الرئيسية » مقالات » نظام البعث السوري بين الديكتاتورية و إرهاب الدولة

نظام البعث السوري بين الديكتاتورية و إرهاب الدولة

لقد دشن اختطاف وقتل الشيخ الكردي الجليل د.معشوق الخزنوي في أواخر أيار 2005،ناهيك عن اختطاف الناطق الرسمي لتيار المستقبل الكردي السيد مشعل تمو في أواسط أب 2008، مرحلة جديدة في تحول النظام السوري القمعي إلى استخدام اسلوب وممارسات إرهاب الدولة:act of State terrorism،وهو خاصية نابعة من طبيعة كافة الأنظمة الشمولية والديكتاتورية وأحد إفرازاتها الحتمية عبر التاريخ:سواء ارهاب اليعاقبة في فرنسا،الإرهاب الستاليني ضد الكتاب والمثقفين في الثلاثينات، فرانكو في اسبانيا،سلطة الارهاب النازي في ألمانيا، ارهاب الملالي نيابة عن الله على الأرض في طهران أو البعث العراقي والسوري.ونظرا لغياب تحديد أو وصف قانوني واضح وشامل لمفهوم الإرهاب لدى فقهاء القانون الدولي وفشل الأمم المتحدة في عقد معاهدة دولية شاملة تنص على هذا المفهوم أو المصطلح لإعتبارات سياسية طبعا،سوف نحاول من جهتنا تحليل ظاهرة إرهاب الدولة و خصائصها وتبيان الفرق بينها وبين الإرهاب الكلاسيكي.
فارهاب الدولة دون شك،هو قيام الدولة وبواسطة أجهزتها المختلفة[ المخابرات،الجيش،المفارز والتنظيمات شبه العسكرية والمدعومة من قبل النظام،مثلا الجنجويد في السودان وجنجويد البعث في غربي كردستان]،اللجوء إلى العنف،تنفيذ عمليات عسكرية،حيث غالبا ما تؤدي إلى ضحايا مدنية،خرق حقوق الإنسان،بما فيها استخدام أساليب المنظمات الإرهابية: توجيه ضربات بواسطة المتفجرات،قتل وإغتيال،إختطاف،وهذا النوع من الإرهاب موجه بالدرجة الأولى إلى خصوم النظام السياسيين في الداخل والخارج على السواء.ومن جهة أخرى يعتبر فقهاء القانون الدولي أن ارهاب الدولة في جانبه الخارجي ما هو سوى أداة رخيصة من أدوات السياسة الخارجية لممارسة الحرب السرية،أي حسب المصطلح العسكري: Low intensity War سعيا وراء تحقيق مكاسب سياسية على الصعيدين الدولي والإقليمي.ولنا في تدخل استخبارات النظام العفلقي في دمشق ومرتزقته في الشؤون الداخلية اللبنانية والإستعانة بالخدمات القذرة لحزب الله الإرهابي،اغتيال السياسيين والكتاب والصحفيين اللبنانيين، ارسال الإرهابيين وبكثافة إلى العراق وكردستان ولاسيما منطقة الموصل وجبل شينكال وتنفيذ عمليات ارهابية وحشية ولاسيما ضد أخوتنا الأيزييين وبالتنسيق مع بقايا البعث العراقي الفاشي وإرهابيي القاعدة،سوى براهين وأدلة لاتقبل الدحض.
فما هو الفرق بين الإرهاب وإرهاب الدولة؟
أ-المقارنة الحقوقية.
1- فالإرهاب العادي وكما هو معروف لدينا يخرق قوانين الدولة المعنية وأنظمتها السائدة
2- أما إرهاب الدولة فهو يشرع أو يسن القوانين والمواد المطلوبة،التي بواسطتها يرتكب فعل خرق القانون بحد ذاته وعن نية مسبقة[ قوانين حالة الطوارئ والمحاكم الاستثنائية والعرفية وغيرها]
3- هناك عدة أشكال من الإرهاب المختلط توصف ب إرهاب شبه دولة. فعلى سبيل المثال: عندما تلجأ الدولة إلى خدمات الإرهابيين العاديين بالرغم من التناقض فيما بينهما،بهدف اسكات خصومها السياسيين وتصفيتهم،أو إضطهاد الأقليات القومية،أو خوض حرب غير معلنة ضد الدول الأخرى[ضد لبنان والعراق مثلا].
