الرئيسية » مقالات » حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي السوداني *

حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي السوداني *


 





اجرى الحوار : يوسف أبو الفوز


تحية للحزب الشيوعي العراقي


في نضاله من اجل السيادة الوطنية والديمقراطية والتنمية والتقدم الاجتماعي



في يوم من اواخر سبعينيات القرن الماضي، وفي امسية طلابية خاصة، على ضفاف شط العرب وتحت ظلال نخيل البصرة، غنى رفيق من الحزب الشيوعي السوداني اغنية سودانية تحية للشهيد الخالد سلام عادل. ومع حلول كابوس قمع وعسف النظام الديكتاتوري المقبور، افترقنا وانقطعت الاخبار. لكن ذلك الصوت القوي، الحماسي: ” سراي الليل جوّ… جوّ ” ـ سراة الليل قادمون ـ ظل يهدر في بالي طوال تلك السنين. وظلت روحي مترعة بذلك الحب والاحترام الذي يحمله ابناء اليسار العراقي الى مناضلي السودان الأفذاذ، ممن دفع نضالهم البطولي عوائل عراقية عديدة لان تمنح ابناءها اسماء شهداء من اليسار السوداني… “الشفيع”… “محجوب” وغيرهم. يوما، وعبق ” سراة الليل ” يرن في خاطري، قادني تشابه الالقاب الى التعارف مع رفيق اخر من الحزب الشيوعي السوداني، وقد عرفت انه كاتب صحفي نشط ومواظب، وانه عضو في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني، وحاليا هو السكرتير الثقافي للحزب. ومع اعلان صحيفة “الميدان ” ـ الجريدة المركزية للحزب الشيوعي السوداني ـ عن إستكمال التحضير لعقد المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي السوداني برزت فكرة هذا الحوارالشامل مع الرفيق تاج السر عثمان بابو، من اجل وضع قراء “طريق الشعب” امام تجربة وواقع عمل رفاق الشهداء الاسطوريين الابطال عبد الخالق محجوب والقائد العمالي الشهيد الشفيع احمد الشيخ واخرين ممن تحمل لهم ذاكرة اليسار العراقي ابهى الصور في النضال من اجل وطن حر وشعب سعيد:


سيرة ذاتية


* كيف لنا يا رفيقي أن نقدمك ونعرفك الى قراء ” طريق الشعب”؟


ـ في البداية الشكر لصحيفة ” طريق الشعب” على اتاحتها لي هذه الفرصة لتوضيح مواقف الحزب الشيوعي السوداني من خلال الاسئلة التي ستقدم، والتحية للحزب الشيوعي العراقي في نضاله من اجل السيادة الوطنية والديمقراطية والتنمية والتقدم الاجتماعي. اما عن سيرتي الذاتية، فهي باختصار، الاسم تاج السر عثمان الحاج، اللقب: السر بابو، من مواليد مدينة عطبرة 1952، تخرجت في جامعة الخرطوم- علوم رياضيات – 1978، ثم بعد ذلك تخصصت في التاريخ الاجتماعي للسودان. التحقت بالحزب الشيوعي السوداني بجامعة الخرطوم عام 1973. تفرغت للعمل السياسي بالحزب الشيوعي السوداني منذ العام 1983، وشغلت عدة مواقع قيادية في سكرتارية لجنة تنظيم الحزب بالعاصمة وفي مركز الحزب، وحاليا عضو اللجنة المركزية والسكرتير الثقافي للحزب. اعتقلت مرتين خلال سنوات ديكتاتورية نظام نميري في العام 1973، والعام 1977، واعتقلت مرة في العام 1995 خلال نظام الجبهة الاسلامية الفاشي وتعرضت للتعذيب سوية مع رفاقي المعتقلين معي، وخاصة بعد انتفاضة ايلول 1995 التي قام بها طلاب الجامعات بالعاصمة، وكنت مختفيا في الفترة حزيران 1989- ايلول1995.


* عرفناك كاتبا مواظبا فماذا عن النشاط الفكري والثقافي؟


ـ انا كاتب صحفي وباحث ومهتم بالتاريخ الاجتماعي للسودان، ولدي اكثر من 80 دراسة ومقالة منشورة في الصحف السودانية والالكترونية، ومشارك في العديد من الندوات وورش العمل، داخل وخارج السودان. واصدرت العديد من المؤلفات، ولي تحت الطبع مؤلفات جديدة اتمنى ان تصدر قريبا.



* هل يمكن أن تتحدث لنا عن التحضيرات الجارية لعقد المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي السوداني، والتي نرى أنها استمرت طويلا، اين وصلت؟ وما هي القضايا الكبرى التي سيناقشها المؤتمر على الصعد التنظيمية والفكرية والسياسية؟


ـ صحيح أن التحضير استمر فترة طويلة لأسباب موضوعية وذاتية، ولكننا في الحزب تمكنا من اعداد مشاريع الوثائق الأساسية للمؤتمر الخامس والتي انجزتها اللجان المكلفة باعدادها، وناقشتها واجازتها اللجنة المركزية. والقضايا التي سوف يناقشها المؤتمر الخامس، والتي استندت على حصيلة المناقشة العامة التي جرت في الحزب منذ آب 1991، من خلال هذه الوثائق هي: على الصعيد السياسي والفكري، هناك مشروع التقرير السياسي العام، ومشروع برنامج الحزب. اما على الصعيد التنظيمي فهناك مشروع دستور الحزب، ومشروع التقرير التنظيمي، ومشروع تقرير الكادر.


