الرئيسية » مقالات » لكي لا تحترق أصابعنا في كركوك

لكي لا تحترق أصابعنا في كركوك

-1-

اشتعلت من جديد في العراق، قضية كركوك التي يمكن – إن لم تتمكن العقلانية والوطنية والواقعية العراقية من فرض نفسها على هذه القضية – أن تتحول إلى فتنة طائفية، وربما تؤدي إلى حرب أهلية – لا سمح الله – فيما لو تدخلت فيها أصابع من الجوار المختلف واستطاعت أن توقد نار حرب أهلية، تعويضاً عن النار التي لم تستطع إشعالها في العراق، عن طريق الإرهاب في السنوات الخمس الماضية، وأثبت فيها الشعب العراقي بكافة مكوناته العرقية والدينية، أنه شعب واحد، وعدوه عدو واحد.

فالجيران الذين لم يستطيعوا إيقاد حرب أهلية بواسطة عناصر الإرهاب المرسلة من قبلهم، يحاولون – دون شك – الآن إشعال نار الفتنة في كركوك. ولكن الشعب العراقي الذي فوّت الفرصة على هؤلاء، وقضى على الإرهاب والإرهابيين، بمقدوره أن يفعل الشيء نفسه في قضية كركوك، ويضع الوطن العراق نصب عينيه قبل منطق الأقاليم، ومنطق المحافظات، ومنطق الامتيازات، ومنطق المخاصصات. لذا، مطلوب من الشعب العراقي ومن ممثليه في مجلس النواب، أن يحتكموا إلى العقل وإلى الوطنية العراقية، لا إلى الوطنية العرقية فقط، وإلى الواقع لا إلى دسائس الدساسين من دول الجوار. فدول الجوار، تريد أن يبقى العراق مشتعلاً، تنتشر فيه الفوضى والنزاعات.

ومن هنا، أصبحت قضية كركوك في الأسابيع القليلة الماضية ليست قضية الكرد أو العرب أو التركمان أو الآشوريين وحدهم، ولكنها أصبحت قضية إقليمية يتردد صداها في أنحاء الشرق الأوسط، كما أصبحت قضية عالمية، شغلت الرأي العام العالمي، وخاصة الأمريكي المعني بالدرجة الأولى بقضية العراق ككل، وبالحالة العراقية التي تعتبر كركوك جزءاً حيوياً ومهماً منها.



-2-

اطمأن الجميع على مستقبل كركوك حين أقرَّ الدستور العراقي وأقرَّت المادة 140 التي تشرح صراحة مصير كركوك القادم. ووافق الشعب العراق باستفتاء عام، وحر، وديمقراطي، على هذا الدستور، ومن ضمنه المادة 140 “التي تخصّ قضية كركوك وسائر المناطق، التي ظلت موضع نزاع بين الكرد ونظام البعث، حول ما إذا كانت تدخل أو لا تدخل من ضمن إقليم كردستان، الذي ُمنح حكماً ذاتياً في العام 1970. وهذه المادة وضعت خريطة طريق لحل هذه المشكلة”، كما قال الكاتب العراقي عدنان حسين (أوان، الكويت، 7/8/2008)، والذي رأى أن عدم العمل بهذه المادة، ومسلك بعض النواب تجاه ذلك، يُعدُّ انقلاباً على الدستور العراقي.
ويرى الخبير القانوني العراقي د. منذر الفضل كذلك، أن “حل قضية كركوك، يكمن في تطبيق نص المادة 140 من الدستور. وأن أي قانون يصدر مخالفاً للدستور، سيكون باطلا بسبب علوية الدستور على القانون. وهذا ما نراه في قانون الانتخابات هذا، حيث جاءت المادة 24 منه بعيده كل البعد عن روح المادة 140 من الدستور، وعن خارطة الطريق التي تضمنتها المادة المذكورة لحل مشكلة كركوك” .لذا، فإن كركوك اليوم تُعتبر المحك لمدى عقلانية وواقعية القيادات السياسية في العراق، كما أنها الصخرة الضخمة والأخيرة، أمام التقدم، والاستقرار، والازدهار، الذي ينتظر العراق.

