الرئيسية » مقالات » قشة يتعلق بها … وأخرى سوف تقصم ظهره …..!

قشة يتعلق بها … وأخرى سوف تقصم ظهره …..!

انه لأمر مثير للسخرية والسخط اليوم وفي آن عندما ترى رئيس النظام السوري بشار الأسد يقحم نفسه في المتاهات وكأنه يحاول كالغريق أن يتمسك بقشة بعدما أصبحت القشة الثانية قاب قوسين أو ادني من قصم ظهر هذا النظام . فعندما عبر عن دعمه الحازم للعملية العسكرية الروسية الجارية في جورجيا وذلك أثناء وخلال محادثاته مع الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف وكذلك عن معارضته لانفصال اوسيتيا الجنوبية وابخازيا اللتين إن أرادت ذلك فببساطة فسوف يكون دون أدنى شك وفقا للقوانين ومصالح هذه الأمم وفي اضعف الحالات وفق إرادة هذه الشعوب وليس حسب رغبات رئيس عالق بالوحل في بلاده من ساقيه حتى الرقبة….!
كما أن العروض التي قدمها للقيادة الروسية وموضوع شراء الأسلحة الروسية ومعها كل عبارات الشكر والامتنان والمجاملات والأحاديث الرقيقة في منتجع سوتشي على شواطئ البحر الأسود الشاعرية ، لن تجدي نفعا ولن تطوي صفحات سوداء من تاريخ هذا النظام لا داخليا ولا إقليميا ولا دوليا ، ولو حتى مؤقتا . وجدير بالذكر أن بشار الأسد لفصاحته وسعة افقه السياسي استبق كل الزعماء العرب وأصبح هو الرئيس العربي الوحيد الذي أيد العملية العسكرية الروسية في جورجيا والثاني والأخير في العالم بعد رئيس بيلاروسيا المعروف بولائه للنظام الروسي .
والمفاجئة الأخرى انه أتحفنا بآماله وتمنياته بشان عودة سنوات الحرب الباردة من القرن الماضي متناسيا أن التاريخ لا يعود إلى الوراء كما انه لا يعيد نفسه أبدا رغم التمنيات ومهما بلغت الحنكة ومهما بلغت مساحة القواعد العسكرية التي دعا إلى بنائها وشبكات الصواريخ من سكود إلى اسكندر الأول أو الثاني ، إضافة إلى أن روسيا نفسها واجهت انتقادات دولية واسعة من قبل العالم بسبب عمليتها العسكرية هذه وهي ليست بوارد التصعيد الذي لن يكون من مصلحتها اقله في الوقت الراهن ، ولكنه يبدو أنه يرمي من وراء هكذا تصريحات بالدرجة الأولى هي المحادثات والمفاوضات الغير مباشرة ومستقبل العلاقة مع الدولة العبرية التي يجريها هذا النظام مع إسرائيل بالوساطة التركية ويبدو أنها تتعثر ، مما دفع رئيس هذا النظام بشار الأسد إلى محاولة التعويض عن تركيا أو إيجاد مكمل لها واستقرت قراءته إلى دور روسي قد ينقذ ه من الحضيض .
وهذا تماما ما صرح به نفسه لصحيفة ازفستيا الروسية ، إضافة إلى الاتصال الهاتفي بين الرئيس مدفيديف ورئيس الوزراء الإسرائيلي والذي تناولا فيه زيارة الرئيس السوري والتطورات في منطقة الشرق الأوسط وعملية السلام والملف النووي الإيراني إضافة إلى الوضع الجيورجي . ولقد أشار الأسد إلى نقطة أخرى وهي أن استخدام الجيش الجيورجي لمعدات وأسلحة زودتها بها إسرائيل يفرض الحاجة إلى أن تعزز سوريا تعاونها العسكري مع روسيا والإسراع فيه وقال بوضوح إن سوريا على استعداد للتعاون مع روسيا في أي مشروع قد يعزز أمنها.