الوثيقة الفكرية للشيوعي السوداني


* ماذا عن الوثيقة الفكرية والسياسية التي اشتغل عليها حزبكم، وكيف تقيمون ماحدث بشأن المعسكر الاشتراكي، وانعكاس ذلك على الحزب ونشاطه؟ وما هي الخلاصات الأساسية التي توصلتم اليها في هذا المجال؟.


ـ الوثيقة الفكرية والسياسية هي مشروع التقرير السياسي الذي استند على المناقشة العامة التي فتحتها اللجنة المركزية في آب 1991، والتي تم تلخيصها في الكتاب الأول من التلخيص الختامي للمناقشة العامة بعنوان: “دروس انهيار التجربة الاشتراكية، الماركسية ومستقبل الفكر الاشتراكي “. واهم الخلاصات التي خرجت بها المناقشة، في هذا الصدد انه هناك اسباباً ذاتية وموضوعية أدت الى انهيار التجربة الاشتراكية:


1- من الاسباب الذاتية: غياب الديمقراطية، سياسات اقتصادية خاطئة غلبت جانب الصناعة الثقيلة على حساب سلع الاستهلاك، اضافة الى سياسة زراعية خاطئة انتهجها ستالين قامت على الفرض القسري للمزارع الجماعية عام 1928، سياسة قومية خاطئة قامت على تهجير الملايين، وتم افراغ حق تقرير المصير من محتواه الديمقراطي الانساني بفرض اتحاد صارم القسمات، اضافة الى التعميم الخاطئ للنموذج السوفيتي على بلدان شرق اوربا، وتجاهل واقعها وخصائصها المحلية، ادت الى اخطاء مثل، تدخل الاتحاد السوفيتي في المجر وتشيكوسلوفاكيا..الخ. ومن الاخطاء السياسية والاجتماعية والفكرية: ذوبان الحزب في الدولة، وذوبان النقابات والاتحادات والمجالس النيابية في الدولة وفرض نظام شمولي، كما تخلفت الماركسية عن مواكبة التحولات العميقة التي نشأت في العالم بعد الحرب العالمية الثانية، ولاسيما الثورة العلمية التقنية، وتوقفت حرية البحث العلمي الذي لا غنى عنه لتطوير الماركسية حتى تواكب المستجدات في العالم المعاصر، اضافة للسياسة الخاطئة تجاه الاديان، حيث جعل ستالين من الالحاد سياسة رسمية للدولة، في حين أن الدولة هي للمؤمنين وغير المؤمنين، والاساس هو حرية الضمير والمعتقد، وترك كل شئ للتطور الطبيعي، فالاشياء التي تتعلق بحرية الضمير والمعتقد لاتزول باجراءات قسرية ادارية، كما كان يشير انجلز.


2- ومن الاسباب الموضوعية: الحصار الذي فرضته الدول الرأسمالية على التجربة الوليدة وفرض سباق التسلح الذي انهك الاقتصاد السوفيتي، اضافة الى المجاعات والحروب التي راح ضحيتها 43,5% مليون من البشر، اضافة الى التدخل في افغانستان الذي انهك الاقتصاد السوفيتي. رغم ذلك كان للتجربة الاشتراكية منجزاتها الواضحة مثل: توفير احتياجات الناس الاساسية في التعليم والصحة وحماية الامومة والشيخوخة والضمان الاجتماعي، كما كان للتجربة السوفيتية منجزاتها العلمية (غزو الفضاء)، كما لعب الاتحاد السوفيتي السابق دورا كبيرا في تحرير البشرية من الخطر النازي والفاشي في الحرب العالمية الثانية وقدم 20 مليون شهيد في تلك الملحمة البطولية التاريخية، اضافة الى مساعدة حركات التحرر الوطني، وحفظ التوازن الدولي ضد غطرسة امريكا في العالم، والتي اصبحت شرطيا للعالم بعد زوال الاتحاد السوفيتي.على أن انهيار التجربة الاشتراكية، لا يعني فشل الماركسية، ولكن يتطلب ذلك استخدام المنهج الماركسي نفسه في التحليل العميق لأسباب فشل الانهيار، واستخلاص الدروس التي تساعد في بناء نظام اشتراكي اكثر ديمقراطية وانسانية استنادا الى التجربة السابقة، كما تشكل تجربة الاشتراكية السابقة رصيدا فكريا وعمليا للحركة الشيوعية والاشتراكية العالمية، من المهم الاستناد على ايجابياتها وسلبياتها في تطوير منهج تناول الاشتراكية،وفي بناء اشتراكية القرن الحادي والعشرين.


