الرئيسية » مقالات » مراهقة أمنية في ديالى !

مراهقة أمنية في ديالى !

أكاد اجزم بان هنالك بعض من القوات الامنية العراقية ممن لاتتحرك بأوامر الحكومة العراقية وليس لها علاقة لا بوزارة الدفاع ولا الداخلية ولا حتى برئيس وزراء العراق السيد نوري المالكي ، وهي حالة واقعية وملموسة شهدها الشعب العراقي في اكثر من مناسبة خصوصاً في اثناء تطبيق الحملات الامنية حيث تحصل بعض الخروقات التي يعقبها تصريحات عديدة من أطراف حكومية تتنصل من المسؤلية وتحاول النأي بنفسها عما حصل على الرغم من ان هذه القوات كانت تعمل تحت عنوان رسمي .

وأخر هذه المسلسلات الدرامية المُحزنة ، ماحدث في ديالى ، حيث داهمت قوة خاصة لايعرف قادة الاجهزة الامنية “ساساها من راسها ” مساء يوم الاثنين السابق مبنى مجلس محافظة ديالى واشتبكت مع القوة الامنية التي توجد في مقر المجلس واعتقلت الدكتور حسين الزبيدي رئيس اللجنة الأمنية في ديالى وقتلت السيد عباس الربيعي سكرتير محافظ ديالى !!!

وقد تفاجأ الجميع بما حدث وحصلت ادانات كثيرة وعديدة لهذا العمل ، خصوصاً أن الامر حدث من دون علم قيادات عمليات بشائر الخير التي تنفذ حملتها في ديالى وهي المسؤولة حصراً عن الملف الامني هنالك ، كما ان هذه القوة قتلت سكرتير المحافظ ! وتعرضت لرئيس اللجنة الأمنية بالضرب والإهانة واستخدام كلمات نابية ، بعد ان حطمت هذه القوة مكتبه ….

وقد استنكر محافظ ديالى رعد الملا جواد بشدة مقتل سكرتيره عباس التميمي وكذلك اعتقال حسين الزبيدي، وطالب بـالكشف عن مصير الزبيدي ومكان احتجازه ، أما السيد المالكي رئيس وزراء العراق فحالما وصل الخبر اليه _ وهذا يعني انه لايعلم به _ أمر فوراً بتشكيل لجنة تحقيق برئاسة وزير الداخلية جواد البولاني وقاضياً من مجلس القضاء الاعلى للكشف عن ملابسات الحادث واكد بعد ذلك نائب محافظ ديالى عوف رحومي أن وزيري الداخلية جواد البولاني والدفاع عبد القادر محمد جاسم التقيا عصر الثلاثاء بعد يوم من الحادث محافظ ديالى رعد الملا جواد وكبار المسؤولين في الإدارة المحلية وتم بحث تفاصيل الحادث وحيثياته !!

انا اعتقد ان ادانة هذا الحادث وما حصل فيه امر ليس بالمهم ولن يُنهي سلسلة الخروقات التي تحدث من قبل بعض العناصر الامنية ، كما ان تشكيل لجنة تحقيقية من قبل السيد المالكي امر ايضاَ ليس بذات اهمية وسوف لن يضمد جراح الحدث وما نتج عنه الا اذا كان لهذا التحقيق نتائج ايجابية وواقعية صريحة تكشف وتُعري الجناة وتفضحهم امام الراي العام بنزاهة وشفافية .

المشكلة في رايي تكمن أذن في ماوراء الحدث وما يمكن ان يثيره من أتربة سياسية وامنية وطائفية ، وهي تقع في تسعة محاور أساسية تمس الجوانب التالية :

1. الجانب الطائفي

لقد اشار تقرير مهم نُشر بعد يومين من الحادث في صحيفة نيويورك تايمز الشهيرة وتحت عنوان ” المالكي قلق من أن تؤدي غارة ديالى إلى عودة الاقتتال الطائفي في العراق” أشار الى إن الغارة التي نفذتها قوات أمنية تابعة للحكومة العراقية في ديالى تهدد بتأجيج وتيرة الاحتقان في المحافظة ، ولفتت الصحيفة في تقريرها إلى أن الاستجابة السريعة من المالكي بفتح تحقيق في الغارة تظهر حجم المخاوف من أن تؤدي إلى تعميق حدة التوتر الطائفي في المحافظة ذات الوضع الأمني الهش، كون هذه الغارة تستدعي إلى الأذهان الهجمات التي كانت تنفذها بانتظام القوات الأمنية العراقية وفقاً لمصادر الصحيفة الامريكية.

