الرئيسية » مقالات » كركوك.. شهادة في الازمة والخلفيات

كركوك.. شهادة في الازمة والخلفيات

وصلتُ مدينة كركوك وشاهدتها، لاول مرة في حياتي، في نهاية عام 1960، إذ عُينت معلما في ناحية ليلان، قرية بيانلو الكردية، التي تبعد مسافة ثلاثين كيلومترا عن مركز المدينة، غير اني حين اعتقلت في انقلاب شباط 1963 فوجئت باثنين من الشهود يقفان امام المجلس العرفي(الثاني) يتحدثان عن دوري في ما يسمى باحداث كركوك الدامية التي كانت قد اندلعت قبل وصولي بحوالي عام ونصف، وقد رويا، بافادة غير منسقة، كيف كنت ارشد المتظاهرين الى منازل بعض التجار التركمان للتنكيل بهم، واخذتْ المحكمة علما بهشاشة التهمة وزيفها، غير ان المدعي العام، الجلاد، راغب فخري اصر على ادانتي بتهمة ‘اشاعة الفوضى’ باعتباري من ‘الشيوعيين الخطرين’ فصدر الحكم عليّ عاما واحدا كنت قد قضيته، موقوفا في معتقلات كركوك، السجن العسكري ، القلعة، السراي.. ولم يطلق سراحي آنذاك، فقد كانت مطالعة راغب فخري ذريعة للسلطة لارسالي محجوزا في سجن السلمان لعام آخر.
ولم انقطع عن كركوك، فقد زرتها مرات عديدة. في العام 1976 كانت قرية بيانلو قد اتسعت كثيرا، وحين مررتُ بالمنطقة نهاية عام 2005 ضمن فريق دولي يراقب عملية التصويت على الدستور في اقليم كردستان والموصل وكركوك لم اجد اثرا للقرية، فقد كانت كما لو ان غزاة من الهمج قد مروا بها، إذ سويت بالارض خلال عمليات الانفال وقتل من سكانها، الذين تشبثوا بارضهم، العشرات، فيما اقامت(او اقيمت) على مشارفها وقرب ناحية ليلان بضع عائلات من المزارعين العرب الذين جلبتهم سلطات الحكم السابق من وسط العراق.
لم اكن خلال سنوات عملي في كركوك مهتما، بوصفي عربي، بالحساسيات القومية، في المدينة، ولم اكن أؤمن بفضائل وامتيازات امم على اخرى، ولم اكن اعرف سببا واحدا يجعلني متحيزا لشعب ضد شعب اخر، فيما كانت لي صداقات وعلاقات وطيدة بمثقفين من قوميات كركوك المختلفة، وهم نواة تلك المجموعة الثقافية الابداعية الرائدة التي سميت بـ’مجموعة كركوك’ وابرز اسمائها القاص جليل القيسي وشاءت الاحداث ان يجمعني المعتقل بعد شباط الاسود بالمع رواد تلك المجموعة: فاضل العزاوي. انور غساني. مؤيد الراوي. سركون بولس. زهدي الداوودي. نور الدين الصالحي، وشاعر تركماني اتذكر ان اسمه صلاح، واخرون من العرب والكرد والتركمان.
لكن عمليات الاغتيال اليومية التي كانت تضرب في المدينة وتطال شخصيات كردية وشيوعية وتركمانية يسارية وضعتني، كما وضعت الكثيرين، امام مشغولية امنية وقائية دائمة، من شروطها، معرفة الخارطة القومية لسكان المدينة، إذ تغير عصابات القتل من احياء تركمانية معروفة، قورية. تسعين. القلعة. الماس. صاري كهية. زندان، مقابل احياء كردية تتعرض يوميا الى غارات انتقامية: شورجة. إمام قاسم. رحيم اوة.
