الرئيسية » مقالات » إستراتيجية حركات المجتمع المدني في العراق ودورها في البناء والمصالحة الوطنية

إستراتيجية حركات المجتمع المدني في العراق ودورها في البناء والمصالحة الوطنية

قبل المقدمة

يستند القول المأثور كما ينقل لنا منظر المجتمع المدني جون لوك بـ “أن حكم الملوك الأخيار يمثل أبدا خطرا عظيما على حرية شعبهم. إذ كان خلفاؤهم الذين يديرون الحكم بروح أخرى كثيرا ما يعتمدون أفعال هءؤلاء الحكام الأخيار كمثال يحتذى ويتخذونها معيارا لصلاحيتهم الخاصة – كما كان قد صنعَ من أجل خير الشعب واعتبر حقا من حقوقهم يخولهم إلحاق الضرر بهم إذا طاب لهم ذلك – فكثيرا ما يؤدي ذلك إلى الشقاق، أو إلى الفتن في بعض الأحوال، قبل أن يقيض للشعب استعادة حقه الأصلي وإثبات أن مالم يكن صلاحية خاصة أصلا، فليس بصلاحية خاصة إذن”. (1)

مقدمة

ما نقرأ اليوم نظريا عن المجتمع المدني ومؤسساته ومنظماته في بلدان الشرق الأوسط يختلف في الواقع العملي عن ما نجده في المجتمعات الأوربية المدنية العريقة. فالتعريفات والتفسيرات والتحليلات متباينة من اليسار إلى اليمين، ومن وجهة نظر القابضين على السلطة والمعارضين للسلطة، ومن الذين يعايشون الأحداث في الوطن وخارجه. هناك مَن ينطلق إنطلاقة إيديولوجية في فهمه للمجتمع وبناء مؤسسات مدنية على أسس إيديولوجية ضيقة محصورة في توجه إيديولوجي سياسي أو ديني محدد. وهناك مَن يريد ان ينطلق منطلقا روحانيا للبناء وتكفير الآخرين تحت سقف مدني نظري. وهناك مَن يربط المجتمع المدني بالعلمانية الاستبدادية، تمييزا عن العلمانية الديمقراطية، لضرب التوجهات الدينية. وهناك ما يثير العجب أحيانا بطرح شكليات من صور الديمقراطية كالانتخابات البلدية والبرلمانية وجعلها دليلا لوجود المجتمع المدني. وهناك مَن ينظم جمعيات ومنظمات مهنية وتربطها بأحزاب سياسية لها مناهج نظرية ديمقراطية بينما الواقع العملي هو استبداد سلطوي، باعتبار أن تلك المنظمات لا تستطيع التحرك إلاّ بأمر رئيس الحزب أو السلطان.
كيف يمكننا فهم المجتمع المدني إذن في عراقنا الغارق في وحل الفساد المالي والإداري بأعلى مقاييسه، والعنف الدموي الذي يحصد أرواح أهلنا؟ وكيف نستطيع تحديد معنى ومدلول وحقيقة المجتمع المدني حتى نجد حلولا لما نعانيه من انقسام وشرزمة واساءة لبعضنا البعض تحت مصطلحات الديمقراطية والمجتمع المدني دون أن نقوم بالتحقيق والتدقيق من أجل ممارسة صائبة للحياة الديمقراطية بقناعة ومسؤولية؟