4- وهناك بالمقابل ارهاب شبه دولة أيضا عندما تتغلغل المافيا في هيئات الدولة،مستخدمة أجهزة القمع التابعة لها لتصفية الخصوم السياسيين والمعادين لتوجهاتها.فعلى سبيل المثال ان تنظيمات المافيا الإيطالية متداخلة في مؤسسات الدولة منذ مئات السنين، وفي عام 1978استغلت منظمة الألوية الحمراء الإرهابية الإيطالية هذه الثغرة،حيث اختطفت رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق ألدو مورو وبمساعدة جهات نافذة في الإستخبارات الإيطالية وبعد مرور 55 يوما قامت بقتله ورمي جثته.وما زال اختطاف وتعذيب وقتل الشيخ معشوق الخزنوي في أيار 2005 من قبل غيستابو الإرهاب في دمشق واكتشاف جثته في دير الزور حية في ذاكرتنا ولاتترك لدينا أدنى مجال للشك أن اخطبوط سلطة الأرهاب كانت وراء عملية الاختطاف والقتل،مثلما هي نفسها قامت بعملية اختطاف الأستاذ مشعل تمو.
ب-مقارنة المضمون.
فسواء الارهاب أوأرهاب الدولة لايريدان حل النزاعات والمشاكل ذات الطابع الداخلي أو الدولي بالطرق القانونية-الديمقراطية أو السلمية،بل بواسطة العنف والقوة.وتأسيسا على ذلك يجب علينا استيعاب نقطة هامة جدا في مجال الفرق،ألا وهي أن ارهاب الدولة هو أرهاب صادر عن الدولة بكامل المعنى السياسي والحقوقي لهذه الكلمة،وبالتالي فهو موجه ضد المعارضة والأفراد أو الجماعات المستقلة أيضا.
ت-مقارنة الموارد.
1-يجند الارهاب الكلاسيكي الانصار والأشخاص في صفوفه وكما يقال في” سوق الآراء السوداء” وبالقدر الذي تفقد الدولة شرعيتها وهيبتها،واتساع مجال الأرضيات الخصبة للآراء والأيديولوجيات المتطرفة والإرهابية،كما هي الحال في سوريا تماما،حيث تحولت الدولة مع كافة فروعها إلى منظمة أو شركة مافيوية غير محدودة المسؤولية،تمارس العنف العاري والقتل والإبادة ولاسيما ضد الكرد دون رقيب أو حسيب.وهذا يذكرنا تماما بقول بطل الجحر صدام حسين عن القانون عندما أشار في ندوة جماهيرية و هويُخرج قلمه: ( ما هو القانون ؟! هذا هو القانون – مشيراً إلى قلمه – نحن نكتبه ونحن نمحوه ).ولذا علينا ألا نستغرب أن ثقافة أو مفهوم دولة القانون كما هي عليه في الغرب ظاهرة غريبة أو بتعبير آخر صعبة على الفهم في المجتمعات الشرقية لأسباب تاريخية،اجتماعية وسياسية معروفة لدينا.
2- أما ارهاب الدولة فلديه موارد بشرية حسب الأوامر والمراسيم الإدارية الصادرة،التي تكرس وجوده وتحكم قبضته على المجتمع
3- الأرهاب العادي يملك مواد ووسائل يحصل عليها في “السوق السوداء” وأدوات القتل التي يلجأ إليها وفاعليتها محدودة ولا تكفي لخوض حرب نظامية،طالما ليس في مقدوره الإستفادة من “إنجازات” وموارد الدولة مثل:الأسلحة الكيماوية والنووية.