تركمان كركوك طيبون ومسالمون، واصحاب تقاليد الفة وكرم وثقافة اجتماعية ضاربة في التاريخ، وقد شكلوا وسطا مدينيا يمكن وصفه بالارستقراطي الشرقي، واللغة التركمانية، لغة رقيقة ومهذبة وذي رنين شجي، وكانت لغة الشارع في كركوك في ستينيات القرن الماضي(ولغة المثقفين ايضا) حتى في الاحياء الكردية، ولهذا الامر صلة موضوعية بحركة العمل والسوق والتجارة والبناء التي يمسك بها، تاريخيا، تركمان كركوك، وتقبض اقلية منهم (ضباط الجيش العثماني وسليلو موظفي الادارة العثمانية وعائلاتهم) على غالبية عقارات المدينة، وثمة في حافظة التاريخ مما لا يمكن التقليل من شأنه وهو الادب التركماني الذي وجد في كركوك حاضنة منتجة له موصولة بادب الكرد العريق ودفقات الادب العربي.. وكنت احفظ قصيدة تركمانية مغناة قريبة من قلبي، من بين ابياتها: ثلاث شجرات تين/ في اعتاب القلعة/ لا تسحب سلاسلي/ فذراعاي تؤلماني.
والحق انه ما كان العرب في كركوك، حتى منتصف السبعينات من القرن الماضي، يشكلون نسبة سكانية لها شأن بالنسبة لمدينة كركوك الادارية.. اقول: سكانية.. فثمة احصائيات تفيد انهم لم يكونوا ليشكلوا اكثر من 12 بالمائة من مجموع سكان كركوك، واضيف، ان غالبية العرب ينتمون مناطقيا الى قضاء الحويجة وعشائريا الى قبيلة العبيد الممتدة الى خارج حدود المدينة، لكن نسبتهم ونفوذهم في دوائر الدولة، وفرص التوظيف، والنفوذ، وبخاصة في اجهزة الشرطة والجيش، كانت اكثر بكثير من نسبة الكرد والتركمان والكلدواشوريين مجتمعين، وهذه الحقيقة بحاجة الى تأمل وبحث عميقين والى معاينة متجردة ومنصفة، وكان صديقي المربي والمناضل طيب الذكر شاهر الشاوي، وهو من عرب كركوك، ومن اسرة عريقة، يلفت نظري دائما، آنذاك، الى خطر ولاعدالة هذا التوازن السلبي في حقوق المواطنة بالمدينة، وقد اشار لي مرة الى ان المرافق الحكومية في بلدة التون كوبري التي يسكنها الكرد والتركمان وليس بينهم، حينها سوى ثلاث اسر عربية، تضم وحدها ثمانية عشر موظفا من اقاربه من بين موظفي الادارة التي لا يزيد عددهم ىنذاك الثلاثين.
لكن التحليل الاكثر اهمية ينبغي، الان، ان يتركز في عمق الاسباب والدواعي والخلفيات التي دعت نظام صدام حسين الى تغيير الطابع الديموغرافي لمدينة كركوك، وحشر ما يصل الى نصف المليون من السكان العرب في حدود مدينة كركوك وتهجير ما يعادلهم من الكرد والتركمان والكلدواشوريين (حصة الكرد ثلاثة ارباع). اما التفسير (الشائع) بان الهدف هو حماية مركز الثروة النفطية الوطنية العراقية فان ذلك يعد فضيحة عنصرية بالالوان الطبيعية، وتقسيم منهجي متعمد لـلمواطنة على اساس الولاء للسلطة، الامر المنافي لحقوق الانسان والمحرم وفق قوانين الارض والسماء على حد سواء، وهو ممنوع حتى في الدستور العراقي المؤقت الذي بقي مؤقتا حتى آخر يوم من عمر النظام، والامر الذي ينبغي التركيز عليه هو المعنى (السياسي والاجتماعي والسايكولوجي) لان يوضع شعب تحت الريبة في ولائه، والمعنى التفصيلي من وراء استمرار هذه الريبة حتى الان في ممارسات وتصريحات وكتابات، ما كان صلف الالة الاعلامية للنظام السابق ان تجرأ على نشره، بالصورة التي ينتشر فيها هذه الايام.
