الرئيسية » التاريخ » موقف الحكومة العراقية من القضية الكوردية في العراق في المرحلة الاولى من عهد الاستقلال 1932-1939 الحلقة العاشرة

موقف الحكومة العراقية من القضية الكوردية في العراق في المرحلة الاولى من عهد الاستقلال 1932-1939 الحلقة العاشرة

رسالة تقدمت بها الطالبة/كافي سلمان مراد الجادري
لم تكن الاوضاع الصحية , ولا واقع الخدمات الاخرى في كردستان احسن حالاً من وضع التعليم فيها .
عانت الاوضاع الصحية في معظم انحاء العراق من مشكلات وصعوبات جمة. ارتبطت اساسا بالتخلف العام , وضعف الوعي الصحي , وعدم الاهتمام الرسمي بهذا القطاع الحيوي والمهم لحياة البلاد . فعلى سبيل المثال خصصت الحكومة في السنوات 1934 – 1935 ,وفي الفترة التي شهدت كردستان غلياناً سياسيا لاسيما بعد قيام انتفاضة خليل خوشوي(4), 8.8 ? من الميزانية العامة للتعليم والصحة , في حين ذهبت 22 ? من الميزانية للجيش و 15 ? للشرطة(5). واذا انتقلنا الى التخصيص اكثر نجد صورة الواقع الصحي اكثر قتامة . فعشية الاستقلال بلغ عدد الاطباء في العراق (82) طبيباً لخدمة اربعة ملايين نسمة, هم عدد سكان البلاد انذاك, بلغت حصة كردستان ارقاماً ضئيلة للغاية , شكلت انموذجاً صارخاً لتردي الاوضاع الصحية في كردستان خاصة , والعراق عموماً(1) .
كذلك فان الخدمات الصحية في كردستان كانت متواضعة للغاية , وافتقدت مدن المنطقة الى المراكز الصحية والمستشفيات مما تسبب في انتشار انواع عدة من الامراض . وجاء في التقرير الذي قدمه الطبيب فيتز باترك (Fits Patrick ) عن الاوضاع الصحية في لواء اربيل عام 1936 , والذي يبدو فيه , ومن غيره من المعلومات الرسمية التي تعود الى العام ذاته , ان حوالي ثلث سكان اللواء كانوا مصابين بشتى انواع الامراض(2) . وكان مرض الملاريا اكثر الامراض انتشاراً في اربيل , كما في عموم كردستان طوال السنوات التي اعقبت حقبة الاستقلال(3) ودفع انتشار مرض الجدري في السليمانية , وفي اجزاء من كردستان, متصرف السليمانية توفيق وهبي , الى مطالبة السلطات الحكومية في بغداد بضرورة انشاء مستشفى حديث لمواجهة الظروف الصحية المتردية للمواطنين , لكن طلبه لم يلق الاستجابة اللازمة(4) .
وكذلك عانت معظم مدن كردستان من نقص حاد في مياه الشرب وخدمات الكهرباء والنقل . وبطبيعة الحال انسحب هذا التردي في الخدمات في مراكز المدن , بصورة اكثر شمولاً على الاقضية والنواحي(5) والقرى التابعة لها . ففي عام 1937 ناشد اهالي كويسنجق في عرائض الى المسؤولين في الدولة الالتفات الى مطاليبهم بمعالجة شحة مياه الشرب وضعف خدمات الكهرباء في القضاء , كما طالبوا بفتح طريق للسيارات يربط كويسنجق بالمناطق المجاورة لها(1).
وقد ارتبط واقع تردي وضع الخدمات العامة بنقص اعداد الموظفين والعاملين في قطاع الخدمات . فمثلاً بلغ عدد رجال الشرطة المسؤولين عن حفظ الامن واستتبابه , من الضباط والمراتب الاخرى في عام 1934 , في كل الالوية الشمالية( عدا الموصل ) (1781) فرداً معظمهم , خاصة في سلك الضباط , كانوا ممن لايجيدون اللغة الكردية . في حين لم يبلغ عدد من كانوا يعملون في مجال خدمات البريد والهاتف سوى بضعة انفار(2) .