سلامة الشعب هي السنّة العليا

يقول جون لوك : “إن المبدأ القائل بأن – سلامة الشعب هي السنّة العليا – مبدأ عادل أساسي لا يضلّ مَن أخذ به بأمانة قط”.(2)
المجتمع المدني في الدولة المدنية الدستورية لا يكون إلاّ في أجواء الديمقراطية الليبرالية والحرية والعلمانية الديمقراطية. فهو ليس تعبيرا عن إرادة وراثية أو عشائرية أو سلطوية فردية أو حزبية أو طائفية، إنما تعبير عن إرادة الشعب صانع الدستور، وما السلطات التشريعية والتنفيدية والقضائية إلاّ تعبيرا عن إرادة الشعب وممثلا عن صوته. باعتبار أن الديمقراطية هي سيادة الشعب بعيدا عن سلطة الاحتلال والاستبداد. فالدولة المدنية الديمقراطية الليبرالية الدستورية عملية ديناميكية تحمي حقوق مواطنيها وتمنحهم الحريات العامة فردية وجماعية بعيدة عن حالة الطواريء وعبادة الشخصية. وتنظم الحياة طبقا للدستور الذي أقره الشعب ليعبر عن شخصيته وكرامته. لذلك لا تتكون هذه الدولة في أجواء القهر والعبودية والاستبداد والدكتاتورية والعشائرية لأنها متلازمة مع الديمقراطية والحرية والليبرالية والعلمانية. وعليه فإن هذه الدولة هي دولة الشعب، ومشروع مدني تنموي تطوري ثقافي فكري سياسي اجتماعي اقتصادي تسعى لتحقيق الاستقرار والسلام وضمان أمن المواطنين وحقوقهم. فلا حرية بدون ضمان أمن المواطين.

بعض مكونات المجتمع المدني في الدولة المدنية الديمقراطية الدستورية

أشير هنا إلى بعض مكونات الدولة المدنية الدستورية
– الشعب مصدر التشريع. والدولة المدنية يحكمها الدستور الذي أقره الشعب. والدستور ينظم هذه السلطات فلا سلطة فوق الدستور ، ولا قرار يقيد حرية المواطن وحقوقه التي يحددها الدستور الدائم سواء كان القرار من مرجعية دينية أو عشائرية أو سياسية أو إجتماعية أو اقتصادية أو حزبية ما شابه.
– الفصل بين السلطات واستقلال السلطتين التشريعية والقضائية عن السلطة التنفيذية.
– حرية الصحافة والأحزاب والنقابات والجمعيات الرسمية والأهلية وصيانة حقوقها وحريتها في العمل.
– الديموقراطية تقوم علي التعددية السياسية والثقافية والدينية، وهذا يتطلب تعميق مفهوم الوحدة الوطنية ووضع الخطط اللازمة بتحقيقها على أساس الولاء الوطني وليس الديني أو الحزبي أو العشائري أو القبلي.
– الحكم للشعب عبر مؤسساته الديمقراطية المنتخبة من سياسية وعسكرية وأمنية مما يتطلب حل كافة الميليشيات مع مرور الزمن ومنع مراكز الضغط الاستبدادي التي تنسف دَور المؤسسات المدنية بموجب الدستور الذي أقره الشعب.
– الإعتراف بالحقوق الوطنية والقومية والفردية لكافة قطاعات الشعب، وضمان ممارستها بشكل لا تشعر قومية معينة أو أقلية قومية أو دينية بالغبن والاضطهاد.
– حقوق الإنسان العمود الفقري للحرية، والمساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وصيانة هذه الحقوق قانونيا.
– ضمان حقوق الأسرة والأمومة والطفولة وحمايتها ومعاقبة الجناة الذين يعتدون على المرأة بالضرب والإغتصاب والقتل.
– الحقوق العامة للطفل وحمايتها ولا سيما وقت الحرب، ومنع حبس الأطفال وتعذيبهم وإعدامهم.
– تنظيمات سياسية تمارس عملها السياسي طبقا للدستور الذي أقره الشعب وليس طبقا لقوانين السلطان الذي فرض نفسه على الشعب عن طريق القوة أو العقلية العشائرية أو الوراثية أو المذهبية.
– سلطات رئيس الدولة ورئيس الوزراء محددة طبقا للدستور.
– حرية تشكيل نقابات تدافع عن حقوق العمال والفلاحين والكتاب والصحفيين والطلبة والموظفين والعاطلين عن العمل طبقا للدستور.
– توفير العدالة لضحايا الجريمة وحمايتهم بموجب القانون، ومنحهم الحق باللجوء إلى المحاكم.
– عدم جواز ملاحقة المعارضين السياسيين والمواطنين بسبب معارضتهم وآرائهم وعقائدهم ودفاعهم عن حقوق الإنسان ومطالبتهم بالإصلاح، طالما أنهم لايمارسون العنف.
– الزامية التعليم للمواطنين في المراحل الأولى من المدرسة، ودعم وحماية المؤسسات التعليمية وحرية البحث العلمي.
– حرية الحركات والمؤسسات الفكرية والثقافية والعلمية والاجتماعية والتربوية والخيرية الرسمية والشعبية، لتقوم بنشر الثقافة حول القضايا المصيرية لبلورة الوعي الوطني والأجتماعي لدى الجماهير.
– الدولة المدنية العلمانية الليبرالية الدستورية ليست شكلا مجردا إنما مضمونا يساهم في تقدم المجتمع بكل مكوناته وقومياته وأديانه. أما إذا تعطلت الديمقراطية حركة التطور والحرية وجردت المواطنين من حريتهم، والقومياتِ والأديان من حقوقها فإنها تتحول إلى سلاح لتعطيل المؤسسات المدنية. (3)