4- أما إرهاب الدولة فلديه إمكانية استخدام الموارد المالية والعلمية والتقنية التابعة للدولة.فأي نظام ديكتاتوري يستطيع وبالاستناد إلى طاقات الإقتصاد الوطني اللجوء إلى العنف وعلى أوسع نطاق،كونه يستند إلى إحتياطات هائلة.
ث- المقارنة السياسية
الإرهاب موجه بصورة عامة ضد مصالح فردية أو مجموعة معينة في هذا المجتمع أو ذاك، وليس بالضرورة أن يكون هذا الفرد أو تلك المجموعة سياسية،فقد يكون الدافع إقتصادي او شخصي. بينما نجد أن إرهاب الدولة أيضا يستهدف فئات وأحزاب وجماعات، غالبا ما تكون في المجال السياسي و التيقد تشكل خطورة على وجود ومصالح السلطة الديكتاتورية.من وجهة نظرنا أن هذين النوعين من الارهاب ما هما إلا وجهان لعملة واحدة.
ج- المقارنة الأخلاقية.
فارهاب الدولة أو الإرهاب الكلاسيكي من الناحية الأخلاقية مضادان بنفس المستوى للقيم الأخلاقية والانسانية ويسعيان إلى تدمير الروابط البشرية القائمة على التآخي والسلم والتعاون والتسامح والحوار ولغة العقل والمنطق لاسيما في حالات النزاع والخلاف،بينما الارهاب بشكليه يعتمد فقد لغة واحدة وهي لغة العنف والقوة وإراقة الدماء وترهيب أصحاب الرأي الآخر وتصفيتهم جسديان إذا استدعى الأمر.
وعلى هذا النحو لو بحثنا في ثنايا الذكرة الكردية،سواء البعيدة منها أو القريبة في غربي كردستان،سوف نجد أن المواصفات وتجليات الارهاب سواء ارهاب الدولة أو الارهاب الكلاسيكي وتحت ظل البعث السوري وجدت ترجمتها العملية في الحياة اليومية للكرد وبواسطة ارهاب البعث الأسود و لكن بوتائر أسرع في السنوات الأخيرة بدءا من المجازر الجماعية اثناء انتفاضة شعبنا البطولية الهادرة في أذار 2004 وفي كافة مدن ونواحي غربي كردستان،منع اللغة والثقافة الكردستانية بقوة القانون،الحزام العربي والأحصاء الشوفيني،قتل المجندين الكرد في الجيش السوري لمجرد انهم ولدوا أكرادا فقط،قتل الشباب الكرد الأبرياء في قامشلو البطلة في أذار 2008،سياسة الحصار الإقتصادي والتجويع المتعمد بهدف إخلاء غربي كردستان من سكانها، اختطاف وقتل الشيخ معشوق الخزنوي،اعتقال سكرتير الحزب اليساري الكردي السيد محمد موسى وأنتهاء باختطاف الناطق الرسمي لتيار المستقبل الكردي الاستاذ مشعل تمو، تبرهن وبصورة واضحة لا لبس فيها ان الشعوب السورية بعربها وكردها وأقلياتها القومية تعاني من هيمنة سلطة ديكتاتورية وحشية،تمارس ارهاب الدولة وبشكل رسمي وتخطيط مسبق ودون أي اعتبار للقوانين الدولية وحقوق الإنسان،بما فيها قوانينها هي بالذات، ضاربة بها عرض الحائط،لأنها تعترف بلغة واحدة فقط هي لغة البطش والعنف والترهيب التي أثبتت عدم جدواها على المدى البعيد وما هي سوى علائم على احتضار هذه السلطة التي استنفذت كافة مقومات ومبررات وجودها،وهي سوف تغادر مسرح التاريخ غير مأسوفة عليها.

*د.آلان قادر حقوقي وكاتب كردستاني- عضو اللجنة القيادية في حركة التغيير الديمقراطي الكردستاني- سوريا أب 2008