2. الجانب السياسي

بغض النظر عن تصريح سليم الجبوري المتحدث باسم جبهة التوافق والقيادي في الحزب الاسلامي والذي أشار بان اعتقال الزبيدي يحمل أجندة سياسية ، فانني اعتقد بانه يمكن ان تكون للقضية تداعيات سياسية وليس بعد سياسي !! حيث ان الزبيدي ينتمي للحزب الاسلامي وكل اعتقال له بشكل غير قانوني قد يخلق مشاكل مع الحزب الذي يمثله في مجلس محافظة ديالى من جهة او مع الحزب الاسلامي الذي يشارك بقوة في مجمل العملية السياسية من جهة اخرى والذي نلاحظ أخيرا حدوث تقارب وتوافق بينه وبين الحكومة في الفترة الحالية بعد عودة وزراءه اليها كما ان العملية _ وهذا جزء من غرائبية ماحدث _ لم تتم بالتنسيق مع غرفة عمليات خطة بشائر الخير وهنا ننتقل الى النقطة الثالثة …

3.الجانب الاجرائي

نرى ان من نفذ العملية قوة خاصة لا احد يعلم بها ولا من أمرها بذلك ، ولم يكن هؤلاء من قوات بشائر الخير التي تنفذ العمليات العسكرية في ديالى بل قد اشار نائب محافظ ديالى عوف رحومي بان القوات التي نفذت عملية الدهم التي استهدفت مقر مبنى الإدارة المحلية منتصف ليل الاثنين الماضي واعتدت على المسؤولين المحليين هي قوات غير تابعة لأية وزارة أمنية وقد أضاف رحومي بان هذه القوات العراقية مجهولة الهوية ولا ترتبط بوزارتي الدفاع والداخلية وقد اقتحمت مبنى الإدارة المحلية (مقر المحافظ ونائبه والمعاونين) في بعقوبة واعتدت بالضرب والسب على جميع المسؤولين في الإدارة وإفراد حمايتهم، فضلا عن قيامهم بقتل عباس التميمي سكرتير محافظ ديالى المحامي رعد رشيد الملا جواد دون أية أسباب ومعقولة , واضاف ان أفراد القوة التي نفذت العملية جاءت من العاصمة بغداد دون ان يكون هنالك إي تنسيق مع قيادة (بشائر الخير) في محافظة ديالى ما أدى إلى حدوث اشتباك بين منتسبي شرطة ديالى وأفراد القوة أسفر عن إصابة أربعة من منتسبي الشرطة بينهم ضابط برتبة ملازم فضلا عن إصابة امرأة في حي بعقوبة الجديدة بطريق الخطأ .

4.الجانب القانوني

هنا يتدخل الجانب القانوني في المسألة ، فاين المذكرة القانونية التي توجب اعتقال الزبيدي ؟ وتحت اي قانون يُقتل الربيعي بدم بارد ؟ وهل يوجد قانون في العراق بل في العالم يمكن ان يامر باعتقال رئيس لجنة امنية وقتل سكرتير المحافظ ؟ وكيف يفسر لنا القانون حادث كهذا ما زال الغموض يحيط إلى الآن بمن أصدر الأوامر بتنفيذ الغارة ؟ وسط روايات شهود عيان من السنة والشيعة بأن أفرادا من القوة المغيرة أبلغوهم بأنهم من ” الفرقة القذرة ” وأنهم يعملون لصالح رئيس الوزراء نوري المالكي كما يشير الى ذلك تقرير نيويورك تايمز في حين ان ياسين مجيد، المستشار الاعلامي للسيد المالكي قد صرح ردا على هذه الاتهامات التي تقول بارتباط القوات التي اعتقلت رئيس اللجنة الأمنية في ديالى بالمالكي قائلاً ” لا توجد أي قوة عسكرية خاصة مرتبطة بمكتب رئيس الوزراء” .

5. الجانب الدستوري

ومن هذه الناحية الاحظ وجود خرق دستوري كبير في هذه الازمة حيث نقرا في الدستور العراقي وفي المادة (122) ثانياً: تمنح المحافظات التي لم تنتظم في اقليم الصلاحيات الادارية والمالية الواسعة، بما يمكنها من إدارة شؤونها على وفق مبدأ اللامركزية الادارية، وينظم ذلك بقانون . كما تقول المادة الثالثة : يُعد المحافظ الذي ينتخبه مجلس المحافظة، الرئيس التنفيذي الاعلى في المحافظة لممارسة صلاحياته المخول بها من قبل المجلس . وتضيف المادة الخامسة : لا يخضع مجلس المحافظة لسيطرة أو اشراف اية وزارة أو أية جهة غير مرتبطة بوزارة، وله مالية مستقلة…

لكننا نرى ان القوة الامنية قد حاصرت مبنى مجلس المحافظة واعتقلت رئيس اللجنة الامنية وقتلت سكرتير المحافظ وعاثت في مجلس محافظة ديالى الخراب ولم تحترم ولم تُقدر لا المحافظ ولا مجلسه ولا اعضاءه واخضعت الجميع لسلطة القوة والسلاح بينما يقول لنا الدستور كما وضحت أعلاه ” لا يخضع مجلس المحافظة لسيطرة أو اشراف اية وزارة أو أية جهة غير مرتبطة بوزارة، وله مالية مستقلة ” !! بل اعتبر بوضوح رئيس مجلس المحافظة إبراهيم حسن باجلان قتل سكرتير المحافظ واعتقال مسؤول اللجنة الأمنية تجاوزاً خطيراً لشرعية المجلس واهانة كبيرة له ربما مابعدها اهانة!!!