اقول، ان منهج الريبة حيال الاكثرية السكانية في كركوك هذا تعمق منذ اواخر السبعينات في سياسة منهجية واجراءات ادارية وعسكرية وامنية، موثقة، ولا احد ينكرها، وكان يشرف عليها ويقننها صدام حسين مباشرة، وقد طالت نتائجها اللإانسانية الكرد في المقام الاول والتركمان والكلدواشوريين في المقام الثاني، وعُُدّت في جميع وثائق منظمة العفو الدولية وحقوق الانسان التابعة للامم المتحدة والبيانات الحقوقية الدولية (وطبعا في وثائق المعارضة السابقة التي تحكم الآن) كسياسة استئصال عرقية غير مقبولة ولا شرعية، فيما اُجبرت الاف العائلات الكردية والتركمانية على التخلي عن انتمائها القومي اتقاء اعمال التنكيل والاجلاء، وضمانا للحفاظ على ممتلكاتها ومصالحها، واعرف، بنفسي، في الاقل، تاجرا وملاكا كرديين وعسكري تركماني متقاعد اضطروا الى ‘التحول’ الى الانتماء العربي في ظل تلك الظروف، في حين اصبح ثمن الإفصاح عن قومية الكلدو اشوريين كارثيا على اصحابه.
المشكلة، الان، تتمثل في ان ثمة ‘ ارادة ‘ في المشهد العراقي، ومن اصطفاف سياسي لفئات قومية ودينية، يدفع(لاسباب مختلفة) الى تكريس امتيازات الاقلية العربية في كركوك المستمدة من ملف اجراءات التعريب والعزل ومسخ حقوق المواطنة والمساواة، وقد عبر ذلك عن نفسه في مشروع ‘الثلث المتساوي’ للمكونات الثلاث، الكردية، التركمانية، العربية، للسلطة الادارية في مشروع قانون مجالس المحافظات المصوّت عليه في الثاني والعشرين من الشهر الماضي، وتشاء المياه العكرة في مجرى الصراع ان تغوي احزابا وفئات سياسية تركمانية في استسهال التحالف مع ساسة ومشايخ ومتنفذي الاقلية العربية، لبناء معادلة ترد الاعتبار لمنهج الريبة حيال الكرد، وتعرقل برنامج تطبيع الاوضاع في المدينة وخطة الاستفتاء، بذريعة إبقاء كركوك مدينة للتآخي، دون حساب دقيق ومسؤول لمعنى واخطار وتبعات إبقاء مئات الالوف من اكراد مدينة كركوك في حال ‘لاجئين’ داخل بلدهم وعلى مشارف مساكنهم واملاكهم وقراهم.

فلم يكن احد ليتحدث، طوال عقود الصهر والاجلاء والتعريب، كما يتحدثون الآن بحمية غريبة، عن كركوك كمدينة للتآخي، ولا عن كركوك كرمز للوحدة الوطنية العراقية، ومما يثير الاستغراب، ان دعاة الابقاء على’وتقديس’ إرث الصهر العنصري في كركوك تجاوزوا في اندفاعهم حتى خطاب النظام السابق الذي كان يدير برنامجه القهري تحت اقل ما يمكن من الاضواء، واكثرما يمكن من الحذر، وقد ردّ، مرة، مندوب النظام السابق لدى الامم المتحدة نزار حمدون على احتجاج فرنسي حيال اعمال التهجير القسري في كركوك بالقول ‘انها اجراءات ادارية تمليها دواعي تنظيم الشؤون الاقتصادية والزراعية وتستهدف تطوير المنطقة’ وتلقى الفاتيكان تفسيرات مشابهة للحملة المنظمة لاجلاء المسيحيين عن كركوك، وياليت المنافحين الجدد اعادوا انتاج هذه الذرائع البائسة بدل ذريعة حماية هوية كركوك التاريخية الاكثر بؤسا ، فلكي تبقى المدينة، حسبهم، رمزا للهوية العراقية الوطنية فانه ينبغي لا يديرها ممثلو الاكثرية الكردية، ولا ينبغي للاكثرية ان تقرر المصير الاداري للمدينة وهم بذلك يربطون هذه الهوية، عن قصد (وبعضهم عن جهل) بعار الاستئصال والقهر والابارثيد الصدامي .
ثم لماذا كركوك حصرا.. اقول، لماذا يراد لها ‘الان الان وليس غدا’ ومع استمرار بصمات الاستئصال القومي ان تكون رمزا لوحدة العراق؟ اليست مدينة ديالى، مثلا، تضم اطيافا قومية ودينية ومذهبية مختلفة لتكون رمزا وطنيا للعراق؟ ثم، اليست مدينة الموصل هي الاخرى تشترك في هذا التنوع السكاني الوطني مع كركوك وديالى لتكون رمزا للهوية الوطنية العراقية؟ ثم، وايضا، ماذا نقول عن بغداد، ودجلتها ومساجدها وكنائسها ومعابدها وسكانها المتعايشين من العرب والكرد والتركمان والكلدواشوريين، ومن المسلمين والمسيحيين والصابئة المندائيين والايزيديين؟.

