الرئيسية » مقالات » في ذكرى رحيل عملاق الفكر العراقي … الفيلسوف علي الوردي

في ذكرى رحيل عملاق الفكر العراقي … الفيلسوف علي الوردي

ها قد مر اكثر من شهر على الذكرى الـ 13 لرحيل العلامة الراحل فيلسوف علم الاجتماع العراقي د . علي الوردي والذي صادف تحديدا في يوم 13 / 7 / 1995.. هذا الرجل الذي وضع الاسس العلمية لدراسة الشخصية العراقية وهو احد مؤسسي الوعي الفكري والاجتماعي في الثقافة العراقية.

وتوقعت اني ساكون متاخرا بهذا الحدث لكن المفارقة العجيبة الغريبة ان اكثر من شهر قد مضى ولم يتم استذكار هذه الذكرى والاحتفاء بها رسميا او على مستوى ما يكتبه بعض المثقفين عن الرموز العراقية الخالدة ، الا اللهم في نطاق ضيق ومحدود من هنا ومن هناك فقط لتادية الواجب (( جفيان شر)) .

وكأن هذا المفكر العملاق هو نكرة (( وحاشاه ان يكون كذلك )) اوكأنه شخص لم يترك لنا ارثا فكريا عظيما وسلسلة من الافكار الرائدة التي انارت لنا ظلمات طريقنا كمثقفين ..

واتسائل لماذا دائما نتناسى (( عمدا او سهوا)) رموزنا وعمالقتنا سواءا عمالقة الفكر أو الادب او حتى الفن في حين ان غيرنا يعلون من شان نكراتهم ويوشحوهم بأوشحة العز والمجد التليد وتطلق عليهم الالقاب من هنا ومن هناك فهذا امير الشعراء وتلك كوكب الشرق واخر ملك الفكر وذاك القيصر والخ الخ الخ ….

وانا هنا لا اتكلم فقط عن الجهات الرسمية التي هي من المفروض من تبادر بهكذا مبادرات على اعتبار ان هناك مؤسسات حكومية مختصة اعلامية وثقافية يكون دورها الرئيس أحياء مثل هكذا مناسبات وبشكل رسمي .. ولكن لندع هؤلاء جانبا فمن الممكن انهم قد نقموا منه ونكروا إطروحاته لانه عرى امثالهم وكشفهم على حقيقتهم قبل ان يكشفهم شعبهم بعد ان تسنموا سدة الحكم وبان وجههم القبيح وتوضحت بشكل جلي متاجرتهم باسم الدين وبانهم فعلا ليسوا اكثر من ((روزخونية وملالي )) يحفظون الكلام لكن بدون سبيل لتطبيقه عمليا لانهم وبدون اقواس تجار كلام فقط .

وقد كتب عنهم الوردي وعن نفاقهم وكذب ادعائهم وكيف انهم جعلوا من الدين وسيلة لتحقيق مأربهم والتي هي لا تحتاج لاكثرمن لسان معسول (( يسترزقوا منه)) وعمامة وعباءة ومسبحة طويلة ((ربما يحسبوا بها سرقاتهم)) .

نعم لنترك هؤلاء الحاقدين على علي الوردي (والذين نعلم جيدا بان لديهم احقاد شخصية ومواقف اتخذوها ضده) ونبدا بمحاسبة انفسنا كمثقفين ونسال انفسنا :

لماذا مرت علينا هذه الذكرى مرور الكرام ؟؟؟!!!

