الرئيسية » مقالات » حياتي أم حياتك…أيهما أفضل

حياتي أم حياتك…أيهما أفضل

ا
لذي يدافع عن راحة المواطنين …الأجدر به أن يدافع عن حياتهم، والوطني الشهم والقيادي الناجح هو ذلك الذي ينقذ أرواح مواطنيه.

لقد مر العراقيون بتجارب حكومات وقبلها استعمار عثماني صفوي بريطاني وعربي…واليوم تحت الاستعمار الأمريكي لتاريخٍ غير معلوم.
عبر كل تلك التجارب توصل البعض أن القدر حتم على العراقيين أن يعيشوا تحت وصايا متنوعة ومختلفة لم يجني الشعب العراقي من ثمار موارده إلا القليل…حسب المقولة العراقية (بطلعان الروح) والأرواح زهقت وتزهق باستمرار والقرابين تقدم من أجل ما يسمى بالمصلحة العامة.

في زمن الطاغية والحكم الدكتاتوري كنا نتداول موضوعة – الغاية تبرر الوسيلة أم لا. وكان الذي ينطق بعبارة – الغاية لا تبرر الوسيلة – وكأنه أقترف جرماً بحق السلطة وطواغيتها حينذاك.

أما في عراق اليوم، والسلطة بيد من كان ينظر لمفهوم الغاية لا تبرر الوسيلة أصبح يبررها، وبل يجعلها أمراً حتمياً ويجد لها دعماً منطقياً وفتاوى واجتهادات … عســـى ولعلهُ البعض قد نسى تلك الفترة. لكن العتاب ليس على قيادات مرحلة العمل السري، وفترة تهيئة القواعد المؤمنة فالكثير منهم تركوا العمل السياسي وبقى ارتباطهم بالباري عز وجل…وهم يتألمون لما قدموه من تضحيات وشباب وأرواح وسجون وتعذيب وتذويب (بالتيزاب) والأجساد الطاهرة التي ذوبت في أحواض (التيزاب) وكل الذين هجروا ومازالوا يعيشون بعيداً عن أرض الوطن وهاجرين قبور آبائهم وأبنائهم وأحبتهم…

مصيبة الكرسي ومصيبة الإنسان (الوصولي) الذي يستخدم ويستغل كل شيء من أجل هدف معين…وكأن الدنيا بقية لقيصر وفرعون من قبلهم…وكأن الحديث عن يوم القيامة والحساب والعقاب والثواب كان مجرد مفاهيم وجسور للوصول لمبتغى معين.

إن كان القيادي العراقي يدافع عن أرواح مواطنين عراقيين فيجب أن لا يفرق بين قومية وأخرى ومذهب وآخر ودين معين ولون وعرق…فالإنســـــــان هو ذلك الإنسان وهذا.
والروح هي ذات الروح…والدم هو ذات اللون والحرمة وقدسية النفس لا تفرق بين هذا وذاك…لكن في عراق (المحاصصة) والتوافق يبدوا أن لحياتي أفضلية ولحياتك موقع أدنى. فالسباق من أجل إنقاذ المعتقلين هو سباق قومي ومذهبي وطائفي وحزبي…فالشاطر من ينقذ أصحابه وأحبابه…لأنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض…((الأقربون أولى بالمعروف)).

بالنسبة لي أؤمن بأن الذي وهب الحياة يمكنه سلب الحياة…فلا أوافق على القصاص وبأي حق وبأي شريعة…ولا أؤمن بمقولة قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق…لأن الرزق على الله ((يرزق من يشاء بغير حساب)) أما قطع الأعناق فالظاهر بيد آل سعود ومن يواليهم ويتبع شريعتهم…فهي ليست شريعة السماء…بل قد أتبع مثل هذه الشريعة أقوام في عصور غابرة…لكن العراق بعد الاحتلال الأمريكي أعيد لعصور ساحقة تقطع رقاب الناس لأن أسمه يوحي لدين أو لمذهب…!
وأمريكا التي تدعي الديمقراطية تحصد أرواح العراقيين بالجملة دون أي ريب أو خوف أو قانون عراقي أو عالمي يوقفهم عند حدهم. فما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية من مجازر واحتلال جائز وفق الشرع الدولي …والأمم المتحدة تعد لها مسبقاً تبريراً وقانوناً يشرعن أعمالها البشعة.
والدول التي تقطع رؤوس البشر داخلة ضمن مشروع أمريكي ومن ورائها من دول وحكومات ومنظمات عالمية ذات قدرة اقتصادية وسياسية وإعلامية تبسط لها الأمور وتهيأ لها الأجواء…وتسير لها الرأي العام والخاص العالمي.