ثم، اخيرا، من يتجرأ على الاجابة عن السؤال التالي: لماذا تخرج كركوك عن انتمائها العراقي في حال انضمت الى الاقليم الكردي؟ والسؤال التفصيلي: ماذا وراء التعامل مع اقليم كردستان كاقليم غير عراقي؟.
اعرف ان جهلة وانصاف كتاب واصحاب مشاريع سياسية محلية واخرى محسوبة على جيران، وشوفينيين من اسلاب الفكر العنصري يركبون صهوة اليقظة ‘الوطنية’ المفاجئة حيال كركوك، ولا يهمني امر مناقشتهم، لكني مهتم بتلك الاستطرادات التي يخشّ فيها كتاب وسياسيون يعرفون حقائق الامور وخلفياتها، لكنهم يضعونها فوق الرفوف العالية تماشيا مع تيار الريبة العارض.
 لقد كانت صورة الكردي في الثقافة السياسية (والتعاملات الحقوقية) للنظام السابق قد انتهت الى الشكل التالي: ‘شخصية متآمرة. غير مأمونة الجانب. انفصالية. مريبة’ وكان الكردي الصالح، بالنسبة لصدام حسين، هو الكردي الذي يقاتل ابناء شعبه ويجلد ظهورهم ويتجسس عليهم، فيما الكردي المنصرف الى شؤونه، السوي، المنضبط، هو الاكثر خطورة ومدعاة للمراقبة والرصد.. انه تمييز عنصري نموذجي مما يدرس في الاكاديميات الاجتماعية الدولية، بكل ما ينتجه من آثار، وما يفرزه من ردود افعال وثقافات مشوهة، وطبقا لعالم الاجتماع الامريكي ‘إي فرانكلين فريزر’ الذي بحث هذه الظاهرة في قارة امريكا اللاتينية، فان بعض نتائج هذا التمييز تظهر في بروز شرائح من القوميات المضطهدة تكفر بالاخاء القومي وجدوى الشراكة في الوطن الواحد، تتسع باتساع الحملة العنصرية وتضيق بانحسارها.
ولا اكتشاف مثير في القول بان مثل هذه الشرائح والتيارات برزت في الوسط الكردي، غير انه من الواجب الاستدراك بالقول انه بالرغم من اعمال الابادة والاذلال وامتهان الكرامات التي تعرض لها الكرد في العراق فانهم، وحتى الفئات الانتقامية منهم، لم يلجأوا الى التعرض بالمدنيين العراقيين ولم يفجروا السيارات بالمزدحمات ولم يضربوا شبكات الماء والكهرباء والخدمات، واقتصرت مقاومتهم المسلحة على الدفاع عن المواطنين الكرد الامنين من حملات القهر الحكومية المنظمة.
ويشاء كتاب وسياسيون عراقيون طائفيون وقوميون (وبعض الجهلة) ان يعيدوا احياء صورة الكردي’الصدامية’ كشخصية مريبة وانفصالية، على خلفية النزاع حول المصير الاداري لمدينة كركوك، وتناسلت الاصوات والكتابات وتسريبات الكواليس حول النية المبطنة للكرد اقامة دولة مستقلة، برغم ان الزعامات الكردية والهيئة التشريعية للاقليم ومنظمات وهيئات ومراجع واحزاب كردية عديدة ومؤثرة تعلن، في وثائق وتعهدات، التزامها بالوحدة الوطنية العراقية، وبمبدأ الشراكة في الوطن الواحد، وبخيار العراق الاتحادي، وفي كل مرة يقول الكرد انهم عراقيون، تطلق فرقة الانشاد الشوفينية ندائها الاعلامي: ‘لاتصدقوهم، انهم انفصاليون’ ولا يتوانى بعضهم من اللعب في ساحة الموضوعية الفارغة بالاستهلال في عبارة ‘الاخوة الاكراد’ او ‘اننا نحترم حقوقهم ومطالبهم.. لكن’ او ‘لا نمانع بانفصالهم.. لكن ليقولوا ذلك’.