ويضيف د. الفضل ” ولعلنا لا نريد هنا التذكير، بأن المادة 140 من الدستور، كانت نتيجة جهود كبيرة مبذولة من جميع الأطراف السياسية، منذ ما قبل تحرير العراق من حكم الطاغية، وحتى الانتهاء من الدستور العراقي لعام 2005 . وأن الكُرد قبلوا الدخول في العملية السياسية، بناء على تفاهم بين القوى السياسية، حول بناء عراق تعددي، فيدرالي، وحل مشكلة كركوك حلاً عادلاً، وإزالة آثار التعريب عنها . وهذا ما تمَّ التأكيد عليه في مؤتمر المعارضة العراقية المنعقد في لندن في ديسمبر 2002، ومن ثم في قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية في المادة 58 منه، المتعلقة بكركوك والمناطق المتنازع عليها . وبالتالي فإن الالتفاف على هذه الأسس، أو التنصُّل منها سيكون له عواقب وخيمة، وسيتسبب في فقدان ثقة الكرد بأشقائهم العرب. وسيذكرهم بسياسات النظام السابق وجرائمه في كردستان، وخاصة جرائم التعريب في كركوك”

-3-

لم تسلم كركوك من عبث واستبداد العهد البائد. فكما حرص صدام حسين على تغيير هوية العراق من بلد لكل مكوناته العرقية والدينية، إلى بلد لعرق واحد وهو العرب، ولطائفة واحدة وهي السُنَّة، مع طمس كل الأعراق الأخرى والطوائف الأخرى، وكان من ضمن ذلك كركوك. بل إن كركوك تُعتبر الضحية السمينة للعهد البائد، والتي تمَّ فيها تغيير الحقيقة الديمغرافية، وتهجير أهلها من الكُرد، وإسكان العرب بدلاً منهم. وما زال جزء كبير من هؤلاء المهجَّرين في الشتات . وكما قال عدنان حسين الكاتب العراقي، فإن “قضية كركوك تمثل خير تمثيل حال البؤس، والتعاسة، والتخلف، والإملاق، والخوف، والفجيعة، والخراب، التي يكابدها كل العراق، حيث سعت الحكومات السابقة لصهر القوميات الأخرى، والتعسف في حقها، وهو ما لم يقبل به أحرار هذه القوميات، ومعهم أحرار العرب الذين يرون أن مصلحة عرب العراق، وكل العرب، إنما في تأمين حقوق القوميات الأخرى، واحترام خصوصياتها والعيش في سلام وتعاون ووئام معها، وليس في الاستبداد بها وبحقوقها وإذلالها”.

-4-

هناك أراء كثيرة في العالم العربي حول قضية كركوك، منها ما هو منصف، ومنها ما هو ظالم، ومنها من هو واقعي وعقلاني، ومنها ما هو خيالي ورومانسي. ومن هذه الآراء، أن قضية كركوك يجب أن تحلَّ على أساس:

1- اعتبار كركوك إقليماً قائماً بذاته.

2- أن تكون كركوك لكل من الكُرد والعرب والتركمان، وباقي مكونات الشعب العراقي.

3- أن يعود ريع النفط من كركوك إلى الحكومة المركزية في بغداد، التي عليها واجب تقسيم الريع بين سكان كركوك، حسب أعراقهم.

4- إعادة من أُجبر من الكُرد على الهجرة من كركوك في عهد البعث، العودة إلى كركوك، وتعويضهم عما فقدوه وخسروه من جراء عملية التهجير.

5- إشراف أمريكا ورعايتها لهذه الخطوات، باعتبارها المسئولة الأولى عن الحالة العراقية، والتي بمقدورها أن تضغط على كافة الأطراف لقبول الحلول المعقولة والمنصفة.

-5-

فهل تلقى هذه الخطوات صدىً، من كافة المكونات العراقية، لحل قضية كركوك، التي نريدها أن تبقى في أيدٍ عراقية صرفة، دون أي تدخل من الخارج، وخاصة من قبل بعض جيران العراق، الذين يترصدون بالعراق وبكركوك خاصة، كما تترصد الذئاب والثعالب لفريستها السمينة، علّها تقدر هذه المرة على صيدها، بعدما فشلت خلال السنوات الخمس الماضية، من خلال إرسال قوافل الإرهاب والنحر والانتحار، وبعدما بدأت القاعدة تهرب من العراق، وبعدما انتهى التمرد المسلح الذي كان يقوم به السُنَّة العراقيون، الذين يحاولون استعادة سيادتهم. وأخيراً، بعدما استطاعت الحكومة التي تسودها أغلبية شيعية في بغداد التغلّب، على الأقل مؤقتاً، على الميليشيات الشيعية، التي كانت تتحدى سلطتها، كما يقول هنري كيسنجر، في مقاله (الحقيقة الجديدة في العراق).