الرئيسية » مقالات » و يسئلونك عن الفرق …….!

و يسئلونك عن الفرق …….!

لعله من البساطة والسهولة بمكان ، أن يسال المرء سؤلا على نموذج المقارنة أو إيجاد الفرق مابين أمرين أو شيئين مختلفين أو حتى متناقضين ، ولكنه في الوقت ذاته يشكل أساسا للبحث في جوهر الأمرين والحالتين .
ففي ظل أتفاق الطائف والذي يعتبر المرجعية الأساس لكافة الطوائف اللبنانية من مسيحيين ومسلمين وأقليات عرقية نجحت التجربة اللبنانية وان جاءت بعد حرب أهلية طويلة وطاحنة ، وأنجزت الديمقراطية حتى ولو كانت على “الطريقة اللبنانية ” فأصبحت السياج الذي يحمى هذا التعايش الطائفي المتعدد ، بل و أن الممارسات السياسية سواء داخل البرلمان أو في المنتديات المختلفة أو حتى في الشارع اللبناني كانت تتم بشكل سلمي وحضاري ينم عن وعي وإدراك و دونما انتهاكات واعتداءات .

رغم انه يوجد في لبنان أكبر مثال للتنوع البشري ضمن المنطقة العربية والشرق أوسطية ويكاد يشبه إلى حد كبير الحالة الهندية التي نجحت فيها التجربة الديمقراطية منذ زمن أيضا ، فمن بين سكان لبنان البالغ عددهم 3.5 مليون نسمة يوجد95% من يعتبرون أنفسهم عربا ، و 5% من أقليات أخرى كالأرمن و الكورد و الأشوريين وفئات صغيرة أخرى.
ومن الناحية الدينية ينقسم لبنان إلي قسمين :
الأولى بنسبة 60% من المسلمين ،الذي بدوره ينقسم إلى فئات تشكل الشيعة نسبة تقارب 60% أما النسبة الباقية فهي موزعة على السنة والموحدين الدروز .
والنسبة الثانية أي 40% فهي من المسيحيين الذين يتوزعون علي 17طائفة ، أكبرها هي الطائفة المارونية .

وطبقا لاتفاق الطائف يستحوذ الموارنة علي عدد كبير من المناصب الهامة في الدولة كرئاسة الجمهورية وعدد من الوزارات السيادية ، وهذا حق لان النظام السياسي التعددي الحالي والمعمول به في لبنان ليس وليد صدفة أو نتيجة لتدخل خارجي ، حيث أن هذا التدخل الذي سعى في كثير من مراحله ولسنين طويلة إلى نسف هذا الانجاز ، إنما هو بحق نتيجة نضال الشعب و الكنيسة المارونية وزعيمها الروحي البطريرك مار نصر الله بطرس صفير معا حيث جعل من الكنيسة المارونية الحاضنة والموجهة الأساس لكل هذه الانجازات عبر التفكير الجدي في إرساء الدعائم الأساسية للوصول إلى بناء وطن تعددي يضمن الحريات الأساسية للجميع .
هذا الوطن الذي يعتبر من أكثر الدول العربية تعقيداً وتنوعاً من الناحية الاثنية، فعلي الرغم من أنه أصغر مساحة وأقلها سكاناً، إلا أنه يضم أكبر مجموعة من التكوينات الطائفية والمذهبية الموجودة في المنطقة العربية .

وتبين النسب السابقة انه لا يمثل أي من هذه الطوائف نسبة ثلث السكان ولبنان لا يعكس أغلبية إنما هو مجموعة من الأقليات الطائفية ، و تتعايش هذه الطوائف جميعا من موارنة وروم وسنة وشيعه ودروز إضافة إلى الأقليات القومية ، بشكل ديمقراطي وتنعم جميعها بالتالي بالممارسة الديمقراطية وما يصاحبها من حريات سياسية وثقافية الذي يشكل بحد ذاته صمام الأمان في تعايش الشعوب بمختلف مشاربها ومبادئها ومعتقداتها واتجاهاتها .

كما في سوريا تنوع قومي و طوائف عديدة أيضا ، وان السكان الذين يقدر عددهم بنحو 18 مليون نسمة وفق آخر إحصائية رسمية أجرتها الدولة السورية في العام 2003 ولكن لا توجد حتى إحصاءات رسمية لما تشكله هذه القوميات والطوائف من نسب نتيجة لعقلية نظام الحكم الشمولي و الذي لا يقبل ولا يعترف بالآخر .
ولكن الإحصائيات الغير رسمية للتنوع القومي في سوريا تأتي على الشكل التالي :
أولا – العرب ويشكلون نسبة تقارب ال 80% تتضمن الطوائف التالية :
– 75% من السنة
– 10% من العلويين
– 9 % من المسيحيين
– 3% من الدروز
– 1 % من الشيعة
ثانيا – الكورد وتبلغ نسبتهم إلى نسبة مجموع السكان حوالي 14 % وتتضمن الطوائف التالية :
– 89% من السنة
– 11% من طوائف أخرى أهمها الزردشتيين
ثالثا – 5% من القوميات الأخرى كالأشوريين والأرمن والكلدان والسريان وهي من الطائفة المسيحية
رابعا – 1% أو كثر قليلا من الشراكسة و التركمان وهي من السنة