* في احدي مقالاتك، طالبت بإعادة النظر في قضايا التعليم والتثقيف في الحزب الشيوعي السوداني ارتباطا بالمتغيرات المحلية والعالمية، كيف تجري الامور في هذا الاطار داخل الحزب؟


ـ كان المقصود أن تواكب مناهج التعليم الحزبي المتغيرات المحلية والعالمية، وبهدف استيعاب الظروف والمتغيرات الجديدة واخذها في الاعتبار في مناهج التعليم والارتباط اكثر بالواقع ودراسته بهدف معرفته وتغييره، فبالاضافة للمعارف النظرية العامة تشكل وثائق الحزب، ودراساته في مختلف الجوانب، مادة مهمة في التثقيف الماركسي للاعضاء، كما انجزنا في العامين 1997،2003مقررين جديدين لكورس المرشحين (الاعضاء الجدد) بهدف مواكبة المتغيرات المحلية والعالمية، وبعد المؤتمر الخامس سوف نجدد وننقح الكورسات في ضوء البرنامج والدستور الجديدين وموجهات الحزب الفكرية والسياسية التي سوف يخرج بها المؤتمر الخامس. الشيء الجوهري في مناهج التعليم الحزبي، والذي نسعي الى تحقيقه، هو التخلص من منهج التلقين، وترسيخ منهج الحوار بين المحاضر والمتلقي، والدراسة بذهن مفتوح، وان يقدم المنهج الطريقة التي تساعد الاعضاء على مواصلة الدراسة والبحث والتعلم مدى الحياة، أى طلب المعرفة والعلم من المهد الى اللحد، أو كما يقول المثل الصيني: ” بدلا من أن تعطيني سمك، علمني صيد السمك”. وبالتالي نعطي اهمية كبيرة لمواصلة التثقيف الذاتي ومساعدة الفروع على تذليل هذه العملية بتوفير المكتبة والارشيف والوثائق، حسب لائحة الحزب التي تنص على أن من واجبات العضو (المثابرة على التثقيف الذاتي)، فالمناهج التعليمية التي يضعها مركز الحزب عبارة عن خطوط عامة، و ليست كل شئ، بل يجب المواصلة، كما ذكرت بالتثقيف الذاتي.


استتباب المتغيرات


* ما هي اهم المضامين الأساسية التي حواها مشروع البرنامج الجديد للحزب الشيوعي السوداني، وما مدي قدرته على استيعاب المتغيرات المحلية والعالمية، ونظرته الى شكل ومضمون الدولة السودانية والتحولات في الاقتصاد وقضايا توزيع الثروة ـ بما فيه التصرف في الثروة النفطية ـ والسلطة؟


ـ تناول مشروع البرنامج، والذي سوف ينشر على الاعضاء والجماهير، بعد أن اجازته اللجنة المركزية، في دورة حزيران 2008، تناول رؤية الحزب حول: الديمقراطية، الاقتصاد(بقطاعاته: الصناعي والزراعي والحيواني والخدمي)، البيئة، السياسة الصحية، التعليم والبحث العلمي، الثقافة الوطنية، المرأة والشباب، قدسية الدين ودنيوية السياسة، الاشتراكية، تجديد المشروع الاشتراكي. اما عن شكل ومضمون الدولة، فقد اشار مشروع البرنامج: الى الوحدة من خلال التنوع، والى الديمقراطية التعددية، والاصلاح الديمقراطي في جهاز الدولة حتى يصبح في متناول خدمة قضايا الجماهير، وقيام جمهورية برلمانية اتحادية. اما في الاقتصاد فقد تناول مشروع البرنامج بالتقويم الناقد حصيلة التنمية الرأسمالية التابعة في الفترة: 1967- 2007، والتي كرست التخلف والفقر حتى اصبحت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر 95%، وزيادة حدة التفاوت الطبقي، وسيادة النشاط الرأسمالي الطفيلي أو التداولي على حساب النشاط الرأسمالي المنتج في قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات، كما طرح البرنامج البديل الديمقراطي والذي يتلخص في تنمية ديمقراطية ومتوازنة ومستقلة تستهدف توفير احتياجات الانسان السوداني الاساسية ـ تعليم، صحة، خدمات.الخ ـ، واعادة استثمار الفائض الاقتصادي في المشاريع المنتجة بدلا من تبديده في الصرف البذخي أو تهريبه الى الخارج، كما أشار البرنامج الى اهمية الدور الاقتصادي للدولة، اضافة الى نشاط القطاع الخاص والذي لايتناقض مع دور الدولة، اضافة لاهمية ودور القطاع التعاوني، كما اعطي البرنامج اهمية للتصنيع والصناعة المحلية. اما في يختص بتوزيع الثروة فقد اشار البرنامج الى قوميتها والتنمية المتوازنة مع اعطاء الاهتمام للمناطق الاقل تخلفا. اما فيما يختص بالثروة النفطية: فقد أشار مشروع البرنامج الى ضرورة الشفافية في عقود النفط وتوزيع عائداته، وتوجيه جزء من العائدات لدعم الزراعة والصناعة والتعليم وخدمات المياه والكهرباء، اضافة لحماية البيئة، وقيام الصناعات البتروكيميائية، وتاهيل وتدريب الكادر السوداني المحلي.


* السودان مجتمع متعدد القوميات والثقافات، كيف نظر الحزب الشيوعي السوداني الى هذه القضية، وخصوصا التعامل مع قضية الجنوب؟ وماهي أسس سياسة الحزب بشأن القضية القومية، ورؤيته لحل القضية القومية في السودان وشكل الحكم المناسب الذي يساعد في حل هذه القضية المعقدة؟ وماذا عن رؤية الحزب الشيوعي السوداني للقضية الوطنية، الدمج بين الوطني والديمقراطي والقومي في الواقع السوداني؟