وذهب البعض من الاصوات الى تحذير العرب (بمناسبة الحديث عن كركوك) من تكرار ضياع حقوق العرب في الاسكندرون وفلسطين والاهواز وسبتة ومليلة، ومنها من هبط في التأليب الصوتي الى تذكير العرب بانسلاخ الاندلس، وبذلك اثثت الجملة العنصرية ارضية ايديولوجية لترحيل قضية عراقية دستورية ادارية محلية الى اطار اقليمي وقومي يقع خارج دائرتها وطبيعتها وحدودها، وقد تكون، بحماقة منها، قد خلقت مقدمات سايكولوجية وسياسية لاستقلال المكوّن الكردي عن العراق، باعتباره خيارا بديلا عن الشراكة التي باتت متعذرة مع هذا الغبار العنصري.. الخانق.

 الى ذلك فان واقع مدينة كركوك الاداري والتاريخي (وانا اتحدث عن معاينات ومعايشة، عدا عن بيانات معترف بها) يتضمن حقيقتين متلازمتين، الاولى، ان اكثرية السكان، على مستوى منطقة كركوك، قبل وبعد التعريب والصهر والاجلاء، هم من الكرد، والثانية، ان ثمة سمات تركمانية تطبع هوية مركز المدينة، وقد قطعت المدينة عمرا مديدا في التعايش، واحتفظت بالكثير من هذا الامتياز، وليس في هذا ما يتناقض مع طبيعة الحياة وحقيقتها الجدلية: الوحدة في التنوع.

والسؤال الاستباقي الذي يطرح نفسه هنا: هل يمكن للاجراءات الدستورية (بعد الاستفتاء الحر) ان تضمن ضم كركوك، المدينة العراقية، بشفافية، الى الاقليم الكردي العراقي الاتحادي، مع احترام ‘الخصوصية’ التركمانية لمركز المدينة والاستحقاقات الادارية والقومية لهذه الهوية؟ الجواب: نعم، لكن، في رأيي، ليس قبل ان تتحق اجواء الثقة، وتطوى الضغائن والحساسيات، وان تتقارب الخيارات ووجهات النظر، وتُشرّع القوانين الضامنة، وتُكيّف توقيتات التطبيع على ضوء ما يتحقق من نجاحات في احتواء التوتر، واحسب ان الذي يتكفل تحقيق هذه المهمة المركبة والمعقدة القيادات السياسية والاجتماعية والنخب الثقافية للاطراف المعنية في المقام الاول.

من جانبي، كشاهد، لا اعتقد باستحالة نزع فتيل ارث التحامل وانعدام الثقة بين الكرد والتركمان، على الرغم من ان برك دماء سالت من نقطة الاحتكاك بين الطرفين في كركوك(احداث تموز 1959 وما تلاها من اغتيالات وردود افعال) فعلى سطح المشهد الكركوكي هناك مصالح تجارية واقتصادية متبادلة، وحركة سوق متداخلة، ومصاهرات عائلية مشتركة وعميقة بين كرد وتركمان المدينة، الامر الذي يشكل ارضية للتعايش والمواطنة المتكافئة ولصيغة ادارة اتحادية، واحسب انه، ومن زاوية موضوعية، ثمة العديد من المكاسب ستتحقق للتركمان في حال الانضمام الى الاقليم الاتحادي، إذ سيشكلون القومية الثانية في الاقليم بعد الكرد، وسيتصل تركمان كركوك بنظرائهم وابناء قوميتهم تركمان اربيل وتركمان بقية المدن الكردستانية بما يعني اثراء وتطوير ‘الهوية’ التركمانية وتركيز حقوقها ووزنها بعد الشتات والتشرذم، وسيكون ذلك افضل بكثير من خياري ‘الاستقلال الاداري’ او الارتباط بالمركز.