ما العمل لبناء مؤسسات المجتمع المدني الديمقراطي وتحقيق المصالحة الوطنية؟

إذا ما تحققت الديمقراطية على أساس كونها سيادة الشعب، باعتبار أن الشعب مصدر السلطات، وباعتبار أن هذه الديمقراطية مرتبطة بتحقيق السلم الأهلي الذي يعني طبقا لمفهوم الأستاذ غانم جواد في مقالته (بواعث القلق عن السلم الأهلي في العراق): “الرفض الكامل لكل انواع التقاتل والصراع العنفي بين مكونات أي مجتمع بشري، أو الدعوة إليه أو التعويل عليه وحصد نتائجه، أو تبريره أو نشر ثقافة تعتبر التصادم المسلح حتمي لتباين واختلاف الإيديولوجيا (فمن دون إيديولوجية حرب لاوجود للحرب) ويمنع الاحتراب العنفي بذلك حق الاختلاف والتنوع، اللذان يستبطنان النجاح في الإدارة الديمقراطية”. من هذا المنطلق ينبغي التفكير في كيفية بناء مؤسسات المجتمع المدني الديمقراطي.

أولا وقبل كل شيء ينبغي، لا بل يجب، أن يكون هناك إتفاق على جملة قضايا أساسية ومصيرية وجوهرية لاغنى عنها لبناء مؤسسات المجتمع المدني وتحقيق المصالحة الوطنية:

الأجندة المشتركة شرط اساسي لبناء دولة مؤسسات المجتمع المدني

بدءا أقول أنه لايمكن للديمقراطية أن تعيش بدون بناء مؤسسات المجتمع المدني، ولايمكن بناء هذه المؤسسات بدون أرضية سلمية صلبة تؤكد على المصالحة الوطنية، ولايمكن تحقيق المصالحة الوطنية بدون وجود أجندة وطنية مشتركة بين جميع الأطراف الوطنية. كما لايمكن تحقيق الفيدرالية بدون ديمقراطية سلمية تلتقي فيها جميع فئات الشعب الوطنية على أساس المصالحة الوطنية.
يشير الباحث تيرانس ليونس المختص في قضايا تحويل المؤسسات من دولة في حالة حرب، بضرورة وجود أسس تعزز السلم في الدولة. (4) ولا يمكن لما تسمى فيدرالية إقليم كردستان أن تحمي حقوق الكرد بمعزل عن حقوق الشعب العراقي كله في عراق ديمقراطي سلمي موحد.

الأجندة المشتركة والديمقراطية ضمان لحقوق الكرد وليست الفيدرالية بمعزل عن الديمقراطية والسلم الأهلي

يجب أن لا ننسى القاعدة الأساسية هنا وهي: الديمقراطية السلمية في العراق ضمان لحقوق الكرد والأقليات القومية والدينية وليست الفيدرالية بمعزل عن الديمقراطية والسلم الأهلي. يؤكد الباحث السياسي ليونس أن ما نسميه السلم الأهلي يتطلب وجود أجندة مشتركة، وأكرر القول أجندة مشتركة لنزع سلاح الأطراف المتحاربة، (وليست أجندة فردية لوقف إطلاق النار)، ليست أجندة فردية كالتي بين الكرد والشيعة في أغلبية برلمانية وعزل القوى الوطنية كالقوى اليسارية التي أصبحت معزولة عن المعادلة العراقية. الأجندة المشتركة شرط أساسي لبناء دولة المؤسسات الديمقراطية المترابطة بعضها ببعض، وليست منعزلة ومتصارعة مع بعضها البعض. ويؤكد ليونس أيضا على بناء جسور في إطار ديناميكي داخلي بين الأحزاب. والأهم من كل ذلك تحول السلطة تدريجيا من العسكر إلى المجتمع المدني. (5)