ـ منذ تاسيس الحزب في اب 1946، اهتم الحزب الشيوعي السوداني بقضية الجنوب، وطرح شعار الحكم الذاتي الاقليمي للجنوب في اطار السودان الموحد، والاعتراف بالفوارق الثقافية بين الشمال والجنوب، والتنمية المتوازنة، والغاء ضريبة الدقنية، والاجر المتساوي للعمل المتساوي بين العامل الشمالي والجنوبي، ووقف الحرب والحل السلمي الديمقراطي للمشكلة، وان مشكلة الجنوب جزء من الازمة الوطنية العامة ولاتحل الا في سودان موحد وطني ديمقراطي، وضرورة بناء حركة ديمقراطية في الشمال والجنوب تكون الاساس الصلد للوحدة بين الشمال والجنوب، وحق الجنوبيين في التوسل بلغاتهم المحلية في التعليم، وغير ذلك من الشعارات التي شكلت الاساس لاتفاقية نيفاشا التي تم توقيعها في كانون الثاني 2005. ويواصل الحزب تطوير سياساته في المسألة القومية بطرح: الاعتراف بالتعدد الثقافي والعرقي واللغوي، ورفض التمييز والاستعلاء بدافع العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الثقافة، وقيام دولة المواطنة: الدولة المدنية الديمقراطية التي يتساوى فيها الجميع بغض النظر عن اعراقهم ودياناتهم، ومعتقداتهم..الخ، والتمييز الايجابي للمناطق المهمشة واعطائها الاعتبار الخاص في التنمية، وضرورة الحكم الذاتي بتقسيم السودان الى 9 أقاليم، لكل اقليم برلمانه وحكومته الاقليمية والاقتسام العادل للسلطة والثروة.


تجربة الاضراب السياسي العام


* هل يمكن أن نطلع قراء “طريق الشعب” على التجربة الثرية للحزب الشيوعي السوداني في قضية الديمقراطية والنظام الديمقراطي والدولة المدنية؟ وهل يمكن لنا التوقف عند تجربة الاضراب السياسي العام والانتفاضة الشعبية، لمعرفة شئ من تفاصيلها ومبادئها وآلياتها؟ وكيف ينظر الحزب الشيوعي السوداني الى بناء ديمقراطية بالوان سودانية؟


ـ منذ تأسيسه احتلت قضية الديمقراطية والحقوق والحريات الأساسية محورا هاما في نشاط الحزب الشيوعي، من خلال النضال ضد الاستعمار والانظمة الديكتاتورية (نظام: عبود، نميري، البشير)، واستطاع الحزب عن طريق اوسع تحالف أن يحقق استقلال السودان عام 1956، وأن ينتزع الديمقراطية مرة اخرى عن طريق الاضراب السياسي والانتفاضة الشعبية في تشرين الاول 1964 واسقاط ديكتاتوية عبود، وكذلك طرح الحزب شعار الاضراب السياسي العام عام 1974 لاسقاط نظام نميري حتى تم اسقاطه في الانتفاضة الشعبية في اذار – نيسان 1985 . والاضراب السياسي هو تتويج لتراكم سلسلة المعارك الجماهيرية والعسكرية ضد النظام، وعند النقطة الحرجة كما يسميها الفيلسوف الالماني هيغل، أو نقطة التحول النوعي، والتي يعجز فيها النظام عن الاستمرار في الحكم، نتيجة لتعمق تناقضاته، ويصبح فيها نظام الحكم لايطاق من الجماهير، عند هذه النقطة الحرجة يحدث التحول النوعي في شكل شرارة تؤدي الى عصيان مدني والى الانتفاضة الشعبية الشاملة، ويتم تغيير النظام، كما حدث في تشرين الاول 1964، وفي اذار – نيسان1985. كما طرح الحزب استعادة الحقوق والحريات الديمقراطية في النضال ضد نظام البشير، ونتيجة للضغوط المحلية والعالمية تم توقيع نيفاشا، والتي فتحت الطريق لمواصلة الصراع من اجل انتزاع التحول الديمقراطي وتحقيق التنمية والحل الشامل لقضية دارفور وبقية اقاليم البلاد، وتحقيق التنمية وتحسين احوال الناس المعيشية، وتوحيد الوطن على اسس طوعية وديمقراطية. كما توصل الحزب بتجربته الى ان الحزب الواحد لايصلح كاساس للحكم في ظروف تنوع وتعدد البلاد، وأن الحزب الشيوعي السوداني يرفض نمط الحزب الواحد رجعيا كان أو تقدميا، كما استقر في الحزب الشيوعي نهج النضال من اجل الديمقراطية والدفاع عنها، مثلما استقر الاضراب السياسي والانتفاضة الشعبية كأداة فاعلة للاطاحة بالديكتاتوريات، كما اثبتت تجربة نصف قرن منذ استقلال السودان أن استقرار الديمقراطية في السودان رهين بالانعتاق من اسار النهج الانقلابي للوصول الى السلطة. كما توصل الحزب الشيوعي منذ دورة اللجنة المركزية في اب 1977، الى ضرورة الوصول للنظام الوطني الديمقراطي عن طريق ديمقراطي تعددي جماهيري.


استغلال الدين….