العملية السياسية في العراق لم تكلل بالنجاح دون الضغوط الأمريكية على الدول العربية من أجل إرسال السفراء وتطبيع العلاقات…ولكن هل يمكن قبول جميع الشروط الأمريكية، أم أن هناك مقابل وطلبات عربية. الحديث الساخن كان ومازال هو حلو الاتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية بعيدة المدى…أو ما يسمى بالاتفاقية الاستراتيجية. وحقيقة الأمر هو الانتداب الأمريكي للأبد الآبدين. ((حلم هتلر …فأنجزه الأمريكان)).

العملية السياسية في العراق بدأت ترسم خطوطها الأساسية والمهمة بمفهوم ومصطلح جديد هو ((الديمقراطية التوافقية)). واعتبار الشعب العراقي شعب سذج (تعبر عليهم أي شي). وهناك سلطتين مهمتين تستخدمها القيادات (لإستحمار) الشعب العراقي وهما:
السلطة الدينية: وهنا المراد منه القيادات والزعامات الدينية بقوة نفوذها الروحي في داخل نفوس العراقيين، وليس هناك خصوصية لطيف معين أو دين دون آخر…فالحديث عن جميع المجتمعات العراقية وإيمانها الغيبي بقياداتها الروحية. ويمكن ربط شيوخ العشائر وأصحاب النفوذ المجتمعي بهذه السلطة.
السلطة المادية: بما أن الشعب العراقي قد عاش العوز والحرمان طيلة أربعة قرون، فأن أي مد مادي يعتبر هبة إلهية لا يمكن رفضها…والشرع الإسلامي يحلل الحرام عند الضرورة القصوى، حيث يقال أن لحم الخنزير (الحرام) في الإسلام حلال من أجل إنقاذ الروح. فكيف بالعراقي الجائع والفاقد لأبسط مستلزمات الحياة هل من المعقول أنه لا يتقبل العون المادي مقابل قبول رأي ورفض رأي آخر. أو التصفيق لقائد يترحم عليه بجزء بسيط من حقوقه وثروات بلاده وكأنه ملك العراق وثرواتها…وقبل السقوط كان يعيش عيش الذل والهوان دون أن يملك أجار شقة أو مبلغ لعربة يتنقل بها.

