الرئيسية » مقالات » الأيزيدية شعب اصيل يهاجر بعيداً ودلخواس يصارع من اجل البقاء

الأيزيدية شعب اصيل يهاجر بعيداً ودلخواس يصارع من اجل البقاء

هل تريد ان تنهض مبكراً وتستمتع نظرك بشروق الشمس الذهبية ، فما عليك سوى ان تنام فوق سطح بيت القوشي ، ومهما نهضت مبكراً سترى امامك من نهض قبلك واتجه صوب دروب الكدح والحياة والعمل ، ولا اعتقد من يضاهي الشعب اليزيدي في هذا المضمار ، انهم السباقون لخوض غمار نهار جديد في سوح الكدح والعمل .
اثناء وجودي في القوش انهض قبل الساعة الخامسة صباحاً وأتوجه نحو دير السيدة وهناك اتناول قدحاً من الماء البارد قبل ان اواصل طريقي نحو ديرالربان هرمز ، وإن كان الدير اليوم يوفر هذا القدح من الماء البارد فإن ذكرياتي لـ ( ديرا ختايا ) التي تعود الى نصف قرن من الأعوام انسلخت من عمري ومن عمر الزمان السرمدي ، حيث كان الأنسان الوديع اليزيدي المعروف بـ ( تمو دّيرا) وبعد ان بات تمو صنواً لهذا الدير العتيد وكان يجلس ملاصقاً للجدار وكأنما هو جزء من بنيانه .
وفي تلك الأيام كان في مدخل الدير سلة فيها أرغفة الخبز ( بثخاثا خميئي ) والمعروفة بـ ( بثخاثا دّيرا) ويأخذ عابر سبيل ما يكفيه من الخبز وهو في طريقه ، وتروى الحادثة التي تقول أن احد اليزيدية وهو في طريقه الى بوزان مع ابنه الصغير فتناول الرجل رغيفاً واحداً ومد ابنه الصغير فأخذ اكثر من رغيف ، فمد الرجل الى ارغفة ابنه وأعطاه رغيفاً واحداً وأعاد بقية الأرغفة الى مكانها .
ومع التواصل مع تلك القناعة النفسية ، أمضي في سبيلي وأواصل مشواري وأيمم وجهي شطر صديقي القديم جبل القوش الذي يحتضن بحنان منذ قرون دير الربان هرمز .
في مشوار طريق العودة الى القوش التقيت شلة من الأطفال الأيزيدية وهم يحملون اكياساً بيضاء فيها ما جمعوه من العلب المعدنية الفارغة ، وشئت ان التقط لهم صورة ، لكن طلبي


مجموعة من الأطفال اليزيدية وهم يحملون اكياسهم من العلب الفارغة وعلى اليسار يقف صديقي ( دلخواس )