وتعكس الفجوة الكبيرة في الاعداد في المجالين طبيعة التوجهات العامة للسياسات الحكومية خلال تلك الحقبة , على الرغم من ادعاءات السلطات المركزية عن تطوير واعمار المنطقة . ولعل من المناسب ان نقارن تلك الادعاءات الحكومية مع ادعاءات مماثلة لسلطات الانتداب البريطاني في تقاريرها الرسمية التي كانت ترفعها الى عصبة الامم عن سير الادارة في العراق ونشير في هذا الصدد الى الملاحظة المهمة التالية التي اوردها السير هاملتون , المهندس البريطاني الذي اشرف على افتتاح طريق راوندوز الشهير للسيارات , عندما اشار الى حديث دار بينه وبين احد المسؤلين البريطانيين , نجد ان التقارير التي كانت ترفعها السلطات البريطانية المسؤولة في العراق الى عصبة الامم , وكيف انها كانت , في غالبيتها مغايرة للواقع , اذ ذكر ما نصه (( المأثور عنا بأننا اكملنا تثقيف القوم تماماً (يقصد العراقيين) , على الاقل هذا ما يستنتج من تقاريرنا الكاذبة الى عصبة الامم))(3).
كان من الطبيعي ان يتحول هذا الواقع الى عامل اضافي ساهم في استياء الناس وتذمرهم من الحكومة , وانعكس في حالات غير قليلة في سلسلة من المواجهات والحركات بين الكرد والسلطة المركزية .
الفصل الثالث موقف الحكومة العراقية من الانتفاضات الكردية 1921-1939
المبحث الاول : موقف الحكومة العراقية من الشيخ محمود البرزنجي
المبحث الثاني : موقف الحكومة العراقية من القضية البارزانية
المبحث الاول : موقف الحكومة العراقية من الشيخ محمود البرزنجي
– نبذة تاريخية عن موقع الشيخ محمود في القضية الكردية وموقف الحكومة العراقية منه – فترة نفي الشيخ محمود الى جنوب العراق ووسطه والموقف من انصاره
– نبذة تاريخية عن موقع الشيخ محمود في القضية الكردية وموقف الحكومة العراقية منه
هو الشيخ محمود بن الشيخ سعيد ( 1882 – 1956 ) , اشهر زعيم ديني وسياسي في كردستان الجنوبية حتى الثلاثينيات , من اسرة سادات البرزنجية . ترأست هذه الاسرة الطريقة القادرية الصوفية , وقد ورث الشيخ محمود رئاسة هذه الطريقة , لذلك عرف بالحفيد , اي حفيد الاسرة البرزنجية(1). ادى دورا هاما في صياغة العلاقات الكردية – البريطانية في مراحلها الاولية. وقد ظهر الشيخ محمود الحفيد كابرز شخصية كردية بعد الحرب العالمية الاولى(2).لذا سعى الانكليز عند دخولهم كفري الى ارسال عدد من الرسائل الى الشيخ محمود لكسبه الى جانبهم وفي الوقت الذي كان الاتراك , ولاسباب نفسها, قد اوكلوا اليه ادارة السليمانية نيابة عنهم , اثر خروجهم من المدينة عند انتهاء الحرب العالمية الاولى(3).
وعندما بدأت كفة الوضع تميل لصالح البريطانيين في كردستان , بادروا الى تعيين الشيخ محمود في اواخر العام 1918 حكمداراً على السليمانية (4) .
ولكن سرعان ما تبدل الموقف البريطاني تجاه الشيخ محمود الذي بدأت طموحاته تتعارض مع السياسية البريطانية التي حاولت حصر نفوذه في حدود السليمانية , لا سيما بعد تنامي الشعور القومي لدى الكرد الذين كانوا يتطلعون الـى حكومه الشيخ محمود كخطوه اولى نحو توحيد كردستان تحت الرعاية البريطانية(5) .
بدأت المواجهة المباشرة مع البريطانيين حينما صمم الشيخ محمود على مقاومة الخطط البريطانية بشأن كردستان , فبدأ يجري اتصالاته بروساء القبائل الموالين له , والناقمين على سلطة الاحتلال(1) .
اعد الشيخ محمود قوة مؤلفة من ثلثمائة مقاتل بقيادة احد اتباعه الذي قام بمهاجمة الحامية المحلية في مدينة السليمانية والسيطرة عليها(2). ثم القى القبض على الضباط والجنود البريطانيين الذين كانوا فيها وزج بهم في السجن , كما استولى على خزينة المدينة(3).