* ظاهرة الاسلام السياسي في عموم المنطقة، اخذت ابعادا واشكالا متنوعة، في السودان ايضا، فما هي المراحل التي مرت بها، وماهي رهاناتها الكبرى ونتائجها الفعلية والدروس المستخلصة من ذلك؟


ـ الاسلام السياسي بمعني استغلال الدين في السياسة لخدمة مصالح طبقية رأسمالية ودنيوية، عرفته الحركة السياسية السودانية كتنظيم وفكر عبرعنه تنظيم الاخوان المسلمين الذي تأسس في اوائل الخمسينيات من القرن الماضي في جامعة الخرطوم وبقية المعاهد والمدارس الثانوية، وتغيرت اسماؤه: من جبهة الميثاق بعد ثورة تشرين الاول 1964، والجبهة القومية الاسلامية بعد المصالحة مع نظام نميري عام 1977، والمؤتمر الوطني بعد انقلاب الانقاذ وبعد ذوبان التنظيم في السلطة، والذي انشق الى وطني وشعبي بعد المفاصلة التي تمت في عام 1999. قام هذا التنظيم كرد فعل للشيوعية، وكان من اهدافه الأساسية محاربة الحزب الشيوعي،حتى نجح في فبركة مهزلة معهد المعلمين العالي عام 1965، وصدر قرار حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان، وكان ذلك نذير شؤم ادي الى تقويض الديمقراطية وانتهاك استقلال القضاء الذي حكم ببطلان حل الحزب الشيوعي مما ادى الى استقالة رئيس القضاء، وفتح الباب لانقلاب 25 /ايار/1969. كما ادخل هذا التنظيم العنف في الحياة السياسية والاستعلاء الديني والعرقي،حتى تم تتويج ذلك بانقلاب 30 حزيران1989، الذي صادر كل الحقوق والحريات الديمقراطية، واعتقل وشرد وعذب الالاف من المعارضين السياسيين، وحول حرب الجنوب، التي توصلت الحركة السياسية لحل لها قبل حزيران 1989 (اتفاق الميرغني – قرنق)، حول الحرب الى دينية، ومارس ابشع عمليات التطهير العرقي في جبال النوبا (لمزيد من المعلومات يمكن مراجعة بيان تجمع ابناء جبال النوبا الأخير)، وجنوب النيل الازرق، وفي دارفور، ويقف اليوم رئيس نظام الانقاذ البشير، مطلوبا للعدالة امام محكمة الجنايات الدولية بعد قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية. كما شرد هذا النظام اكثر من 122 الف من اعمالهم (حسب احصائية اجريت عام 2001)، وتلك جريمة كبيرة لاتقل عن التطهير العرقي وتشريد الناس عن وسيلة انتاجهم (الارض)، وكما يقول المثل السوداني: “قطع الاعناق ولا قطع الارزاق”، ومازال التشريد وتصفية وبيع مؤسسات القطاع العام مستمرا، وافقر هذا النظام الشعب السوداني، حتى اصبح 95% من الشعب السوداني يعيش تحت خط الفقر، كما رفع هذا النظام الدعم عن التعليم والصحة، وارهق كاهل المواطنين بالضرائب والجبايات، كما تم خلق فئة رأسمالية طفيلية من “الاسلاميين” الذين نهبوا مؤسسات القطاع العام، عن طريق الخصخصة، اضافة الى الفساد كما في المال العام، كما توضح التقارير السنوية للمراجع العام. وحتي عندما تم استخراج البترول، لم تذهب عائداته لدعم الزراعة والصناعة والتعليم والصحة وبقية الخدمات، بل ذهب كله الى الامن والدفاع والى القطاع السيادي.اضافة الى فقدان السودان لسيادته الوطنية بسبب تلك السياسات المدمرة، واسلوب المراوغة ونقض العهود والمواثيق، بتوقيع الاتفاقات، وعدم تنفيذها (نيفاش، القاهرة، ابوجا، الشرق،..الخ). تلك باختصار حصيلة “الاسلام السياسي” في السودان.


والواقع، ان حركة الاسلام في السودان وفي العالم العربي لعبت دور مخلب القط، في تنفيذ مخطط امريكا في محاربة الشيوعية في المنطقة، وبعد سقوط التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي والتي لعبت فيها حركات المجاهدين الاسلاميين دورا كبيرا، في حرب افغانستان التي انهكت الاقتصاد السوفيتي، وبعد ان استفادت منهم امريكا، قلبت لهم ظهر المجن، وشنت حملة جديدة ضد الارهاب بعد احداث 11/ايلول 2001م، واسقطت نظام طالبان في افغانستان واحتلت العراق بهدف النفط وتخطط الآن لضرب ايران، وتستفيد امريكا والدوائر الامبريالية من اخطاء هذه الحركات في التدخل في شئون بلدانها او احتلالها، كما يحدث الآن لنظام البشير الذي فتح الطريق للتدخل الدولي نتيجة لاخطائه وسياساته المدمرة. والواقع، ان حركات الاسلام السياسي في العالم العربي والاسلامي لم تركز علي المضمون الاجتماعي للاسلام، بل ركزت علي جوانب العقوبات والحدود، وحاربت التيارات الديمقراطية المستنيرة في الاسلام والتي تطالب بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ومساواة المرأة والرجل، مثل محاربة واعدام محمود محمد طه في السودان، وتنفيذ اغتيالات سياسية لبعض المفكرين الاسلاميين والمثقفين العرب مثل: حسين مروة، مهدي عامل، فرج فودة..الخ، كتعبير عن ضيقها بحرية الفكر والتعبير. هذا باختصار مضمون حركة الاسلام السياسي ، كما تجلت تجربتها والدروس التي تم استخلاصها منها في السودان.