أما في موضوع التشبيهات التي فد ينفرد ببلاغتها هذا الدكتاتور بين كل الأقوام ، فشبه الوضع في جورجيا بالوضع في لبنان متناسيا انه ليس هو كالرئيس الروسي مدفيديف وكما أن سوريا ليست بروسيا مع تشابه الحروف ، وليس الترتيب الذي ينقصه هو شخصيا ، كما أن لبنان لا يشبه بشي جورجيا سوى أنهما دولتان عضوان في المجتمع الدولي ومنظماته و ذات سيادة ومن المفروض احترام هذه السيادة من قبل الجميع وإلا فهذا المجتمع الدولي لديه من الوسائل والقوانين ما يكفي و يكفل الحفاظ على سيادة هذه الدول الأعضاء أو غيرها كما انه يستطيع أن يقرر الطريقة والوسيلة لفرض هذا الاحترام الذي يبدو أن النظام السوري لا يعرفه .
أما الموضوع الآخر بل الانزلاق الآخر هو إسداءه النصح للقيادة الروسية بعدم التقارب مع الغرب ، هذه القيادة التي وبحسب وجهة نظره قليلة الخبرة وينقصها التأهيل الكافي للقيادة وكان عليهم المجيء إلى دمشق لإتباع دورات في المعاهد العبثية .
وعليه فإذا كانت المشاكل في القوقاز لا تحل بدون روسيا ، فان روسيا ليست بحاجة إلى نصائحك أيها الدكتور الفيلسوف لتنصحها ….!
يبدو أن قضية التدخل في شؤون الدول الداخلية القريبة أم البعيدة ، ليست بالصفة الوحيدة التي يمتاز بها النظام السوري وليس هو الخرق الوحيد أيضا لسيادة الدول والحكومات وكذا للقوانين الدولية المتعارف عليها والتي تحكم العلاقة مابين الدول ، بل نجده يتمادى في ذلك ليتجاوز حتى العرف واللياقة الدبلوماسية والسياسية ، فعلى سبيل المثال لا الحصر عندما صرح الرئيس بشار الأسد لشبكة تلفزيون CNN التركية قبيل وصوله إلى أنقرة في تلك الزيارة “التاريخية ” والذي حذر فيه من مغبة التطور الطبيعي السياسي لكوردستان العراق وشبهه بالخط الأحمر باعتبار أن هذا التطور من وجهة نظره سوف سيؤثر على كل دول المنطقة التي تشابه في تكوينها العراق ويقصد سوريا وإيران وتركيا التي تتقاسم اغتصاب كوردستان ، وصحيح أن تركيا تشاطر النظام السوري حساسية الوضع الكوردي وان هناك قاسما مشتركا بين الدولتين والنظامين ، ولكن الصحيح أيضا أن الرئيس السوري يتناسى أن الشعب العراقي هو الذي سيقرر مصيره بنفسه ووفقا لدستوره وحسب قوانينه وسياساته وان عملية إعادة بناء الدولة العراقية بما يضمن مشاركة الجميع في إدارة شؤون بلادهم وتقرير مستقبلهم كما انه لم ولن ينتظر _ أي الشعب العراقي _ أبدا بعدما خلع دكتاتور عصره ليأتي دكتاتورا آخر ويسدي له النصح والمشورة في قضاياه المصيرية أو أن يذعن هذا الشعب لدكتاتور ارعن مثل الرئيس السوري .
ويبقى موضوع إقامة دولة كوردية في شمال العراق أم لا ، فهي بالتأكيد من مهام النظام العراقي الجديد الذي يتشارك فيه كل أبناء العراق كوردا وعربا وتوركمانا وآشور مسلمين ومسيحيين سنة وشيعة وفيليين … وكما أن معارضته وخطه الأحمر هذا ، لما جرى في العراق ككل كانت واضحة تماما وصوتها مدوي و مسموع وهي موضع استنكار شعبي ورسمي حول العالم ، وآثار دماء الفقراء والمدنيين العزل من أبناء الشعب العراقي وقياداته بكل ألوانه و أطيافه سوف لن ينساها هذا الشعب ومعه الإنسانية جمعاء .
