحدا، ومن خلال دعوة علماء أتراک وأجانب من ألمانیا وألبانیا والسويد مثلا، تمکن أتاتورک من إنهاء مشروعه‌ اللغوي وجعله‌ حيز التنفيذ.. لست مع أهداف دولة إسرائیل ولا مع مشاریعها ومظالمها، ولکن أريد فقط أن أشير إلی أنها تمکنت ومن خلال برنامج دقيق وعمل مؤسساتی دؤوب، من وضع آلیة تساعد کل بنیها الذين قدموا من کل حدب وصوب علی تعلم اللغة العبرية.

والکورد کما هو شأنهم دائما في تخريب بیوتهم بأيديهم، ‌فان أول ما بدأوا به‌، کان الإجهاز علی اللغة الموحدة من خلال إيجاد لهجة ثانیة في الدراسة، من دون دراسة الأمر وتقدير آثاره السلبیة، وکذلک من دون الأخذ بنظر الاعتبار أن العنصر الوحيد الذي يمکن أن يجمع الکورد ـ دون الآخرين ـ في الحاضر والمستقبل، هو اللغة الواحدة، لحساسیة وضعهم الإقلیمي والسياسي.. فهل يعقل أن ينقسم إقلیم يضم ثلاث مدن فقط ـ کما هو الحال في کوردستان الفيدرالية ـ علی لهجتین، لا أحد يفهم الآخر، وکلهم يقولون أنهم کورد.. إن هذا لشئ عجاب أیها الأحباب من امة اللهجات.! وماذا مع بقية الکورد غدا، إذا ما أخذ الله‌ عقول الحکومات الأخری کذلک من خلال إعترافها ببعض الحقوق اللغوية لهم، ألا تصبح تلکم المناطق يومئذ کازينو أو منتزه‌ اللهیجات الکوردية، إسوة بالجزء الفيدرالي.؟! ثم إن هذه‌ الحالة تخلق وضعا غريبا ومحرجا أمام أحباب وأصدقاء الکورد الذين يريدون أن يتعلموا لغتهم، وتجعلهم حياری، لکونهم لا يدرون أي لهجة هي الأم حتی يتعلموها.! ثم لو کانت اللغة الموحدة من العناصر الرئیسیة لتکوين الأمة، بجانب الجغرافية والإقتصاد المشترک کما يقول علماء الاثنیات والامم، فان حذف الکورد لها من حياتهم وتأريخهم الیوم، ماذا يبقي لهم من مقومات حتی يشکلوا أو يصبحوا امة بکل معنی الکلمة، في حال لا يملکون لا جغرافية مشترکة ولا إقتصاد ولا شئ آخر مشترک ومعترف به‌ إقلیمیا أو دولیا.؟ ونحن بطبیعة الحال لا نتحدث عن الفانتازيات والعنتريات، ولا نلقي أناشيد وطنیة. ولا ننکر في الوقت نفسه‌ إنه‌ لو بقيت اللغة المعتمدة علی حالها من دون ضرة، فان ما جاء في الدستور الفيدرالی من مکاسب کان أعظم إنتصار للکورد.

لسوف ترون بعد عشر سنوات کيف أن الکوردي في أربیل لا يفهم بني قومه‌ في دهوک إلا بشق الأنفس، أو من خلال الإستعانة بلغة أجنبية أو عن طريق مترجم، وکذلک العکس، يأتي هذا بعد أن کان الأمر قد سهل علی الجمیع بفعل اللغة الموحدة التي کانت سائدة في الدراسة. مع العلم أن اللغة الکوردية المتداولة کانت أسهل بکثیر لتلميذ دهوکي، من العربیة الفصحی لتلميذ موصلي، ناهیکم عن تلميذ مغربي أو تونسي. هذا في وقت لن تجد لغة علی وجه‌ المعمورة، تکون سهلة علی التلميذ أوعلی المتعلم المبتدئ. عجبا لتلميذ کوردي مقيم في بلد أوروبي، يتعلم لغة الأجانب خلال سنة، ولکن تصعب علیه‌ لغته‌ الکوردية في بلده‌ وتتحول إلی کابوس، إن لم يکن وراء الأکمة ما وراءها.!

يجب أن لا يغرب علی البال أن هذا هو زمن إضمحلال القومیة الکوردية، بعد أن أصبحت السلطة ناشزة عن لغتها. وقد أعاتب من قبل البعض من بني قومي، لکوني أدعي رجما بالغیب أو إفتراضا، أوأقول جهارا نهارا وبلغة أهل الضاد، أو أن الظرف ليس مناسبا، ظانا منهم أن هذا الوصف سوف يسئ إلی الکورد، وکأن الأمر يخفی علی عقلاء الامم، ولا يعلمون أنه‌ معلوم ومقروء لدی العرب والعجم.. ناهیکم عن أن الأمر جار بالعلن، في زمن لا تخفی من أحد خافیة، ورحم الله‌ من لم يکذب حتی مع خصومه‌ لا الآن ولا في الأزمنة الآتیة. يضاف إلی ذلک أنني لم يدر بخلدي أن أکتب في هذا الأمر بغیر الکوردية، إلا بعد أن بلغ السيل الزبی وتأکد لدي أن کل ما کتبته‌ بلغتي سقط في مزبلة الأوراق أو في حجرة الأفکار الإنفرادية.