ولم يمر سوى وقت قصير حتى امتدت شرارة الاحداث الى حلبجه , اذ ثارت العشائر الموالية للشيخ محمود واستولت على المدينة(4). ثم تقدمت قواته نحو كركوك عند مضيق (طاسلوجه )(5) فجرد البريطانيون قوة لمواجهتـه فهزمت من قبل قوات الشيخ .التي ما لبثت ان استولت على رانية (6)وكويسنجق(7).
بادر البريطانيون الى اعداد حملة كبيرة لمواجهة الشيخ محمود , اتجهت نحو جمجمال(8). فتحصن المقاتلون في مضيق ( دربندي بازيان )(9), التي جرت عندها معركة كبرى بين الطرفين , استطاع البريطانيون خلالها من الالتفاف والتسلل من وراء المقاتلين ومن ثم تطويقهم, وقد جرح الشيخ محمود واخيه الشيخ قادر خلال المعركة , وتم اسرهما , وذلك في الثامن عشر من حزيران عام 1919(1) .
حكم على الشيخ محمود بالاعدام , ثم استبدل الحكم بالنفي الى جزيرة هنجام في المحيط الهندي تحسبا من اثارة الاضطرابات في كردستان , في الوقت الذي كان البريطانيون يمرون فيه بظروف حرجة في العراق عموما(2) .
منذ القضاء على انتفاضة الشيخ محمود الاولى عام 1919 ولحين عودته ثانية من منفاه , شهدت كردستان سلسلة من المواجهات والاضطرابات مع سلطات الاحتلال البريطاني(3). مما اضطر هذه السلطات الى التفكير في اعادة الشيخ محمود من منفاه الى السليمانية وتشكيل حكومة كردية تحت اشراف بريطاني وفق حدود رسمتها له(4).
بالرغم من ان الشيخ محمود قد اظهر رغبة في تنفيذ السياسة التي عرضتها عليه الحكومة البريطانية قبل عودته , لكن سرعان ما شرع باتباع سياسة اخرى بعد تسلمه السلطة(5). فقد بدأ يتطلع الى توسيع حدود ادارته بضم مناطق كردية اخرى اليها خاصة كركوك(6). وطرح فكرة اجراء استفتاء لسكانها لغرض جعلها الى جانب السليمانية, جزءً من ادارته , لكن السلطات البريطانية رفضت الفكرة(7).
اخذ الشيخ محمود بمرور الايام يعزز نفوذه في المنطقة بين العشائر الكردية, كاسبا المزيد منها الى جانبه , كما حصل على دعم ومساندة الكماليين في تركيا(8).هذه التطورات اثارت مخاوف البريطانيين الذين بدأوا يتحينون الفرصه للتخلص منه .
بدأت المواجهة بين الطرفين عندما اخذ الشيخ محمود يعد العدة لهجوم يشنه على كركوك ليضمها الى ادارته , فانذرته السلطات البريطانية بوجوب ترك السليمانية, وهددته باستخدام القوة الجوية البريطانية ضده (1) . فتركها وقصد الجبال المحيطة بالسليمانية , قبل ان تقوم الطائرات البريطانية بقصف المدينة في الرابع من اذار عام 1923 , ودخولها السليمانية(2) .
غير ان الشيخ محمود عاد ودخل السليمانية ثانية وذلك بتاريخ الثالث والعشرين من تموز عام 1923 بموافقة البريطانيين بعد ان فشلت جهود هؤلاء في اقناع شخصيات كردية اخرى بقبول تولي ادارة السليمانية , مع وجود الشيخ محمود على مقربة منها (3) .
ولكن سرعان ما نكث البريطانيون بوعودهم للشيخ , ففي صيف عام 1924 شنت القوات البريطانية , وتشاركها قوات عراقية عمليات عسكرية ضده اشتركت فيها طائرات سلاح الجو البريطاني . ودخل الجيش العراقي السليمانية في التاسع عشر من تموز عام 1924(4). غير انها فشلت في القبض على الشيخ الحفيد , او درء خطر الهجمات التي كان يقوم بها اتباعه , لذلك ارتأت وزارة عبد المحسن السعدون الثانية ( 26 حزيران عام 1925 – 1 تشرين الثاني عام 1926 ), بعد ان فشلت سياسة الوعيد والترهيب مع الشيخ محمود ان تلجأ الى الاتفاق معه, فتقرر ارسال مستشار وزارة الداخلية كورنواليس الى السليمانية في تشرين الاول عام 1926 (5) .