تنظيم سلمي ديمقراطي موجه

يشير الباحث رولاند باريس في قضايا السلم الديمقراطي أن الدولة التي تعرضت للحروب، وخرجت منها منهمكة، تحتاج إلى تنظيم سلمي موجه قاعدته الأسس التالية:
أولا: ليبرالية الاقتصاد بشكل يؤدي إلى إضعاف التوتر في الاصلاحات الاجتماعية
ثانيا: تخفيف الضغط على السوق وإيجاد نوع من التوازن في الحاجيات الاجتمااقتصادية.
ثالثا: تنشيط الاقتصاد والتوظيف ومحاربة العجز المالي.
رابعا: التأكيد على تقوية القاعدة المالية للمناطق المختلفة في المجتمع، والمؤسسات القانونية والمحاكم وقوانين المنافسة. (6)

إيجاد مشروع وطني قائم على المصلحة الوطنية الواحدة بعيدا عن المحاصصة والطائفية والتقسيم والتجزءة

وحدة جمهورية العراق الديمقراطي ضمان لحماية حقوق الشعب وصيانتها، وعليه فالقاعدة الأساسية هي أنه لايمكن فهم الفيدرالية والديمقراطية والسلم في إقليم كردستان بمعزل عن الفيدرالية والديمقراطية والسلم في العراق إذا أردنا العراق وحدة متماسكة، ودولة إتحادية موحدة. يجب أن لاننظر إلى القضية الكردية أو الشيعية أو السنية أو الأقليات القومية والدينية العراقية الأخرى نظرة انعزالية فردية شوفينية قومجية أو طائفية وكأننا نحجب الغابة وراء أصبع واحد؟

لن تكون هناك فيدرالية ناجعة في العراق وفي إقليم كردستان إذا تجاهل العرب والكرد والأقليات حقائق فسيفساء المجتمع العراقي ككل. هناك اشكالية لدى كثير من الكرد في هذه النقطة، تقابلها اشكالية أكثر ألما عند بعض العرب من الكرد في المستقبل. لانستطيع أن نبني مجتمعا مدنيا بعقلية الخوف من الآخر، فنفترق، ونفتح أبوابنا للأجنبي. المصالح الوطنية يجب أن تكون فوق المصالح القومجية والطائفية.

لا بديل للمشروع الوطني في المجتمع المدني الديمقراطي

المشروع الوطني في المجتمع المدني يفتح الطريق أمام المصالحة الوطنية. فلا شمولية دينية ولا علمنة كاركاتيرية تمنع ممارسة العقائد الدينية بحرية في إطار المجتمع المدني. العلمنة الديمقراطية ترفض العلمنة الكاريكاتيرية، باعتبار أن الديمقراطية تحمي الدين من تدخل الدولة كما تحمي الدولة من تدخل الدين. هناك حرية للجميع على أساس حكم القانون الذي هو في خير الشعب كما ذكرنا أعلاه.

المجتمع المدني مرتبط بالديمقراطية والسلم الأهلي

دمقرطة العراق تتطلب معالجة الصراعات والنزاعات على أساس الأجندة المشتركة، وبدعم من المجتمع الدولي. ينبغي للشعب العراقي أن يتحمل مسؤوليته التاريخية لإنجاح العملية الديمقراطية. القاعدة العامة تقول: “لايمكن تحقيق الديمقراطية من فوق، إنما يجب ولادة الديمقراطية وتطورها من تحت”. نحن نعلم أنه كانت تنعدم الأسس والآليات في الداخل لبناء الديمقراطية، لسبب بسيط وهو انعدام مؤسسات المجتمع المدني في العراق منذ الستينات من القرن الماضي إلى سقوط صنم ساحة الفردوس في نيسان 2003. وعليه فوجود مؤسسات المجتمع المدني ضرورية لدمقرطة العراق الموحد.