کنت أعشق لغتی التي کانت تسمی ( الکوردية ) بکل لهجاتها، وکم أتألم الآن حينما أصرح من دون تطاول أو مبالغة، بانه‌ يخطئ من يظن إن اللغة الکوردية باقية وحية، کلا، إنها في طريقها لتصبح أثرا بعد عین، إلا الکوردية.. وکانت ( کوردستان ) روحي وريحاني، وکم أتعذب الآن حينما أعلن إنها في طريقها ـ وبيد أبنائها ـ إلی الزوال، لتحل محلها أسماء أخری تحمل طابع اللهجات، بل اللهیجات، وأخشی أن يکون ( شمال العراق الحبیب ) أدرأ للمفسدة وأقرب لزرع المودة، من إستعمالات کوردستان علی کل الأصعدة.

کان حصاد عمري الأخير قاموسا يزخر بمفردات مختلف أغصان وفروع اللغة الکوردية، بعد أن کان کتبا وترجمات ومجلة ( حلبجة ـ 31 عدد )، کم کنت أود لو أری ثمرات جهدی وأنا أتنفس الصعداء في ظل عهد فخامة الرئیس مسعود، لاسيما عندما تأکد لدي أن مرحلة حکمه‌ ستشهد علاج هذا الجرح اللهجوی، بالقرار الحاسم، قبل أن يتحول إلی شجرة الزقوم في حياة الکورد أو سرطان مستشري في جسد اللغة الکوردية، لن يتوقف إلا بالقضاء علیه.. ولکننی الآن تغیرت لدي کل المعايير، بعد أن تحولت الکوردية إلی إسم دون مسمی، وإلی سذاجة وخدعة، بل إلی إدعاء مقرف وبدعة، بسبب عدم إکتراث المسؤولین بها قيد أنملة، برغم کونها المقوم الأساسي لنا کشعب وملة.

يتراءی لی اليوم أن لا داعي ـ من الآن فصاعدا ـ لخشية الدول القلقة ـ ترکيا وإيران والعراق وسوريا ـ من امة کوردية قد تثور علیها جملة وتفصيلا، وبالتالي تبني دولة کوردستان الکبری، فکل هذه‌ الإندفاعات والثوريات الموجودة والملتهبة، فقاعات مؤقتة، منتهية، محکومة بالفناء أو بأحکام مؤبدة، أي إن المسألة سوف لن تتجاوز في قابل الأعوام حدود آجالها المحددة، مادام لیس للکورد لغتهم الموحدة، وحصونهم من الداخل مهددة. والذي يؤيد ما قلته‌ هو الواقع القومي المتهرئ الذي ينتظر الجزء الفيدرالي من العراق، بفعل الکانتونات اللهجوية المنتظرة، وبالتالي تصبح فکرة الدولة الکوردية أضغاث أحلام أوعواطف وردت في أشعار بالیة أو خيالات غیر معتبرة، وتأسيسها غیر وارد أو واقع ( حتی يلج الجمل في سم الخياط ) سواء هنا أو في المدينة المنورة.!

بناء علی ما تقدم، فانني بعین تکاد تتقطر دما، وقلب مفجوع يملأه‌ الأسی والألم، ونفس جريحة کأنها في مأتم، وتحت مطرقة الضمیر الداعي إلی عدم المغازلة مع خطر جسيم يمس قدر امة باتت متدهورة، وعدم الإنسياق وراء دعوات رومانسية لتشتیت الکورد إلی قبائل وشعوب متنافرة، إلی يوم إلتفت الساق بالساق، کما هو جار الآن ـ من قبل الکورد أنفسهم ـ علی قدم وساق، بذريعة تحقيق اسطورة المساواة بین اللهجات، والتي لم نسمع بها حتی بین الشعوب التي مازالت تعيش في الأکواخ ولم ترکب العربات، ولا تعني بالتالي غير تمزيق لغة الکورد إلی أوصال وأشلاء متناحرة..أری نفسي مضطرا أن اعلن إستقالتي من تلکم ( الکوردايه‌تی ـ الکوردية ) الباهتة ومتعلقاتها المدمرة، بعد أن إستحال الأصل الأصيل سرابا في سراب، في عهد فخامة رئيس کنت أظن أنه‌ الثاني، من بعد أبیه‌ مصطفی البارزاني.

اللهم هل بلغت.. اللهم فاشهد.!

* الکوردايه‌تي : الکوردية، إسم يراد به‌ روح النضال الکوردي، فهو يقابل العروبة، من دون تعصب.

2008/08/23
mohsinjwamir@hotmail.com