تمخض الاتفاق الذي تم بين الحكومة والشيخ محمود في التاسع من تشرين الاول عام 1927 عن موافقة الشيخ على الاقامة خارج الحدود العراقية , وبالتحديد على الحدود الايرانية, وعدم ممارسة اي نشاط سياسي يمس الحكومة العراقية(1) , وبدورها تعهدت الحكومة باعادة املاك الشيخ المصادرة , كما اصدرت عفوا عاما عن اتباعه ومناصريه (2) .
على اثر الاضطرابات التي اعقبت الانتخابات النيابية التي جرت في ايلول عام 1930 في السليمانية, بدا واضحأ ان الشيخ كان يهيأ نفسه لمواجهة الحكومة من جديد , بعد ان بدأ اتباعه بتنظيم صفوفهم(3) .
وفي العاشر من ايلول عام 1930 كتب وزير الداخلية جميل المدفعي رسالة الى الشيخ محمود تظمنت اشارة الى الشكوك التي كانت تراود الحكومة العراقية من تحركات الشيخ , كما ارسل في التاريخ نفسه وكيل المندوب السامي البريطاني في العراق رسالة مماثلة الى الشيخ محمود لتذكيره بالوعد الذي التزم به مع الحكومة العراقية بعدم القيام باي عمل يقلق السلام , ويخالف شروط الاتفاق السابق مع الحكومة العراقية(4) . وهدد الطرفان العراقي والبريطاني الشيخ محمود باتخاذ اجراءات عنيفة ضده اذا ما فكر في دخول الاراضي العراقية مرة اخرى(5).
تجاهل الشيخ محمود تحذيرات الحكومة العراقية فدخل الاراضي العراقية من جديد على راس قوة مسلحة مؤلفة من مائتي مقاتل , ولم يمض وقت قصير حتى تمكن الشيخ من السيطرة على السليمانية , وواصل زحفه نحو كركوك , فوصلت قواته الى الغرب من بلدة كفري(6) .
حينها اعلنت الحكومة العراقية ان الاتفاق الذي سبق ان ابرمته مع الشيخ محمود عام 1927 يعد لاغيا من جانبها(1) . وشرعت باتخاذ الاجراءات التي من شأنها اجبار الشيخ على الانسحاب نحو الشمال ومنعه من الهرب (2) .
وتجدر الاشارة الى ان المصادر البريطانية تشير الى ان الشيخ محمود كان قد حصل على مساندة اطراف كردية اخرى , فقد شرعت احدى الجمعيات السرية الكردية في الموصل باجراء اتصالات مع قادة الكرد في السليمانية وعقرة وبارزان , وشيوخ السورجيه لدعم الشيخ محمود(3) . كما ان المصادر نفسها تؤكد على قيام الشيخ محمود والشيخ احمد البارزاني وزعماء عشائر اخرون بتبادل الرسائل فيما بينهم للعمل معا على تحقيق استقلال كردستان (4).
اشتبكت القوات العراقية , تساندها الطائرات الجوية البريطانية , مع قوات الشيخ محمود في الخامس من حزيران عام 1931 في معركة عنيفة في قرية (اوباريك )(5) (ابو البراق ) بناحية كل , تمكنت خلالها الحكومة بمساعدة مناهضي الشيخ محمود من الكرد , من الحاق الهزيمة بقوات الشيخ فاضطر الى التخلي عن السليمانية , والانسحاب الى داخل الاراضي الايرانية (6). وبطلب من الحكومة العراقية امرته السلطات الايرانية بمغادرة اراضيها , فاضطر الى ان يكتب الى السكرتير الشرفي للمندوب السامي البريطاني في العراق , مظهرا رغبته بمناقشة شروط الاستسلام(7) , وهي الابقاء على حياته , وان ترتب له مخصصات من واردات اراضيه, وان يسمح له بالاقامة مع عائلته في مكان تعينه الحكومة العراقية(8) . وفي الثالث عشر من ايار عام 1931 استسلم الشيخ محمود في بنجوين , فارسل تحت حراسه مشددة الى السليمانية يوم الرابع عشر من ايار ومنها الى بغداد , ثم الى مقر اقامته الاخير في الناصرية التي استقر فيها حتى عام 1933, ثم أعيد الى بغداد ووضع قيد الاقامة الجبرية (1) حتى عام 1941, عندما تمكن من الهرب والعودة الى السليمانية(2).

التآخي