المجتمع المدني ككل يتضمن جميع المنظمات والجمعيات المستقلة غير الحكومية في مجتمع ما كشرط أساسي لدمقرطة المجتمع.
الشرط الآخر هو أن عملية الدمقرطة تتطلب وجود حقوق لجميع الأطراف الوطنية. وفي حالة العراق الذي كان مجتمعا بوليسيا، ذات نظام الحزب الواحد، والدكتاتور الأوحد، وحتى بعد سقوط البعث، لم تكن هذه الشروط موجودة أصلا، وهي ليست موجودة حتى اليوم. هذه الاشكالية دعت بعض الأطراف العراقية، ومنها الكرد بضرورة تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، مما تحول التدخل إلى احتلال للعراق.
الديمقراطية تواجه عوارض في مسيرتها، مثلا: المطالب السياسية لقومية معينة أو ديانة معينة خارج إطار المصلحة العامة توجه إما إلى الدولة أو ضد مجموعة أثنية أو دينية أخرى. هنا يظهر صراع في اطار الديمقراطية. وفي حالة انعدام المؤسسات المدنية يتبلور العنف بين الفصائل المختلفة.

مؤسسات الديمقراطية أهم من الديمقراطية

أود أن أقتبس ما أراه مناسبا وصائبا من مقالة للأستاذ طارق حجي بعنوان “مؤسسات الديمقراطية أهم من الديمقراطية، (7 ) وهو يطرح سؤالا بالغ الأهمية هو: “هل يُحتمل أن يؤدي تطبيق الديموقراطية في بيئات غير ديموقراطية لوصولِ تياراتٍ سياسية متطرفة للحكم أم لا ؟ … وهل يقتضي الإيمان بالديموقراطية التسليم بذلك أي بوصولِ تلك التيارات المتطرفة للحكم؟ والحقيقة أن السؤالَ (رغم ذيوعه) يعكس هزالاً شديداً في فهم الكثير للديموقراطية. فالديموقراطية تعني حدوث ثلاث عمليات أساسية – أما العمليةُ الأولى فهي مجيء الحكام للسلطة بطريقةٍ ديموقراطية … وأما العملية الثانية فجوهرها أن يمارس الحكام الحكم وهم من جهة في حالة التزام كامل بالقواعد الدستورية والقانونية وأن يكونوا من جهةٍ ثانية يحاسبون أو أن يكونوا قابلين للمحاسبة(Accountable ) … وأما العملية الثالثة فهي أن يتركوا السلطة بطريقةٍ ديموقراطية . وهذه العمليات الثلاث التي من توفرها وإكتمالها وعملها تتوفر الحياةُ الديموقراطية لا ترتبط فقط بصندوق الإنتخابات ولكنها ترتبط أساساً بوجودِ منظمات المجتمع المدني من جهة وتوفر آليات الحياة والممارسة الديموقراطية من جهة ثانية”.

ويؤكد الأستاذ طارق حجي في نفس المقالة إلى ضرورة “التركيز على وضع سياسيات وبناء منظمات وآليات الحياة الديموقراطية وتفعيل دور المجتمع المدني على أن يسير في موازاة ذلك عمل دؤوب للإصلاح السياسي والإصلاح الإقتصادي وإصلاح التعليم ونقل وتطوير المؤسسات الإعلامية من النمط الجوبلزي (نسبة لجوبلز وزير إعلام هتلر) إلى النمط الحديث للمؤسسات الإعلامية – إن كل هذا هو ما أسميه “الإصلاح المخطط له”.

أعتقد أن الكاتب أصاب في تحليله بضرورة ممارسة الديمقراطية في الواقع العملي، وهذه الممارسة لن تكون كما نراه اليوم في عراق الفوضى والعنف إلاّ ببناء المؤسسات المدنية الديمقراطية على أساس المصالحة الوطنية، وليس على أساس تقوية حزب سياسي معين لضرب الأحزاب الوطنية الأخرى. وعليه لايمكن التسليم بوجود المؤسسات الديمقراطية في العراق على أساس المحاصصة. ونفس المعادلة تنطبق على إقليم كردستان العراق حيث أن الديمقراطية نظرية، ولاتوجد مؤسسات ديمقراطية مع الأسف، إنما مؤسسات حزبية احتكارية يحكمها الفساد المالي والإداري وحكم العشائر والتحزب المتعنت المتزمت، وانعدام حرية التعبير عن الرأي.