واحسب ان على الادارة الكردية ان تضع سياسات ملموسة لاقليم كردستاني ذي قوميتين متآخيتين، وللحيلولة دون المساس بحقوق المواطنة وقيم الحياة المدنية والحقوقية، واستحقاقات الشراكة لجميع مكونات الاقليم الاخرى، وفي المقام الثاني، الكلدواشوريين.. لكن المهم يتمثل في البدء بترويج وتنفيذ هذا البرنامج من الآن، إذ تفتح الظنون والمخاوف والتدخلات الخارجية ابوب المشكلة نحو جهنم.. وما ادراك ما جهنم.

 لا شك ان لتركمان العراق قضية قومية شأن القضايا القومية الاخرى في بلد اهينت قومياته وتعرضت الى الصهر والتعريب والتنكيل على يد نظام الابارثيد السابق، وكان سيمكن صياغة حقوق ومطالب التركمان باكثر البرامج وضوحا وشرعية وحيوية وواقعية لو احسنت النخب السياسية التركمانية بناء مواقفها وبرامجها على اساس القواسم المشتركة، القومية والديمقراطية، غير ان تشتت هذه النخب وتناحرها وتوزع ولاءاتها حوّل التطلعات القومية التركمانية من قضية لها فروض واولويات الى ورقة سياسية جرى توظيفها في مشاريع خارجية وطائفية وفئوية قاتلة.
تكفي الاشارة هنا الى الحقيقة التالية: فقد حصلت الجبهة التركمانية العراقية (اكبر تجمع رسمي لتركمان العراق) في انتخابات العام 2005 على مقعد نيابي واحد، فضلا عن مقعدين للتركمان على قوائم انتخابية طائفية، وهي، جميعا، ادنى بكثير من وزن التركمان السكاني، إذ يتراوح عددهم في العراق بين ثلاثة ملايين على حسب المصادر التركمانية، ومليون بحسب المصادر المستقلة.
وتكشف خارطة الاحزاب والفئات السياسية لتركمان العراق والعلاقات في ما بينها عن صورة معتمة ومحبطة لمستقبل القضية التركمانية، وقد ساهم عاملان آخران في تعميق هذا التشرذم والتناحر، الاول، ما يتصل بتدخلات مراكز النفوذ في تركيا في شؤون هذه الاحزاب، وتقريب بعضها واستبعاد بعضها الاخر، والثاني، ذي صلة بتاثير الاحزاب والتنظيمات الطائفية العراقية في شق الوسط التركماني العراقي واضرام الاحقاد بين سنة وشيعة القومية التركمانية، ومن يتتبع خلفيات مذابح امرلي وتلعفر وتازة وبعض احياء كركوك سيصل الى اسباب انتشار عصابات القاعدة وميليشيات الموت، وتناحرهما، في بلدات واحياء التركمان، كما سيصل الى حقيقة ان النخب السياسية التركمانية المتنفذة ارتضت لنفسها ان تكون في مستوى الضائع حيال هذه اللعبة الدموية بدل ان تكون في مستوى المسؤولية عن حماية التركمان وتأمين حياة افضل لهم، والغريب، انه في كل مرة، وفي كل مذبحة، تهرب تلك الاحزاب التركمانية عن التمعن في بصمات الجريمة وابطالها الى تأجيج الكراهية ضد القومية الكردية.
على ان موجبات الصراحة، هنا، تملي القول بان المنهج الخاطئ والقصير النظر والطائفي للاحزاب التركمانية المنضوية في (الجبهة) او التي تعمل مع الجماعات السياسية الطائفية او المرتبطة بمراكز النفوذ التركية، قد خلق في كركوك واطرافها بيئة مشحونة بالتوتر والكراهية القومية، وسهل انزلاق شرائح متطرفة ومتمذهبة من التركمان الى انشطة ارهابية وميليشياوية اجرامية، الحقت افدح الاضرار بمصالح الشعب التركماني، وقد اطلقت شخصيات تركمانية، اجتماعية وسياسية وثقافية معتدلة تحذيرات مخلصة ازاء من هذا المآل، وهي تحذيرات يصح ان نعوّل عليها في تصويب السياسات والمواقف وردود الافعال.. وإن جاءت متأخرة.