ألسنا نحن من يستشهد بفكره النير وبكلماته وبكل مقام ؟؟

فهل وفقنا برد الجميل لصاحب الفضل علينا كاشخاص تبنينا جل طروحاته واستلهمنا افكاره في اكثر نتاجاتنا المقالية ؟؟؟

فالذي يحز بالنفس ان الكثير من المثقفين العرب وحتى علماء الاجتماع الغربيين استذكروا هذه المناسبة واحتفوا بها دونا عنا فهل اصبح الوردي مثل اثارنا التي تعرض في جميع المتاحف العالمية بدلا من عرضها في متاحفنا والتي هي اولى من غيرها؟؟

وفي ذكرى الوردي العاشرة عبرت صحيفة الشرق الاوسط اللندنية بان علي الوردي مثالاً حياً للفعل الثقافي الايجابي والجرأة الفكرية وقدرة التصدي للمؤسسات الاجتماعية والفكرية التقليدية منها والمؤسسات الحداثية والتي شاءت القفز على واقع المجتمع العراقي فأخفقت طروحاتها وأفضت الى نتائج مغلوطة، ولقد خاض الدكتور الوردي معركته التنويرية الكبرى بدون استناد الى سلطة حاكمة او مرجعية سياسية او حزب او حركة، معتمداً على الجماهير التي انتمت لمدرسته الفكرية وضمت قراءً ومريدين ومعجبين ومجادلين ينتمون الى اطياف المجتمع العراقي المتنوعة، ارتبطوا به وان خالفوه، وتأثروا به وان انتقدوه، متخذين من جرأته انموذجاً فذاً في المجادلة وعدم الاستسلام او الانحناء امام حاكم او سلطة .

ولكن في الوقت نفسه ماذا عبرت صحيفة الصباح البغدادية بهذه الذكرى ؟؟!!

فلو كان الوردي مصريا او من اي دولة اخرى عدا العراق … هل تتخيلون ماذا كان سيحصل في يوم 13 تموز ومن كل سنة ؟؟!!

بدون مبالغة ولا تهويل كنا سنجد الندوات الثقافية والأمسيات الشعرية التي تمجد سيرته وتحمل اسمه ولكنا سنرى الحلقات النقاشية الواسعة على هامش نظرياته الاجتماعية وهي تقام على مدار الشهر , ولكانت اقيمت مسابقات تحمل اسم الوردي ( وحتى الرياضية منها ) .

أذن لماذا نحن جاحدين لفطاحلة فكرنا ومنهم الوردي ؟!!

ولكن للاسف هذا هو ديدننا ننكر رموزنا الخالدة ونتشبث بخرافات السعالي العقيمة … وننكر فلاسفتنا ونتمسك بجهلاء لا علم لهم غير في الطهارات والنجاسات وكيف كان يمشي الرسول وكيف كان يحني لحيته او كيف يذبح اعداءه وهو باسم الوجه !!

فهل ان امثال هؤلاء من نحتفي بهم ونعلي ذكراهم والذين تركوا بصمة خالدة نهملهم ؟؟!!

أتصور ان الزمن كفيل بان يجيب عن سؤالي … واتمنى ان لا يكون بعيدا ..

وهناك معلومة جد مهمة وهي ان الوردي الكاتب العربي الوحيد الذي هو صاحب اكثر الكتب مبيعا ؟؟ وهو الوحيد منهم من يرفض طبع نسخ اضافية اذ هو يحدد عدد النسخ التي ستطبع (( اي بمعنى هو غير مهتم بالمال بقدر مايهتم بايصال فكرته للقارئ )) .

فهو اعطى مالم يعطي غيره عطاءا غير محدود حتى انه تعرض لمضايقة جميع السلطات التي تعاقبت على حكم العراق من العهد الملكي الى العهد البعثي حتى ان الطاغية صدام اتهمه ومن على التلفزيون العراقي بانه ( اي الوردي) مصاب بالشيزيفرنيا لمجرد انه شخص العلة الحقيقية لمجتمعنا العراقي بصورة خاصة والمجتمع العربي بصورة عامة وصارح نفسه اولا بهذه الحقيقة والتي يفترض ان ياتي بعدها العلاج من هذه العلل المستفحلة والمزمنة .