لا مجتمع مدني بدون حقوق المواطنة وحكم القانون الذي هو في خير الشعب

السلطة في المجتمع المدني للشعب، ولايحق للهيئة التشريعية أن تتخلى عن سلطة وضع القوانين لأية هيئة أو قوة أخرى داخلية كانت أو خارجية. فالسلطة التشريعية يجب أن تكون سلطة تفويضية منبثقة من الشعب. وعليه فالحكم للقانون الذي هو في خير الشعب.

إذن الدولة المدنية تحكم: “على أساس قوانين موضوعة ثابتة، لا تتغير في أحوال خاصة، وأن تتبع قاعدة واحدة في معاملتها للفقير والغني على السواء وللمقرب عند الملك والحارث وراء محراثه. ويجب أن تهدف هذه القوانين إلى غرض واحد أخير، هو خير الشعب … ولا يحق للسلطة التشريعية ولا ينبغي لها أن تُسَلم صلاحية وضع القوانين لأية هيئة أخرى أو تضعها في غير الموضع الذي وضعها الشعب فيه قط”. (8)
وعليه فــ ” كل من يتولى السلطة التشريعية العليا في أية دولة، ملزم بأن يحكم على أساس قوانين ثابتة قائمة موضوعة ومعروفة لدى الشعب، لا على أساس أحكام مرتجلة – مستعينا بقضاة عادلين نزيهين لهم صلاحية الفصل في الخصومات بناء على هذه القوانين – وبأن يستخدم قوى الجماعة من أجل تنفيذ تلك القوانين في الداخل ومن أجل دفع الاخطار الداهمة من الخارج او الانتقام منها وحماية الجماعة من الهجمات والعدوان ” (9)

من هذا المنطلق تكون مهمة الدولة المدنية الديمقراطية الليبرالية الدستورية المحافظة على كل أعضاء المجتمع بغض النظر عن القومية والدين والجنس والفكر. فهي تضمن حقوق وحريات جميع المواطنين باعتبارها دولةَ مواطنة، تقوم على قاعدة ديمقراطية هي المساواة بين المواطنين فى الحقوق والواجبات. وعليه فالمواطنون لهم حقوق يتمتعون بها، مقابل واجباتٍ يؤدونها. وهذه المواطنة لصيقةٌ كليا بالدولة المدنية، فلا دولة مدنية بدون مواطنة، ولا مواطنة بدون دولة مدنية.

العلاقة بين الدولة المدنية والمواطنة أساس بناء مؤسسات المجتمع المدني

لاتتحقق المواطنة إلا في دولة مدنية ديمقراطية تعددية دستورية تصون كرامة المواطن وقناعاته في ممارسة معتقداته وأفكاره بالشكل الذي يؤمن بها في إطار الدستور الذي أقره الشعب. وهذا الدستور يحترم كافة حقوق المواطن بشكل يوفر له العيش الكريم. فإذا كان للمواطن هذه المساواة في الحقوق التي يضمنها الدستور، فذلك يعني إنعدام التمييز بين المواطنين بسبب قوميتهم، كبيرة كانت أو صغيرة، أو جنسهم رجالا كانوا أو نساء، أو مركزهم الاجتماعي أغنياء كانوا أو فقراء، أو دورهم السياسي رؤساء كانوا أو مرؤوسين، أو فكرهم يساريين كانوا أو يمينيين، أو عقيدتهم مسلمين كانوا أو مسيحيين أو يهود أو صابئة. إذن العلاقة بين الدولة المدنية والمواطنة أساس بناء المؤسسات المدنية الديمقراطية، وأساس هذه العلاقة هي الحقوق والواجبات بحرية، وحماية مصالح المواطنين التي تعتبر نواة مصالح المجتمع والدولة. فبدون حرية لايمكن صيانة حقوق المواطنين، وبدون حرية لايمكن للمواطنين القيام بواجباتهم تجاه الدولة. فالتفاهم والاحترام يؤديان إلى الالتزام من قبل المواطن تجاه الدولة، ويؤديان إلى حماية الدولة لحقوق المواطن. ومن هنا تتعمق قوة الإرادة الوطنية لتحقيق الاستقرار والسلام والازدهار في الداخل، والوقوف صفا واحدا ضد العدوان من الخارج.