على انه ثمة استدراكات مهمة، الاولى، لا يصح إغراق موضوع مصير وهوية مدينة كركوك، كردستانية، ام تركمانية، ام مدينة عراقية، في الشعارات او المصطلحات او اعتبارات الصراع السياسي في منعطفه الراهن، كما لا يصح ان يدس الموضوع عنوة في شعاب الوثائق والسجلات ويتقلب في متاهات التاريخ وبصمات موجات الغزو والحكم المتعاقبة، وللتحذير هنا ما يبرره، بعد ان اصبح لكل دعوة من الدعوات المطروحة وثائق وتفسيرات، وبعد ان تطوّع كتبة تاريخ وسياسة، في ليّ الحقائق وإنشاء سياقات تحت الطلب.
والمعاينة الموضوعية تقتضي القول ان ثمة مشكلات ومخاشنات حدثت بين كرد كركوك وتركمانها في العصر الحديث، وقد سماها المفكر الكردي المرموق كمال احمد مظهر في كتابه عن كركوك ‘شرخا’ واعادها الى ‘عوامل مصطنعة’ وقال بكلمات عميقة وموجزة ‘يتحمل الجميع، بدرجات متفاوتة، وزر خلقها واثارتها بصورة او باخرى’ فما احوج المعنيين بهذه المشكلة ان يستدلوا بمنظور الدكتور مظهر العلمية والنزيهة الى جذور المشكلة، وما احوجنا الى تهدئة الخواطر مما شابها من سوء الظن والريبة.
والثانية، اعرف ان سطورهذه الشهادة جاءت في وقت حساس، وانواء مضطربة، وان استطرادات منها لم تكن لتعجب البعض، ومن بين البعض هذا اصدقاء وكتاب وقراء احبهم، واحتفظ لهم باحترام وجهات النظر، اما اولئك الذين ركبوا مركب السفاهة والتشهير والتهديد والتأويلات التافهة، فانهم لن يشغلوا هذه الشهادة عن توقيع خاتمتها، والى الخاتمة تتجه السطور التالية:
والثالثة، على الباحث الموضوعي الحذر من الخلط بين امرين او التعسف في ربطهما، ويدخلان في قلب موضوع البحث (مشكلة كركوك) وهما قضية الشعب والقيادة السياسية، واحسب ان الحاجة ماسة للابتعاد عن التنظير، للقول هنا، ان قضية الشعب الكردي من حيث فروض حق تقرير المصير وحقوق المشاركة في ادارة الدولة الاتحادية على قدم المساواة مع المكونات الاخرى لا يصح ان تختزل الى مفردة ينظر اليها من خلال الموقف من القيادة السياسية الكردية، ولا يصح، بعد ذلك، ان يُعدّ الموقف (الايجابي)من القضية موقفا(ايجابيا بالضرورة) من القيادة، ولا ان يُحسب الموقف من القيادة موقفا من القضية عينها.
والامر، برأيي، يعود في جوهره الى علم المعايير، وهو واحد من ابرز العلوم الحديثة التي تنشغل في ضبط القياسات لأحوال الثابت والمتغير، وفي التفاصيل، له علاقة بمستوى نمو ورصانة الفكر السياسي السائد وخلفياته الحضارية، فانك حين تهاجم نيكولا ساركوزي لن تجد من يفترض ذلك بمثابة تعريض بالشعب الفرنسي، لكن الامر يختلف في حال انتقدت اداء الرئيس محمد حسني مبارك، مثلا، فانك ستصبح معاديا للشعب المصري في حساب الخطاب والفهم السياسي العربي (والشرقي) السائد.
واقول، نعم، لقد اتحدت القيادة الكردية بتطلعات الشعب الكردي، وكسبت ودّه وتأييده في مجرى الكفاح من اجل الحرية، لكنها تواجه الآن اختبار حماية هذه العلاقة وادارة الصراع الراهن، بنجاح، في اطار الدولة العراقية الاتحادية، وفصلها الدرامي مشكلة كركوك، وبناء الاولويات بالكثير من الحكمة وبُعد النظر، بما يخدم حق تقرير المصير للشعب الكردي، وما يجنب الكرد المزيد من الالام والحروب.. واحسب ان مفتاح هذا النجاح يتمثل في بناء وتطوير تجربة الاقليم ليكون اكثر رخاء وعدالة وديمقراطية.

ـــــــــــــــــــــ
كلام مفيد:
‘ماذا ستفعل حينما يكون الشخص الوحيد القادر على مسح دموعك ، هو من جعلك تبكي ؟’.

حكمة انكليزية !