فاليس من المفترض ان نظهر له وهو في قبره على الاقل الشكر والامتنان عن طريق الاحتفاء بذكراه ؟؟

وأين ذهب كلام السيد رئيس الجمهورية واقتراحه قبل اكثر من ثلاث سنين باعادة اصدار المؤلفات الكاملة للوردي وانشاء مركز علمي يحمل اسمه ؟؟!!

ام هو فقط كلام من ضمن الكلام الكثير والذي يبقى بدون تطبيق فعلي على ارض الواقع ؟؟!!

الا يستحق على الاقل بان تحمل احدى جامعات العراق اسمه واقامة نصب تذكاري له في مدينة بغداد ، فشخص الوردي افضل من شخص السعدون الذي يحتل مكانا اكبر من حجمه وهو مجرد شخص ادعى الوطنية وهي منه براء (( ولا اريد ان اخوض في وطنية السعدون التي لاتخفى على كل من قرا تاريخ العراق الحديث )).

أو لماذا لا ياخذ مكان عبد المحسن الكاظمي في الكاظمية (مدينة الوردي ) والذي حقيقة لا يعرف العراقيين وانا منهم مالذي قدمه لنا هذا الكاظمي ذو العصى والعمامة , وربما الذي قدمه ليس اكثر من بضعة كليمات خاوية كاذبه لا فائدة منها .. نعم ان د . علي الوردي يستحق النصب التذكاري في هذا المكان تحديدا تعبيرا عن الامتنان ولكي يعرف الجميع من هو الوردي هذا الذي نبذ وسخر من الأكاذيب والموروثات والكتب الصفراء المتداولة والنهج العتيق البالي والذي فيه تغيّب العقول وتجعلها تصاب بالخمول والضمور .

اقولها وانا مسؤول عن كلامي … ذكرى الوردي هي خير من الجداريات التي تملا العراق من جنوبه الى شماله اذ هي تحمل صور نكرات لم يقدم اصحابها للعراق وللعراقيين غير اثارة الفتن وبسببهم اريقت دماء كثيرة واستحلت حرمة الانسان بدعاوى سمجة يضحك لها ويسخر كل من عرف التمدن والحضارة .

متى نعرف بان الرجال يقاسون بمطابقة القول مع الفعل ومتى ندرك واقعنا بعيدا عن تأثيرات الماضي ورواسبه ومتى نتعلم قراءة التاريخ بدون قدسية الاسماء ؟؟

فلابد من نبذ الكلام الوعظي الذي اصبح بالفعل يثير الغثيان والذي يعلم قائلوه انفسهم استحالة تطبيقه على النفوس البشرية والتي هي مجبولة على الخير والشر … اذ لا يمكن الغاء الشربالوعظ مهما قالوا ومهما صرخوا فالنفوس لا تتغير الا بتغير ظروفهم ((وهذه الحقيقة التي ركز الوردي عليها)) … فهل حاول رجل دين ولومجرد محاولة ان يغير واقعه فعليا قبل ان يطالب الجماهير بتغيير انفسهم بكلام طوباوي فضفاض ؟؟؟ !! .
وماهي فائدة رجل الدين في مجتمعاتنا التي فيها أصبح حتى الطفل الرضيع مفتيا وواعظا ؟؟!!

وفي الختام ..

اسال اقطاب حكومتنا الرشيدة جدا جدا حول تقصيرهم في ذكرى وفاة الوردي :

هل هذا سهو منكم … ام تصفية حسابات وانتقام من شخص الوردي ؟؟!!


وبهذه الذكرى أرفع اسمى ايات الشكر والعرفان للعلامة البروفسور د. علي الوردي واقول له وهو في قبره :

انت مخلد في افكارك وكتاباتك القيمة التي انارت لنا الظلمات وفتحت لنا الافاق ، وستبقى محفورة في عقولنا ولاتزول الا بزوالها ولا عليك بهؤلاء الجهلة الذين يريدون طمر افكارك واسمك لان افكارك أكبر منهم ومن منابرهم …………. ومن خطبهم الفارغة .

ورحمك الله ياوردي

مهند الحسيني