كيف تنجح الدولة المدنية في كسب ثقة المواطن؟

الجواب هو ضرورة تأكيد المواطنة في دستور الدولة المدنية، لحماية هذه المواطنة ومتطلباتها وتفعيلها في الممارسة العملية وليس مجرد قاعدة قانونية. ولكن ضمان هذه المواطنة براغماتيا هو الحس الوطني العراقي ومؤسسات المجتمع المدني وليست مجرد مادة دستورية في الإطار النظري. فديمومة المواطنة والمشاعر الوطنية المخلصة تجاه الدولة الموحدة تتعمق في ديمومة الدولة المدنية ليس فقط في الحرية السياسية وإنما في الديمقراطية في المحك العملي، لأن المواطنة لا تتحقق في الدولة الدكتاتورية أو الدولة الاستبدادية التي قاعدتها القمع والإرهاب بدلا من المواطنة، حتى وإن وُجِدت الحرية السياسية، طالما أن تلك الحرية تنسف المواطنة وتُلغي دور المواطن في بناء المؤسسات الديمقراطية المدنية. كما لا يمكن بناء الدولة المدنية في ظل الدولة الطائفية، لأن العقيدة، أية عقيدة كانت لا تؤمن بحق جميع المواطنين على قدم المساواة طالما أن القانون الديني يميز بين العقائد. ومن هنا تبرز أهمية حرية العقيدة في المجتمع المدني بعيدا عن ممارسة العنف.

لا للقومية ولا للطائفية ولا للمحاصصة في العراق الديمقراطي الموحد

قراءة اشكاليات القومية والطائفية والمحاصصة بعيدا عن الوطنية تقضي على الديمقراطية، لأننا حينذاك لانعمل من أجل بناء مؤسسات المجتمع المدني، بل نفضل بناء مؤسسات المجتمع القومجي والطائفي والحزبي. لايمكن أن نحقق الوحدة العراقية تحت طائلة تهديدات بعض قادة الكرد أن للكرد خيارات أخرى إذا لم توافق الحكومة المركزية لمطالبهم التي هي كذا وكذا. الكرد جزء من نسيج المجتمع العراقي طالما أنهم اختاروا خيار الإتحاد مع العراق، وعليه يجب أن يفهموا أنهم شريحة أساسية لتحقيق الديمقراطية والسلام في عراق اتحادي برلماني تعددي موحد طبقا للدستور الذي صوتَ عليه الكرد في الاستفتاء الشعبي بنسبة 97% وهي أعلى نسبة على مستوى العراق ككل. وعليه يجب ان يساهموا في تهيئة الأجواء لتحقيق الديمقراطية وبناء مؤسسات المجتمع المدني على أساس قاعدة المثلث المتمثلة بزاوايا الديمقراطية والسلام والفيدرالية في إطار وحدة العراق. وهذه لا تتحقق بدون مصالحة وطنية شاملة بعيدة عن التهديدات والمزايدات القومجية من قبل جميع الأطراف بما فيهم الكرد والتركمان.

الوطنية العراقية أساس الكرامة العراقية

يجب أن نعترف أنه لازال في العراقيين عجز في معالجة أسباب الفشل لأنهم لم يتحرروا من بوتقة القومية والقبلية والطائفية والتحزب المتزمت. يجب أن نستوعب الأضلاع الثلاثة من المثلث المذكورة أعلاه. أما نقطة الارتكاز داخل المثلث فهي الوطنية الحقيقية التي هي أساس الكرامة العراقية، وكل ماعداها من قومجية وطائفية وحزبية شوائب يجب أن تكون مسألة شخصية ليس إلأ. فإذا استوعبنا هذه المعادلة فإننا ننجخ في بناء مؤسسات المجتمع المدني على قاعدة الأجندة الوطنية المشتركة، وبالتالي نقضي على الإرهاب، ونكون حراسا أمناء على حدودنا وفي وطننا لنعيش أحرارا مفعمين بالكرامة الوطنية. هذا ليس خطاب سياسي، إنما أصل فهم اشكالية المجتمع المدني التي لايمكن فهمها بمعزل عن الديمقراطية والسلم في العراق ككل. يجب أن نعالج الأسباب بدلا من معالجتنا للنتائج، لأن بقاء الأسباب ستنتج عنها نتائج تكون أخطر من سابقاتها، وهذا مانعايشها في حالة عراقنا اليوم.