قوبل بالرفض ، لكن الطفل ( دلخواس ) تقدم نحو الأمام وطلب مني ان اصوره ، حينئذٍ تشجع الباقون ووقفوا بصفه امام الكاميرا ، وبعد التصوير منحت لهم مبلغاً زهيداً لكن رغم ذلك كانت فرحتهم كبيرة لأنهم قبضوا حقهم لقاء تصويرهم .
إن هؤلاء الأطفال بدلاً من الجلوس على مقاعد الدراسة ، وفي فصل الصيف ينبغي ان يشترك هؤلاء الأطفال بدورات وحلقات دراسية وسفرات سياحية ونشاطات رياضية ، نجدهم يتوجهون الى هذه الأعمال . إن هؤلاء الأطفال الذين تتراوح اعمارهم بين 9ـ 16 سنة وينهضون مبكراً ويتوجهون الى القوش ليجمعوا ما يستطيعون من العلب المعدنية للمشروبات الغازية لتباع بألف دينار للكيلو الواحد ، والمعلوم ان الدولار الواحد يساوي 1200 دينار عراقي .
الآن نعود الى عائلة وعشيرة وقوم ( دلخواس ) وهم من الأقلية الدينية اليزيدية والذين يمثلون قوم عراقي اصيل ، والذين يذكر لنا التاريخ ان احداثاً مروعة طالتهم في حقب ماضية حيث كان الظلم والتعسف من جهة والتسامح والتعايش من جهة اخرى يتواتران على سيرورتهم ، لكن المعادلة لم تكن يسيرة ومتوازية كعمليتي المد والجزر ، إنما كانت كفة الظلم والتعسف هي الراجحة في اغلب الأوقات والأزمان .
وإذا ابقينا ابصارنا شاخصة نحو الساحة العراقية سوف نجد اليهود وهم من الأقوام العراقية الأصيلة التي قطنت هذه الديار وفي غفلة من الزمن اختفى هذا القوم واصبح اثراً بعد عين . فبعد ان كان لهم حضور في التاريخ العراقي القديم والحديث وكان لهم دورهم وحضورهم ايضاً في الدولة العراقية الحديثة بعد انهيار الدولة العثمانية ، لكن نشــهد اليوم ان هذا القوم قد اختفى وجوده من العراق .
في حمأة إرهاب الأقليات الدينية غير المسلمة بعد السقوط في نيسان عام 2003 حيث امتدت يد الأرهاب الى كل مكوناة الشعب العراقي ، لكن ما طال الأقليات الدينية يمثل حملة إقصاء وتطهير ديني كانت معالمه واضحة ومجسدة في الخلل الديموغرافي الخطير الذي يهدد وجود هذه الأقليات على ترابهم التاريخي ، فالأسلام الراديكالي كان قاسياً على هذه الحلقات الضعيفة من التكوين المجتمعي العراقي .
في طريقي من زاخو الى القوش كنت احاول ان اسمّي القرى التي نمر بقربها ومنها قرية شاريّان التي يقطنها اليزيدية ، لكن السائق الكردي ابلغني ، وهو يبدي أسفه ، ان هذه القرية والكثير من القرى اليزيدية تفرغ من سكانها اليزيدية ، ويجد ابنائها متنفساً لهمومهم في اختيار طريق الهجرة الى البلاد الأوروبية ، حيث النظام العلماني الديمقراطي ولا تفرقة بين اليزيدي وابن البلد المسيحي ، الكل يحتفظ بحقوقه الدينية والأثنية واللغوية والثقافية دون تدخل او وصاية ولا يوجد هناك وكلاء الله على الأرض ولا يوجد من يحكم باسم الله .
وهكذا نجد هذه القرى يهجرها سكانها بعد ان علموا ان اصقاعاً في الكرة الأرضية تمنحهم حقوقهم في الحياة ويستطيعون ممارسة طقوسهم دون خوف او تهكم او سخرية او استخفاف من أحد .
إن الأقليات الدينية في العراق ومنهم اليزيدية يطالهم تفرقة دينية من القوانين العراقية ، إضافة الى العنف الأجتماعي الذي يطالهم باستمرار .
إن ما ينقذ هذه الأقليات وغيرهم من الطبقات المسحوقة في العراق هو وجود نظام علماني ديمقراطي يضمن حق الجميع بشكل متساوِ بغض النظر عن المرجعية الدينية او الأثنية او اللغوية التي ينتمي اليها هذا المواطن إن كان عربي او كردي او كلداني او سرياني او آشوري أو أرمني او من الشبك او التركمان … هذا هو الضمان الوحيد الذي يضمن حق الأقليات في العراق ، وإذا كانت الأقليات الدينية بخير فنستطيع ان نقول ان العراق بخير وهنالك عدالة اجتماعية وسياسية ودينية دون مفاضلة مواطن على آخر مهما كان قومه او مذهبه او حزبه او قوميته او لغته ، هذه هي العدالة التي ينبغي ان تسود ارض العراق ، ارض حمورابي الذي طبق القوانين على ارض العراق وقال انه يريد ضمان حق الضعفاء لكي لا يغتصبها الأقوياء فهل تقوم الدولة العراقية بضمان حقوق الأقليات الدينية الضعيفة بعد مرور ما ينيف على اربعين قرناً على تلك الشريعة التي تضمن حق الضعفاء على تراب العراق ؟

بقلم : حبيب تومي / القوش