6.الجانب الامريكي

بالنسبة للجانب الامريكي نلاحظ ان القوات الامريكية قد وصفت العملية بانها عملية مخادعة ! حيث نفى قائد الجيش الامريكي في شمال العراق الجنرال مارك هيرتلنك تورط قواته في هذه العملية واوضح بانها كانت قوات عراقية خاصة وتساءل هل ندعم هذه العملية ؟ واجاب كلا قطعا القوات الامريكية لاتدعم مثل هذه العمليات كما نقلت ذلك وكالة رويترز عبر مراسلها مسي رايان.

7.الجانب الامني

ثم دعني انتقل للبعد الامني في القضية ! لماذا تاتي قوة خاصة لتعتقل الزبيدي وتقتل الربيعي وهي ليست قوة بشائر الخير ؟ ولماذا بعد ذلك يُعلن ان الزبيدي موجود الآن في معسكر سعد 8 كم شرق بعقوبة المقر الرئيسي لعمليات (بشائر الخير) وقالوا أنه بصحة جيدة وبخير وأن مصادر أمنية وصفها بالرفيعة المستوى التقت بالزبيدي واطمأنت على صحته ؟ واين عبد الكريم خلف من العملية وهو يتراس امنيا الان شرطة ديالى ؟ وكيف لايعلم بهذا الامر ؟ الا تحتاج كل هذه الاسئلة الى أجوبة مقنعة ؟

8.الجانب الاخلاقي

ربما سيعتبرني البعض ساذجا حينما احشر الاخلاق في هذه القضية ولكني مرغم على هذا لان اغلب المتصدين للعملية السياسية في العراق هم من التيار الاسلامي ممن لايجب أن يغيب عنهم المبدأ الاخلاقي كونهم كما قلت يقولون بانهم تيار اسلامي يحتفظ على الاقل في خطوطه العريضة بالمبادئ الاسلامية القائمة في اساسها على السلوك الاخلاقي ، وما حدث في ديالى امر غير اخلاقي بتمام معنى الكلمة ، فقتل سكتير المحافظ واعتقال شخص يرأس اللجنة الامنية واستخدام قوات خاصة وكون الامر لايعلم به احد ..كل هذا امر غير اخلاقي ولايمكن قبوله .

9. الجانب العشائري

تعد مدينة ديالى مدينة عشائرية ، وهذا يعني ان للعشيرة فيها الدور الكبير في الكثير من القضايا والملفات بل حتى في النزاعات والصراعات التي تحدث ، وربما مقتل الربيعي سوف لن يمر بسهولة عند عشيرته في ديالى ولعلها ستطالب بالكشف عن حقيقة مقتل ابنها وربما لن تسكت عن دمه الهدور وقد راينا ماشهده تشييع الربيعي اذ كتبت اللافتات عنه الشهيد عباس
الربيعي !!

ان حادثة ديالى هذه ليست بالامر الجديد ، فقد قامت القوات الامنية ايضاً باعتقال رئيس مجلس احدى محافظات الجنوب في خطة امنية سابقة للحكومة وقد ادانها في ذلك الوقت السيد عادل عبد المهدي نائب رئيس الجمهورية واوضع بانه من الممكن ان يتم استدعاءه والتحقيق معه بصورة محترمة لا ان يتم القاء القبض عليه على هذه النحور لان المتهم_ وبغض النظر عن كونه يحتل منصب معين _ بريء حتى تثبت أدانته .

ان العراق قد مر _ وكلكم تعلمون _ بحرب طائفية جرت بين جماعات سنية وميليشيات شيعيه بعد تفجير المرقد الشريف في سامراء ، ويجب على قياداته ان لاتفتح جراح نحاول نسيانها او تناسيها ودفنها في اللاشعور العراقي البعيد . ولعل ماقاله وذكره محافظ ديالى رعد ملا جواد التميمي من أن المالكي اتصل به شخصيا وأبلغه بقلقه لما حدث، مؤكدا له أن الحكومة العراقية ستقوم بتحقيق شامل في الحادث… هذا الامر يُعد شيئا ايجابيا اذا نتجت عنه اثارا اخرى تمحي هذا المراهقة والخرق الامني من قبل بعض المحسوبين على قواتنا الامنية التي من المفترض_ ان تكون بعد كل هذه المعارك والعمليات العسكرية مع القاعدة والمليشيات _ قد احترفت عملها العسكري والامني والاستخباري .

مهند حبيب السماوي