النتيجة: عندما رجعت من محافظة الناصرية – ذي قار وبعد أن كلفت بفض النزاع بين جمع كبير من المتظاهرين الغاضبين وبين محافظ الناصرية الذي كان في الحج …حيث تولى المهمة نائبة وعدد من المسؤولين في المحافظة وقادة عسكريين وشرطة…وبعد أن قتل أعداد من المتظاهرين وجرح الكثير ما يزيد عن عشرون إنساناً…توجهنا لأحد القياديين البارزين وأعلمناه بالأمر فقال بسرعة: لماذا لم تقتلوهم جميعاً…وكأنه يرى أولئك حيوانات يمكن الخلاص منهم…فغضبت في حينه وقلت له: هل تعلم بأنني أمثل المجتمع المدني وأنني أدافع عن حقوق البشر، فكيف لك أن تخاطبني بهذه الطريقة فتركت المكان…وبعدها أجريت عدداً من الاتصالات مع قياديين وفي أحزاب مختلفة…وعلى رأسهم السيد نوري المالكي قبل أن يصبح رئيساً للوزراء…طلبت منه تشكيل لجنة للتحقيق بسبب الرمي المباشر على المتظاهرين من مبنى السفارة وتعويض أهالي الشهداء والجرحى…وإلا أذهب لوسائل الإعلام وأتحدث عن الواقعة وأبين الحقيقة…وقلت له سمعت بأن هناك قائد في الشرطة يكنونه ((بالبلدوزر)) أي أنه يحصد أرواح الناس بلا رحمة…فقال لي المالكي: هل تهددنا؟ قلت له هذا ليس تهديد، بل أنه واجبي وما تعهدت به للمتظاهرين…وأن راديو المحلي لمحافظة الناصرية أعلن خبر تولي لجنة خاصة بين المتظاهرين والمحافظة. وكان الطلب من نائب المحافظ الذي ينتمي للمالكي…وبعد يوم تكاثرت علي الاتصالات من الناصرية حيث يطلب نائب المحافظ أن لا أذهب للفضائيات وأن المالكي تعهد بأن يجد حلاً للقضية…والظاهر كما نقل لي بأن المالكي كان قد أتصل بنائب المحافظ وهداه كلمات لاذعة …ومن ضمنها ((خليتنا بحلك عباس النوري)) أي عباس النوري سوف يفضحنا. لا أقول توسل، ولا أريد القول بأنني رضخت لمطالب…ولا خوفاً، ولكنني أعطيت فرصة لأن لا تتضخم القضية والعراق في وضع لا يحسد عليه. وليس هو من باب التستر وإلا لماذا أتحدث عن هذا الموضوع الآن…ولقد تحدثت عنه في السابق، لكن الرابط والمفارقة…أن أبناء الناصرية والسماوة والكوت والبصرة… لا يحسبون من البشر…وإلا لكان للمالكي تدخل في أبناء الناصرية والسماوة الذين تقطع رؤوسهم من قبل آل سعود دون أي محاكمة ودون أي حضور لممثل من الحكومة العراقية…والمالكي رئيس لحزب الدعوة الإسلامي الذي كان يقود نضاله السري طيلة خمسة عقود…لأن الدكتاتور كان يقتل ويسجن ويعذب كل من خالفه، وكل من انتمى لحزبٍ غير حزب البعث. ولكي يثبت المالكي أنه رجل دولة فقد أمر بقتل من يحمل السلاح من المليشيات والخارجين عن القانون…فقد حمل أعضاء حزب الدعوة السلاح هل ينكر ذلك…وأستلم حزب الدعوة السلاح والدعم المادي والمعنوي من دول عديدة…بالخصوص إيران…ومن خلال وعن طريق كردستان…فقد ناضل الخط العسكري ضد البريطانيين ومصالحهم والأمريكان ومصالحهم ليس في العراق فحسب بل حتى في لبنان…فكان العدو الأكبر لحزب الدعوة هم الأمريكان…لكن اليوم نلاحظ أبو الحاج أبو إسراء رئيس الوزراء يتفاخر عند رايس للتقدم الأمني والاقتصادي والعمراني…بفضل قوته وصلابته…فيا للعجب والمفارقات.
لكنه لا يزعج نفسه بكلمة بخصوص أكثر من 500 روح عراقية قابعة في سجون السعودية تنتظر قطع رؤوسها…والذي وصلني قبل قليل أن السلطات السعودية قد ضيقت الخناق حول السجناء العراقيين وأخرجتهم في الشمس القاتلة حرارتها لفترة أكثر من ثمانية ساعات للبحث عن الهواتف النقالة…بعد هذا التأثير الإعلامي غير الرسمي. حتى أن جدران السجون ثقبت للبحث عن الهواتف النقالة…والله أعلم ماذا سوف يلقون من جزاء أثر نقلهم لمصيبتهم من خلال الهواتف التي سربت لهم ليكونوا على اتصال مع العالم وذويهم.

العلاقات السعودية العراقية في خطر…لو أن المالكي أو أي قيادي عراقي…مثل رئيس الجمهورية الذي يأبى التوقيع على إعدام صدام لأنه ينتمي للديمقراطية الاشتراكية العالمية التي تحرم الإعدام…فلا يطالب السعودية بإيقاف القصاص ومحاولة إنقاذ الأرواح الباقية من العراقيين الذين اجتازوا الحدود العراقية السعودية هرباً من الجوع وتلبيةً لاحتياجات أهلهم وأبنائهم من العوز القاتل…فوقعوا في فخ أصل الإرهاب وصانعيه. وان كان السيد مام جلال الطلباني معذوراً لمرضه والعملية الجراحية التي يخضع لها في الولايات المتحدة الأمريكية – حيث نتمنى له الشفاء العاجل ورجوعه لأرض الوطن لأن المجلس السياسي القيادي الذي بيده الحل والربط لما يعانيه العراق من محنه سياسية بخصوص كركوك وقانون الانتخابات. أليس لنائبيه من موقف بهذا الشأن…أليس لهم صلاحيات رئيس الجمهورية..بتوجيه ترحم نداء تريث للملكة السعودية.
وبينهم من يعرف بالرحمة للسجناء…والأب العطوف.

لكن السؤال الملح…هل حياتي أفضل من حياتك؟