الرئيسية » المرأة والأسرة » المجتمع الكوردي وظاهرة العنوسة..!!

المجتمع الكوردي وظاهرة العنوسة..!!

في الحقيقة أن مناولة قضية العنوسة كظاهرة اجتماعية سلبية تحتاج منا إلى دراسات وأبحاث في غاية الأهمية لتشمل كافة الجوانب التي تحيط بهذه الظاهرة لنتمكن من معرفة مكامن الخلل والإشكالية والتداعيات البارزة لها والتي باتت تؤرق المجتمعات الشرقية بكافة طبقاتها الارستقراطية والفقيرة أيضا. يقول رسول الأمة (صلى الله عليه وسلم) في حديثه الشريف عن الزواج ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) . ففي ظاهرة العنوسة , وخاصة في المجتمع الكوردي الذي بدأ كغيره من المجتمعات الشرقية تتعرض إلى هذه المشكلة العويصة التي بدأت تظهر تأثيراتها السلبية المفزعة في وسط الشباب والبنات وخاصة الداخلات في سن الزواج ربما تكون من أحد الأسباب القوية في تأخر المجتمع الكوردي عن التطور الحضاري وإبقائه مرتبكاً و كهلاً ومتخلفاً في تفاعلاته الاجتماعية و الأسرية وحتى المعرفية والتنموية , من الضروري السعي بصورة مكثفة لإظهار الاسباب والتبعات لهذه المشكلة و العمل على إيجاد الحلول الناجحة لها وتحديداً من قبل الباحثين والدارسين والمهتمين بهذه القضايا الجديرة بالتركيز والاهتمام على صعيد المجتمعات ومعالجتها والتصدي لها قدر المستطاع كي نتمكن من اللحاق بمجتمعات المتحضرة …