من السرية المطلقة الى العلنية المقيدة


* في كانون الثاني عام 2005، عاود الحزب الشيوعي السوداني الظهور العلني، ورافق ذلك ظهور الرفيق محمد ابراهيم نقد السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني، وذلك في ظل هيمنة حكومة اسلاموية، كيف تعامل الحزب مع الانتقال من السرية المطلقة الى العلنية المقيدة؟، وماهي الآليات التي اعتمدت، ثم هل يمكن الرهان على الانتقال نحو الديمقراطية في ظل حكومة يهيمن عليها الاسلاميون والعسكر؟


ـ بعد توقيع اتفاقية نيفاشا في 9/كانون الثاني/2005، عقدت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي دورة في 14/كانون الثاني/2005، وطرحت اللجنة المركزية المهام التي تساعد في ضمان الاستقرار واستدامة السلام، والتي تتلخص في الآتي: 1 ـ رغم ترحيب الحزب باتفاق السلام ودوره في انهاء الحرب وارساء دعائم السلام، الا أن الاتفاق يظل قابلا للانهيار مالم يتم الحل الشامل بعقد المؤتمر الجامع للانتقال من الحل الثنائي الى الحل القومي الشامل الذي يشمل كل اقاليم السودان والقوي السياسية.وبذل كل الجهود والتضحيات كي لاتعود البلاد مرة اخري للحرب الاهلية، التي اوقفت عجلة التنمية واسهمت في تدهور احوال الشعب. 2 ـ الحل الشامل لقضية دارفور عبر التفاوض لمصلحة مواطني دارفور. 3 ـ انجاز التحول الديمقراطي، بالغاء القوانين المقيدة للحريات، واصدار قوانين ديمقراطية بديلة لها. 4 ـ تحسين احوال الناس المعيشية، والضغط لتوفير اكبر قدر من العائدات المالية لحل قضايا الجماهير الملحة في: التعليم، الصحة، الخدمات والتنمية..الخ. واعادة النظر في المؤسسات التي تمت خصخصتها ورد ممتلكات الشعب اليه، ومراجعة الخروقات في ذلك. 5 ـ اصدار قرار سياسي بتسوية اوضاع المفصولين تعسفيا من المدنيين والعسكريين، ورد المظالم ومحاسبة كل الذين ارتكبوا جرائم في حق الوطن والمواطنين. 6 ـ قيام الانتخابات العامة في مواعيدها الذي حددته الاتفاقية، وضمان نزاهتها ونجاحها، وأن تجري الانتخابات بحضور واشراف دولي. 7 ـ ضمان كل ذلك هو العمل الجماهيري باعتباره الاساس والحاسم في قلب موازين القوي لمصلحة الشعب، والتحضير الجيد لمشاريع الدراسات والقوانين وغير ذلك، لضمان نجاح فترة الانتقال، بتحقيق الهدف النهائي وهو استعادة الديمقراطية الكاملة وتصفية الشمولية من الحياة السياسية السودانية. 8 ـ الشق الآخر هو تأهيل الحزب سياسيا وفكريا وتنظيميا وتوفير ادوات عمله من: دور، صحافة علنية(الميدان)،..الخ، لمواجهة مهام الفترة الانتقالية، والمحافظة على تأمينه وادوات عمله الداخلية تحسبا لما تخوفتم منه.


* الحزب الشيوعي السوداني على الصعيد التنظيمي لديه تجربة معروفة بغناها في مجال التوفيق بين السرية والعلنية، اذ حتى في احرج واصعب ظروف القمع والتسلط الديكتاتورية، واضطرار الحزب للعمل السري لم تنقطع صلاته بالجماهير وخصوصا الكادحة منها، فكيف تحقق هذا التوفيق بين الجانبين؟ وما هي الأسس والمبادئ الكبري التي اعتمدها لضمان أمن الحزب وسلامته من الاختراق وبين استمرار الحياة في علاقته مع الناس والجماهير؟.


ـ فرضت ظروف الحياة السياسية في السودان على الحزب الشيوعي العمل السري لمواصلة نشاطه، والمحافظة على اواصر علائقه مع الجماهير، فمنذ تاسيس الحزب، باسم الحركة السودانية للتحرر الوطني، مضى حوالي 62 عاما، لم ينعم الحزب فيها بنشاط علني سوي 12 عاما هي عمر الانظمة الديمقراطية التعددية التي حكمت وتم الاطاحة بها بانقلابات عسكرية بدءأ بانقلاب: عبود والنميري والبشير، اي أن الحزب الشيوعي السوداني عاش حوالي 50 عاما في ظروف انظمة ديكتاتورية متسلطة فرضت عليه العمل تحت الارض، والعمل السري ليس غاية في ذاته، وانما الهدف منه مواصلة النشاط السياسي والجماهيري بعيدا عن رقابة الامن، وبهدف تحقيق اوسع جبهة من اجل استعادة الديمقراطية، كما حدث في الاستقلال 1956، وفي تشرين الاول 1964، وفي انتفاضة اذار – نيسان 1985، وبعد توقيع اتفاقية نيفاشا يواصل الحزب الشيوعي نضاله مع القوى السياسية الاخرى من اجل التحول الديمقراطي والغاء القوانين المقيدة للحريات، الحل الشامل لقضية دارفور، وتحسين احوال الناس المعيشية..الخ. ولتحقيق اهدافه، في ظروف السرية يطرح الحزب الشيوعي ضرورة العمل وسط الجماهير، فافضل تأمين لنشاط الحزب هو التواجد حيث تتواجد الجماهير، بهدف التعلم منها وتعليمها، والتشاور معها لطرح قضاياها ومطالبها، هذا اضافة للمحافظة على قواعد العمل السري بهدف تقليل الخسائر الى اقصي حد، والهدف من العمل السري كما ذكرنا هو استمرار نشاط الحزب في ظروف السرية، واستمرار اتقاد جذوته حتى تتم الانتفاضة الشاملة التي تقتلع الديكتاتورية والشمولية من جذورها.