ولكن شتان بين تعايش القوميات والطوائف وكافة مكونات المجتمع والفرق كبير بين كلا البلدين “سوريا ولبنان” ففي الأولي تلاقي التمييز و الاضطهاد والتجاهل وانتهاكات للحقوق المدنية والسياسية و الإنسانية ، وذلك بسبب سياسة القمع التي تعتبر شعارا للنظام السوري القومي العربي البعثي الذي يعتبر الآخر وكل ما هو غير علوي وبعثي في سوريا ، مشروعا للانفصال وتهديدا لكيان الدولة كما انه ضد و معرقل للوحدة العربية …..!.
و لا تزال الأقليات القومية والطائفية السورية تحلم بالحرية السياسية والثقافية حتى مجرد التحدث باللغة الأصلية للملايين من أبناء هذا الوطن ناهيك عن الاعتقالات بلا محاكمة ولا مبرر قانوني ولا أخلاقي بحق المناضلين الوطنيين من كورد وعرب وآشوريين وأرمن ….الخ
والتضييق على حريات الناس وسياسة كم الأفواه وسياسة القتل والإبادة الجماعية والاختطاف كل ذلك بحجة الحفاظ على الوحدة الوطنية ومنع الفتن الطائفية وضمان سلامة أبناء الوطن الواحد.

كما انه أي النظام الحاكم في دمشق لا يرغب في بقاء النظام اللبناني على ما هو عليه وذلك لأسباب تتعلق به وبديمومته ويخاف من انتقال النموذج اللبناني إلى الداخل السوري وتحقيق الديمقراطية في البلاد مما يفقده أي مبرر في الحكم ، ولقد مارس خلال عقود وخاصة في فترة الوصاية المشهودة كافة الضغوط في سبيل تغيير هذا النظام الديمقراطي أو إدخال تعديلات على دستوره حتى ولو من خلال تحريك أتباعه وذلك عبر التصويت على هذه التعديلات في البرلمان اللبناني وفي مناسبات سياسية عديدة ومختلفة أو عبر سياسات تدخل أمنية وافتعال المشكلات الداخلية ابتداءّ من محاولة اغتال الوزير السابق مروان حمادة واغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005 مرورا بقافلة شهداء الحرية التي تكاد لا تنتهي أمثال جورج وسمير وجبران وبيير ………إلى آخر من سقطوا دفاعا عن نظامهم البرلماني وحرية وطنهم وشعبهم .
إلى التفجيرات المتنقلة وأحداث البارد وانتهاء بالغزوات المتنقلة من بيروت إلى البقاع والشمال التي قد لا تكون مع الأسف ليست الأخيرة ولا هي النهاية .

ولكنه فشل حتى الوقت الراهن مما يعكس الوعي الوطني والسياسي عند القادة اللبنانيين من مرجعيات دينية وسياسية وحزبية ومن كافة الطوائف إسلامية ومسيحية ويلعب البطريرك الماروني اليوم أيضا ذلك الدور الريادي وهذه المرة في الحفاظ على الانجازات التي حققتها الكنيسة المارونية على مستوى البلاد ككل .
نعم لقد فشل النظام السوري بإلحاق النظام اللبناني بركبه في الفترة السابقة و يحاول الآن وعبر البقية المتبقية من حلفائه أن يعيد التجربة عسى أن تجدي هذه المرة وينسى المثل القائل : ” من يجرب المجرب عقله مخرب ”

* فرحات عبد الرحمن علي : ممثل حزب يكيتي الكوردي في لبنان منذ عشر سنوات و سجين سياسي سابق اختطف بالتعاون بين أجهزة المخابرات العسكرية السورية واللبنانية عندما كان العميد ريمون عازار رئيسها دون مسوغ قانوني أثناء حكم نظام الوصاية السوري ، حكم عليه من قبل محكمة امن الدولة الاستثنائية في دمشق خمس سنوات أشغال شاقة قضى ثلاثا منها في معتقل صيد نايا العسكري وحرم بنتيجتها من كافة الحقوق المدنية والسياسية ومنع من السفر وحسب قرار الحكم هو تحت الإقامة الجبرية بتهمة الانتماء السياسي ومحاولة اقتطاع جزء من الأراضي السورية وإلحاقها بدولة أجنبية .