في اعتقادي أن العوامل الحقيقية المؤدية إلى ظاهرة العنوسة أو التأخر ألزواجي هي كثيرة ومتعددة ومتداخلة في جوانبها الكثيرة .من هنا بإمكاننا أن نحدد مسبباتها الرئيسية ونستجمعها في زواياه ألاربعة 🙁 الاقتصادية والسياسية والعائلية والدينية ). أما الأسباب الجزئية الداعمة لظاهرة العنوسة فهي كثيرة ومتشابكة, كالفقر المدقع الذي يعاني منه الشباب بسبب البطالة الزائدة وعدم حصولهم لفرص العمل والهجرة المتساهلة إلى خارج البلد بدافع البحث عن لقمة العيش .والتفاوت الطبقي بين أفراد البلد الواحد من الناحية الاقتصادية والثقافية والعائلية والعشائرية وكثير من الشباب يجد صعوبة جمة في الحصول على زوجة تناسبه هذا بسبب الفروقات الاجتماعية والمالية والثقافية التي تقف عائقاً أمام بعض محدودي الدخل، والحالة ذاتها ربما تواجه الفتيات أيضا. ثمة جانب أخر مهم الا وهي البنات المقبلات على الزواج في سن مبكرة بسبب العيش في كنف أسرتها وهي غير معنية بالجانب الاقتصادي , أما الشباب فيحتاجون عقودا من الزمن ليتمكنوا من تجهيز أنفسهم اقتصادياً ومن ثم التفكير بالزواج, هذا الأمر الذي يجعل عدد الفتيات الجاهزات للزواج في ازدياد وتضخم, في الجهة الثانية نرى بأن الشباب المستعدين للزواج في تناقص وتباطئ فتزداد العنوسة في المجتمع الذي نتكلم عنه بشكل مضطرد .وثمة جانب آخر في غاية الأهمية في هذه القضية وهي تطلع الفتيات إلى رجل مثالي غير موجود أساساً كما تطلق عليه هي ( فارس الأحلام ) وقد تكون الفتاة نفسها سببا لعنوستها هذا بسبب رفضها لكثير ممن يطلبون يدها لغرض في نفسها من مال أو جاه أو مكانة اجتماعية, ناسية أو متناسية قوله تعالى 🙁 ولا تمشي في الأرض مرحاً انك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ً) . وكذلك إصرار الآباء والأمهات أو الأسرة مجتمعة على المهورالمرتفعة لبناتهن لغرض الفخر والمباهاة مما قد تسبب إعاقة لإتمام الارتباط الزوجي لعدم استطاعة الشاب بحصوله على المهر المطلوب وبالتالي تتم فسخ العلاقة من البداية وكلا يمضي في طريقه- فيبدو واضحاً أن سطوة المادة ستغير كل عاداتنا وتقاليدنا الجميلة والأصيلة نحو الدرك الأسفل . يقول رسول الأمة ( صلى الله عليه وسلم) فيما معناه ( أعظم الزواج بركة أيسره مهراً ) . أما الترويج أو الدعايات المغرضة بحق الفتيات العفيفات بطريقة كاذبة ومشوهة من قبل أنفار من أبناء جلدتها أو لربما من جهات لها غايات أو مأرب تخدم هذه الدعايات , والتي قد تطيح بمستقبل الفتاة إذ أن مجتمعنا الكوردي مازال يؤمن بهذه الأقاويل وهذه الدعايات ويأخذ على محمل الجد دون التأكد أو السعي لمعرفة الحقيقة. وهنا ينبهنا رب العالميين بقوله ( يا أيها الذين امنوا إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوم بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) .وثمة طائفة من الفتيات اللواتي يتبرجن أعلى من مجتمعهن التي يعشن فيه ويخرجن إلى الأماكن العامة بتردد ربما بقصد لفت أنظار الشباب إليهن ولكن هناك شريحة من الشباب يفضلن الفتاة المحافظة بل الملتزمة مما قد تربك المشهد بطريقة معكوسة لما أردن تلك الفتيات .أما ( المحيرات ) من قبل بعض الشباب المتخلفين وهي قضية بحد ذاتها غالباً تحدث بين الأقارب أو في وسط الأسرة الواحدة مما قد تأزم الارتباط الزوجي وتكون السبب في تعكير صفوة العائلة بكاملها. و من أسباب العنوسة أيضا عدم اختلاط بعض الأسر مع المجتمع فهي تعيش في عزلة تامة حفاظ على قيم ومبادئ تتبناها هذه الأسر…
إن الطريقة المجدية لمعالجة قضية العنوسة نعتقد انها تتطلب دراسات وترتيبات وقرارات وحلول فعالة وجادة من قبل الدولة وأصحاب الشأن-من المفكرين والاقتصاديين وأطباء نفسانيين, أهمها إيجاد سياسات اقتصادية مثمرة تستفيد منه المجتمع بكافة شرائحه وطبقاته المتدرجة. وفتح باب الجامعات والكليات والمعاهد في كافة محافظات القطر دون استثناء ليسنح للطلبة بمتابعة دراساتهم العلمية والأدبية , وإيقاف هجرة العمال وحاملي الشهادات الجامعية وخاصة أصحاب الاختصاصات إلى خارج البلد بتامين الوظائف والأعمال لهم بما يتلائم مع كفاءتهم وشهاداتهم وخبراتهم . ووضع مناهج تربوية اجتماعية تدرّس في المراحل الابتدائية وتتعلق بسلوكيات الفرد داخل الأسرة وتفاعلاتها بالمجتمع. ثم القضاء نهائيا على مظاهر الأمية المتفشية في مجتمعنا. والقيام بنشر الثقافة بشكل عام منها الثقافة الدينية التنويرية الصحيحة من خلال المنابر إلاعلامية الموجهة . والعمل من خلال إعطاء قروض الزواج مع التسهيلات الممكنة من قبل بنوك الدولة. إن تتحقق كل هذه الطلبات والرغبات والآمال أنفة الذكر عندئذ نستطيع أن نتخلص بكل سهولة من ظاهرة ( العنوسة ) ونعيش عالماً جميلاً ومزدهراً وحضارياً بعيداً عن الكهولة القصرية …؟!