جمع الداخل والخارج


* للسودان جاليات متناثرة في مختلف بقاع العالم، والحزب الشيوعي السوداني له امتداد هناك وتأثير ملحوظ، كيف هي تجربة الحزب في تحقيق التنسيق والتفاعل المطلوب بين الداخل والخارج، وأين نجح الحزب واين اخفق ولماذا؟


ـ لعبت فروع الخارج دورا كبيرا في جلب التضامن مع شعب السودان منذ الاستعمار وخلال سنوات الانظمة الديكتاتورية (نظام عبود، النميري، البشير)، وطالبت باطلاق سراح المعتقلين وكشفت انتهاكات حقوق الانسان،وكثيرا ما لعبت هذه الحملات مع الضغط الداخلي في تصفية المعتقلات وبيوت الاشباح (في عهد البشير). والعلاقة بين الداخل والخارج ثابتة ومستقرة عن طريق هيئة مركزية للصلة بفروع الخارج، وفي العمل القيادي نعتبر ان القيادة في الداخل هي الاساس، والخارج مكمل ومتمم.و اغلب فروع الخارج منتظمة ومستقرة الصلة بالداخل وتعقد مؤتمراتها الدورية، وحيثما استقرت مجموعة من الشيوعيين في اى بقعة من بقاع العالم، نسعى للصلة بها وتنظيمها في فرع وتمتين الصلة بها، وربطها بالداخل. وتلعب فروع الخارج دورا هاما في توضيح مواقف الحزب للاحزاب والدول في الخارج، وبعد ديكتاتورية البشير تم تشريد الالاف من اعمالهم اضافة للقمع والتعذيب، اصبح هناك اعداد كبيرة من السودانيين في الشتات أو المهجر، مما فرض واقعا جديدا، حاول مشروع الدستور الجديد للحزب أن يضع مهاماً لفروع الحزب في الخارج، بما يتمشي مع هذا الواقع الجديد.


*وكيف تسير علاقات الحزب الخارجية، مع الحزب الشيوعي العراقي، وسائر الاحزاب الشيوعية في منطقة العالم العربي؟


ـ اما عن علاقاتنا مع الاحزاب الشيوعية العربية، فلدينا مكتب للعلاقات الخارجية يتابع الصلة معها، ويسعي الحزب لاعادة روابطه وعلائقه وتوثيقها مع الاحزاب الشيوعية في العالم العربي، ومنها الحزب الشيوعي العراقي، وبهذه المناسبة: في اجتماع الاحزاب الشيوعية والعمالية الذي تم في منسك بمناسبة الذكري ال 90 لثورة اكتوبر الاشتراكية، في تشرين الثاني 2007، تم لقاء ثنائي بين مندوب الحزب الشيوعي السوداني والحزب الشيوعي العراقي، وتم فيه تبادل وجهات النظر، وتم عكس الحصيلة لقيادة الحزب في السودان، كما صدر بيان مشترك للاحزاب الشيوعية العربية التي حضرت ذلك الاجتماع، حول الاوضاع في المنطقة العربية، بعد العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني في غزة، وعبر عن قلقه للاوضاع في العراق وايران والمخطط الامريكي في المنطقة الخ (الاحزاب التي وقعت على البيان: الحزب الشيوعي اللبناني، الحزب الشيوعي العراقي، الحزب الشيوعي السوري ـ بجناحيه ـ، الحزب الشيوعي الاردني، الحزب الشيوعي السوداني، الحزب الجزائري، المنبر الديمقراطي في البحرين..الخ)


تجربة التحالفات


* الحزب الشيوعي السوداني له تجربة ثرية واستراتيجية في مجال التحالفات، قديمها وجديدها فهل طرأت على ذلك بعض التجديدات والاضافات والتدقيقات، وماهي المجالات التي تعرضت للتغيير ولماذا؟. وفي اطار تحالف القوى الديمقراطية كيف استطاع الحزب الشيوعي السوداني أن يكون عنصرا فاعلا في هذا التحالف، وأن يحتفظ في الوقت نفسه باستقلاله السياسي والفكري والتنظيمي؟.


