الرئيسية » مقالات » حقبة السيستاني

حقبة السيستاني

إذا ما صحّ القول إن المرجع الشيعي الأعلى آية الله علي السيستاني ما زال يتحصّن بين الرموز ويمارس إستراتيجية “الغموض المتعمد”، من دون أن يبدي رأياً واضحاً عشية موجات القتال الشيعي – الشيعي في البصرة ومدينة الصدر والمدن الجنوبية الأخرى ذات القاعدة الديمغرافية الشيعية العريضة، صحّ القول أيضاً تجنّبه الدخول على خطوط التماس بين أقطاب “الائتلاف الشيعي”، بهدف إضفاء مزيد من التماسك للكتلة الشيعية التي باتت متصدعة إلى حدّ كبير.
لقد أثبت آية الله السيستاني أنه صياد بارع يعرف كيف يطلق ناره في الوقت الملائم والاتجاه المناسب، وأصبح بالفعل سيد الموقف بلا منازع، تندفع التيارات السياسية الشيعية المختلفة للاختباء تحت عباءته وتتلقف وكالات الأنباء تصريحاته، على الرغم من أنه لا يلتقي برجال السياسة ولا يتحدث للصحافيين إلا لماماً، وهو أسلوب يندرج أيضاً في إطار إستراتيجية “الغموض المتعمد”، ذلك أن الرجل “الصامت” القابع في صومعته في النجف هو في الوقت ذاته كثير الكلام حين يتسابق آخرون في التصريح باسمه للعب الأدوار المتباينة. وكثيراً ما يتخذ هؤلاء مواقف غامضة أو متناقضة، وليس من المبالغة في شيء القول إنه بات على يد وكلائه نسخة مكررة من سياسة الـ “لعم”، حيث يفاجأ العراقيون بين الفينة والأخرى بتصريح يدعي صاحبه بأن آية الله السيستاني قاله، وما أن تمر فترة زمنية حتى يقول السيستاني نفسه أو أحد المقربين منه إنه لم ينطق بمثل هذا الرأي، ربما ليس من باب ممارسة لعبة الغموض المتعمدة فقط، بل قد يكون ثمة توزيع للأدوار في إطار الحلقة الضيقة المحيطة به أيضاً. وفي إطار هذه التصريحات المتناقضة، يستطيع المرجع الشيعي الأعلى أن يختفي أو يظهر على سطح الأحداث ساعة يشاء وكيفما يشاء.
وما خلا بعض التصريحات المنسوبة إليه التي يطلقها متحدثون باسمه تطالب الجمهور الشيعي حينًا بـ”ضبط النفس والتزام الهدوء وتجنب أي مواجهة مسلحة” بين الفئات الشيعية المختلفة، وتحذّره حيناً آخر من اندفاعة غير محسوبة قد تنذر بتهديد مكاسب مضمونة للشيعة، وتضع الطائفة في فوهة المدفع. لكن سياسة “الغموض المتعمد” ظلت أحد الثوابت التي تمسك بها آية الله السيستاني في القتال الذي تفجر بين “جيش المهدي” بزعامة مقتدى الصدر من جهة والقوات الحكومية من جهة أخرى. وكان موقف المرجعية الحذر من القتال تجسيداً لهذه السياسة، ربما بانتظار فرصة مواتية أتاحها اقتراب اندحار “جيش المهدي” في عدد من المدن الجنوبية، الأمر الذي منحه القدرة على فرض نفسه لاعباً “معتدلاً” لن يستطع أحد، بعد الآن، تجاهل دوره المركزي في اللعبة السياسية الداخلية.
وبالفعل، فقد برز مقتدى الصدر إلى واجهة المشهد الشيعي وبدا وكأنه يندفع لتنفيذ انقلاب واسع داخل طائفته، بل ربما على المسرح العراقي برمته، حينما سعى إلى تمييز حوزته “الناطقة” عن مثيلتها “الصامتة”، وهو تمييز يضرب بجذوره عميقاً في المؤسسة الدينية الشيعية، ويتجسد في الخلاف التقليدي الذي شهدته الساحة الشيعية العراقية في مطلع القرن الماضي بين علماء الدين ذوي الأصول العربية ونظرائهم ذوي الأصول الفارسية، في تلميح صريح إلى دور المرجعية العليا لآية الله علي السيستاني، إلا أن هذه الاستعارة التاريخية بدت وكأنها أشبه بتحدي طالب في مقاعد الدراسة الأولية لأستاذه.
أدرك آية الله السيستاني بعمق أن خطوط التماس الشيعية – الشيعية تحول بطريقة أو بأخرى إلى “إرباك” اللعبة السياسية الجارية، فهو لا يستطيع الانحناء أمام نتائجها التي أضحت تهديداً جدياً لهيبة المرجعية العليا نفسها، وبالتالي لم تتوان الأخيرة في طرح ورقة “القانون هو السلطة الوحيدة في البلاد”، مما يشير إلى أنها تدعم بصورة لا لبس فيها جهود رئيس الوزراء نوري المالكي الهادفة إلى تهميش “جيش المهدي” والتعبير عن تأييده للحكومة المركزية التي استثمرت هذا المناخ المستجد لتعزيز شرعيتها ووجودها السياسي.
لقد برزت هذه المهارة في أجلى صورها في التصريحات التي نقلت على لسان آية الله السيستاني أن الأخير “لا يوافق على جيش المهدي، ويدعوه إلى إلقاء سلاحه”، وهو أحد التصريحات التي جرى تأكيدها ونفيها بأشكال متعددة. وفي معزل عن المبالغات التي رافقت الحملة العسكرية ضد “جيش المهدي”، فقد كانت التصريحات المنسوبة للمرجع الشيعي الأعلى أشد تأثيراً على ترجيح كفة الحكومة المركزية بعد أن راجت تصريحات مفادها أن آية الله السيستاني بارك جهودها، ثم ظهرت في ما بعد تصريحات مناقضة مفادها أن السيستاني ينأى بنفسه عن التدخل في دعم تحالف دون الآخر، لكن هذه التصريحات جاءت بعد أن “وقع الفأس بالرأس” كما يقول المثل الدارج، وسكتت المدافع على خطوط التماس الشيعية – الشيعية باندحار جلّي لـ “جيش المهدي”.
وبالرغم من أن البعض يعتبر السيستاني بمثابة “صمام أمان” للعملية السياسية الجارية في العراق الآن، فإن استمرار الغموض في نهجه السياسي يسمح للاعتقاد بأن تمسكه بهذا النهج ليس سوى نوع من “لعبة الرموز”، فهو رجل ينقل عنه لكنه لا يتحدث، مما يتيح له لاحقاً تأكيد ما يبتغيه أو نفيه، حسب الحاجة وحسب الظروف. وهو يظل في كل الأحوال الرجل المسيطر على كل شيء من دون حضور مباشر، بل إن حضوره غير المباشر أقوى من حضوره المباشر. السؤال هو: هل يستطيع آية الله السيستاني الاستمرار في هذه اللعبة في المرحلة المقبلة؟ ليست الإجابة على كل حال سهلة، إلا أن شخصيته ستظل “تربك” الجميع طالما بقي بعيداً عن الصورة، وحاضرا بقوة وإن عبر وسطاء.

كاتب وأكاديمي عراقي
zmuch@hotmail.com
المقال الاسبوعي المخصص لجريدة السيمر الاخبارية
والمنشور بتاريخ 19 . 08 . 2008