كما أن الحفاظ أو تحقيق الاستقرار في منطقتنا لن يمر إلا عبر طريق واحد ووحيد وهي إحقاق الحقوق وليس إنكارها أو سلبها ومنها هذا الحق الكوردي في كل أجزاء كوردستان شاء هذا النظام أم أبى ، وان زعزعة هذا الاستقرار يكمن تماما في ما يمارسه هو ويبدو أنها مهنة امتهنها عبر كل الممارسات التي يقوم بها من فلسطين إلى لبنان فالعراق ولربما في مواقع أخرى من العالم من أقصاه إلى أقصاه والتي لن تنساها البشرية كما أنها لن تمر هكذا دونما عقاب مهما طال الزمن ومهما أشبعه ساركوزي وعودا ومدفيديف صواريخا إن كانت ارض ارض أو جو جو .
والواضح انه يجيد فن الاستجداء والبكاء ، ونسي ما كان يقدمه من دعم عسكري ولوجستي ومادي لحزب العمال الكوردستاني خلال صراعه في السنين الماضية مع تركيا الذي اليوم يتباكى على مصالحها ومستقبلها رغم كل نقاط الخلاف بين الدولتين والنظامين في آن ، كما أن ترسيخ العلاقة بين الدولتين وتجاوز الجفاء كان من المفروض أن تمر عبر المصلحة المشتركة للشعبين وليس على حساب الشعبين أو اقله كما في هذه المرحلة على حساب الشعب السوري بأكمله وحتى على حساب سيادته التي بيعت بابخس الأثمان في اللواء مقابل فتح قناة مع الدولة الإسرائيلية والتي فشل الأردن في مسعاه سابقا لطبيعة العلاقة بين البلدين الشقيقين.
وفي تشرين من العام الماضي وخلال زيارة الأسد إلى تركيا عبر عن تأييده لما وصفه أن لتركيا الحق في الدفاع عن نفسها والتدخل العسكري في شمالي العراق ضد ما اسماه ” الإرهاب القادم من العراق ” فتجاوز مرة أخرى هذا الدكتاتور كل الخطوط واللياقة الدبلوماسية والسياسية إضافة إلى ضربه عرض الحائط كل المواثيق والقوانين الدولية كما المعاهدات العربية في موضوع ” الدفاع المشترك ” التي وقعتها الدول العربية برعاية جامعتها منذ نصف قرن ، وسوريا كانت من بين هذه الدول الموقعة ، وهو يتمنى أن تكون القيادة التركية إلى هذا الحد من السذاجة واللاوعي السياسي كما هو عليه ، لتنزلق إلى مستنقع الصراعات وتصفية الحسابات في العراق الذي هو أي وشركاءه من ملالي إيران احد مهندسيها ، ولكنه من الواضح أيضا انه كان يستجدي بذلك مرة أخرى إسرائيل عبر تركيا الأمر الذي بات جليا وواضحا للعيان ولا يقبل الشك وخاصة بعد التصريحات التي توالت من القيادة السورية بهذا الخصوص ، عله يرجع ما فقده من نفوذ في السنوات القليلة الماضية من جهة ويبعد ما يقض مضجع النظام اعني المحكمة الدولية الخاصة بشان اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما تلتها من جرائم اقترفها هذا النظام على الأراضي اللبنانية في فترة الوصاية السورية إلى اليوم والتي كما تبدو أنها قد خرجت من دائرة الصراعات السياسية محليا ودوليا وأصبحت خارجا عن رهان المساومات والتسويات .

* فرحات عبد الرحمن علي : سجين سياسي سابق اختطفته الاستخبارات السورية بالتعاون مع اللبنانية أيام الوصاية السورية على لبنان ، حكم من قبل محكمة امن الدولة الاستثنائية في دمشق خمس سنوات أمضى ثلاثا منها في معتقل صيدنايا العسكري وهو ممثل حزب يكيتي الكوردي في لبنان .