ـ الجديد هو التنوع في أشكال التحالفات الافقية، حاليا توجد منابر متعددة وقاعدية للتحالفات من اجل تحقيق اهداف محددة، على سبيل المثال: وسط طلاب الجامعات تتم تحالفات واسعة بين تنظيمات سياسية متعددة المشارب والرؤى، من اجل استعادة ديمقراطية الاتحادات والحريات الاكاديمية والفكرية والسياسية في النشاط الطلابي، وتحسين احوال الطلاب في السكن والمعيشة، وتوفير مقومات التعليم من: اساتذة مؤهلين، ومكتبات ومعامل..الخ، وقد نجح هذا التحالف في بعض الجامعات في اقصاء طلاب المؤتمر الوطني. وفي الجزيرة هناك تحالف مزارعي الجزيرة الذي يطالب برفض خصخصة المشروع، وتوفير مقومات العمليات الزراعية واصلاح الاوضاع في المشروع. وهناك تجمع المفصولين تعسفيا من مدنيين وعسكريين من اجل تحقيق مطالبهم، وهناك منبر السلام في دارفور، وهناك الهيئة العامة للحريات، اضافة للتحالف الديمقراطي للمحامين من اجل ديمقراطية النقابة واصلاح القوانين والحقوق والحريات الاساسية، وهناك تجمع ابناء النوبة ضد اغراق منطقتهم بقيام سدي كجبار ودال..الخ، أضافة للحركات في المناطق المهمشة من اجل الاقتسام العادل للسلطة والثروة، والتنمية والحكم الذاتي..الخ. اضافة لنشاط الحركة النقابية من اجل قوانين ديمقراطية للنقابات تتجاوز نقابة المنشأة،..الخ. وهي تحالفات قاعدية برزت خلال السنوات الماضية من حكم الانقاذ. اضافة للقرار الذي اتخذته اللجنة المركزية للحزب في دورة كانون الثاني 2005 بتقييم تجربة التجمع الوطني الديمقراطي، واتخاذ موقف منها يناسب مهام المرحلة القادمة وتحالفاتها من اجل الديمقراطية والحل الشامل لقضايا السودان. وسط القوى الديمقراطية لدينا تحالفاتنا الاستراتيجية مثل:الجبهة الديمقراطية وسط الطلاب، الروابط الاشتراكية والجبهة الديمقراطية وسط المهنيين، اتحاد الشباب السوداني، الاتحاد النسائي السوداني…الخ، أشارت المناقشة العامة الى ضرورة تطوير وتعزيز هذه التحالفات، بما يؤكد استقلالها وتعزيز الديمقراطية داخلها، وأن يقوم التحالف على الندية والتكافؤ استقلال اطرافه وترسيخ الديمقراطية والتشاور، لا الهيمنة أو الوصاية، واشراك القوى الديمقراطية فعلا لا قولا في قيادة تلك المنظمات، وان يحتفظ الحزب باستقلاله السياسي والفكري والتنظيمي..الخ.وقد لخص مشروع الدستور الجديد للحزب تجربة تلك المنظمات ووضع ضوابط لعمل الشيوعيين وسطها بما يحقق اهدافها وتعزيز الديمقراطية داخلها، وبما يجعلها تنظيمات ديمقراطية حقيقية وفاعلة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في البلاد.


تحليل التحولات


* كيف يمكن تلخيص الحديث عن تطور البنية الطبقية والتحولات التي نشأت في ظل حكومة البشير ودور البورجوازية الطفيلية بجذورها الاسلاموية في المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي الراهن في السودان حيث احتكرت السلطة والثروة والعمل السياسي في البلاد واوصلت السودان الى الازمة التي يعيشها الآن؟.


ـ بعد انقلاب البشير في يونيو 1989، حدثت متغيرات في التركيب الطبقي، حيث هيمنت الفئات الغنية من طفيلية الجبهة الاسلامية على مفاتيح الاقتصاد الوطني، وتجمعت لدي هذه الفئة ثروات ضخمة، ويمكن تلخيص اهم مصادر التراكم الرأسمالي لهذه الفئة، في الآتي: 1 ـ نهب اصول القطاع العام عن طريق البيع أو الايجار أو المنح باسعار بخسة لأغنياء الجبهة أو لمنظماتها أو الاقمار التابعة لها، والتي كونت اكثر من 6000 شركة تجارية تابعة لها ولمؤسساتها. 2 ـ اصدار قانون النظام المصرفي لعام 1991، والذي مكن لتجار الجبهة ولمؤسساتها من الهيمنة على قمم الاقتصاد الوطني وامتصاص الفائض، مما ادى الى فقدان الثقة في النظام المصرفي، اضافة الى اجراءات تبديل العملة وتحميل المودعين التكلفة بخصم 2% من ارصدتهم، وحجز 20% من كل رصيد يزيد عن 100 ألف جنية امتدت اكثر من عام، وانتهاك قانون واعراف سرية النظام المصرفي وكشف القدرات المالية لكبار رجال الاعمال امام تجار الجبهة الاسلامية (دورة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني، آب 2001). 3 ـ التسهيلات والرخص التجارية من وزارة التجارة والبنوك التجارية والاعفاء من الضرائب. 4 ـ الاستيلاء على شركات التوزيع الأساسية وتمليكها لتجار وشركات الجبهة الاسلامية. 5 ـ المضاربة في العقارات والأراضي والاستثمار في مشاريع الزراعة الآلية والثروة الحيوانية واستيلاء شركات ومؤسسات الجبهة الاسلامية على مؤسسات تسويق الماشية. 6 ـ عائدات البترول والذهب. 7 ـ التعليم والصحة والذين اصبحا سلعة ومصدرا من مصادر التراكم الرأسمالي 8 ـ من الامثلة للنهب: طريق الانقاذ الغربي الذي وصل قمة النهب، وافقار المزارعين عن طريق نظام السلم أو الشيل والضرائب والجبايات التي لم يشهدها السودان، الا في العهد التركي. ومن مصادر التراكم والدعم لهذه الفئة: رأس المال الاسلامي العالمي الذي دخل البلاد في التسعينيات من القرن الماضي، والذي قدرته بعض المصادر بـ6 مليار دولار، وأسهم في دعم النظام ومؤسساته الاقتصادية والمالية والحربية. الشاهد أن هذه المصادر جاءت تييجة للنهب الاقتصادي والقمع السياسي، بحيث احتكرت الجبهة الاسلامية (المؤتمر الوطني) الثروة والسلطة والعمل السياسي في البلاد،حتى اوصلت البلاد الى الازمة التي تعيشها حاليا.