عندما نحقق بناء مؤسسات المجتمع المدني بعقلية وطنية عراقية على أساس وحدة العراق في إطار المثلث الديمقراطي السلمي الفيدرالي، تصبح لمنظمات ومؤسسات المجتمع المدني الدور الوطني الريادي بتوجيه دفة الحكم لمواكبة التطورات الداخلية والخارجية ولاسيما مع دول الجوار العراقي، وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة على أساس المصير الواحد في البلد الموحد طبقا لقاعدة المواطنة العراقية على اساس المساواة. ومواكبة تطور العملية الانتاجية في إطار تطور المجتمع ككل. وفي هذه الحالة يكون الجيش ممثلا للشعب وضامنا لحماة حقوقه بعيدا عن التقسيم والتجزءة، مقتنعين أنه لا مكان للميليشيات المسلحة التي لابد أن تنحل وتتلاشى، لأن وحدة المجتمع المدني من خلال مؤسساته المدنية كفيلة بهزيمة الإرهاب حين لايجد هذا الارهاب مبررا لوجوده، وبالتالي لامبرر للميليشيات المسلحة، لأن درع حماية الوطن ومكتسبات الشعب هو الديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني والجيش الوطني.

اشكاليات المجتمع المدني من زاوية تاريخية فكرية

دراستنا للمجتمع المدني من زاوية تاريخية فكرية تعطينا فكرة واضحة لفهم نسيج المجتمع المدني واستيعاب أدواره التاريخية عبر مراحل تطوره وتفاعله مع الأفكار المتباينة وكيفية التعامل معه لبناء مؤسسات المجتمع المدني في ضوء استراتيجيات حركات المجتمع المدني لتقوم بدورها في البناء والمصالحة الوطنية.

أترك هذا الموضوع لدراسة منفصلة لاحقا إن شاء الله.
Khalid_k2009@yahoo.se

هوامش

(1) (جون لوك، في الحكم المدني، ترجمة ماجد فخري، مجموعة الروائع الانسانية – الاونسكو، ، ص 241 .

(2) جون لوك، في الحكم المدني، ص235 .

(3) ينظر: خالد يونس خالد، الديمقراطية الليبرالية والدولة المدنية الدستورية، بحث قدمه الكاتب إلى مؤتمر دعم الديمقراطية في لندن بتاريخ 30 يوليو 2005.

(4) For more detailed, see: Terrance Lyons, 2004, Transforming the Institutions of War: Postconflict elections and the reconstruction of failed states, In Rotberg Robert 1, When States Fail: Causes and Consequences, Princeton: Princeton University Press, pp. 269-301.

(5) (ينظر: خالد يونس خالد، الديمقراطية والفيدرالية والسلم الأهلي في العراق، ورقة عمل قدمها الكاتب إلى مؤتمر دعم الديمقراطية في العراق، لندن، أكتوبر 2006).

(6) For more detailed, see: Roland Paris, 2001, Wilson’s Ghost: The Faulty Assumptions of Postconflict Peacebuilding, in Chester A. Crocker, Fen Osler Hampson and Pamela Aall (eds.) Turbulent peace: The Challenges of managing International Conflict, Washington, D.C, pp. 765-784.

(7) طارق حجي، “مؤسسات الديمقراطية أهم من الديمقراطية، (نشرت في صحيفة الأهرام القاهرية في الخامس من يونيو /حزيران 2003 )

(8) جون لوك، الحكم المدني، ص 224- 225 .

(9) جون لوك، في الحكم المدني، ص 215 .

……………………………….
نشرت الدراسة في مجلة ايوان، مجلة فصلية تصدر عن مركز اعلام إتحاد الجمعيات العراقية في السويد، العدد الأول – ربيع 2008