الرئيسية » مقالات » كلمة جبهة اليسار الفلسطيني يلقيها طلعت الصفدى عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني في المؤتمر الشعبي الأول للعمال العاطلين عن العمل

كلمة جبهة اليسار الفلسطيني يلقيها طلعت الصفدى عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني في المؤتمر الشعبي الأول للعمال العاطلين عن العمل

قطاع غزة يوم السبت 16/8/2008

في البدء دعوني أوضح بعض الملاحظات:
– البطالة تخلق حالة من عدم الاستقرار والتوازن في وضع الطبقة العاملة ، وهى ظاهرة حتمية الوقوع في ظل النظام الراسمالى وبقاء الاحتلال الاسرائيلى ، وهى تنشا بفعل قوانين الرأسمالية الاقتصادية.
– الاقتصاد الفلسطيني اقتصاد تابع وملحق للاقتصاد الاسرائيلى ، وهو المسئول الأول عن تفاقم الفقر والبطالة في المجتمع الفلسطيني .
– أي مجتمع يتكون من مجموعة من المؤسسات الإنتاجية والخدماتية والفكرية ، وأساس حياة المجتمع هو إنتاج الخيرات المادية مثل الغذاء واللباس والسكن … الخ ولا يمكن أن يعيش أفراد المجتمع دون حصولهم على هذه الخيرات ، ويتم الحصول عليها من خلال العمل والإنتاج ، ولهذا فان إنتاج الخيرات المادية هو أساس وجود وتطور المجتمع ، وعملية الإنتاج تشتمل على ثلاثة عناصر أساسية هي عمل الإنسان ووسائل العمل ومواضيع العمل.
– البطالة تعنى الفرد القادر على العمل ، والراغب فيه ، ويبحث عنه ، ولا يحصل عليه.

أولا:
الاحتلال الاسرائيلى هو المسبب الحقيقي في تضخيم حجم البطالة في المجتمع الفلسطيني بسبب سياساته العدوانية ، وكون الاقتصاد الفلسطيني تابع وملحق للاقتصاد الاسرائيلى ، بسبب الاحتلال وهيمنته على الإنسان والأرض الفلسطينية ، وطالما هناك أزمة بطالة في المجتمع الاسرائيلى ستنعكس بالضرورة آثارها على المجتمع الفلسطيني. وتعتبر مشكلة البطالة في الاراضى الفلسطينية من اكبر المشاكل التي تواجه الشعب الفلسطيني ، فالبطالة قنبلة موقوتة ، وذلك بسبب الاحتلال والممارسات المختلفة التي يتبعها من مصادرة الاراضى والاستيطان وإغلاق المعابر الحدودية وإقامة الحواجز العسكرية وبناء جدار الفصل العنصري الذي يلتهم الأرض ، وتدمير البني الاقتصادية والمشاريع والمصانع التي كانت تستوعب إعدادا من العمال ، وفرض قيود ومنع دخول المواد الخام اللازمة للصناعة مما يعرقل إدارة عملية الإنتاج ، وتدميره للأرض عبر الاقتلاع والتجريف والمصادرة والحصار المتواصل وإغلاق المنافذ كمعبر رفح والمطار والمنفذ البحري ومنع حرية التنقل وقصف الورش الصناعية ومنع العمال من العمل داخل إسرائيل … الخ كلها تغرق الشعب الفلسطيني في بحر البطالة التي تزداد يوما بعد يوم.وتمارس إسرائيل عملية تقطيع أوصال المناطق الجغرافية ومنع التواصل السكاني ، وعرقلة حركة التصدير والاستيراد، لقد أدت هذه الممارسات الممنهجة إلى إقصاء العمال عن العملية الإنتاجية وتراكم كبير لجيش العاطلين عن العمل ، مما يساهم في تردى الحالة الاقتصادية والاجتماعية وتحول جزءا منهم لتبنى أفكارا غير ديمقراطية بل ومتطرفة .
إن الاضطهاد القومي والطبقي الذي تتعرض له قطاعات العمال والشغيلة والفقراء تؤدى بالضرورة إلى اتساع رقعة النضال ضد الاحتلال ومن أجل الاستقلال الوطني ، ولهذا يبقى النضال من اجل الاستقلال السياسي والاجتماعي المهمة الأساس لنضال الشعب الفلسطيني وهو الطريق الوحيدة للتخلص من التبعية والإلحاق وعلى طريق بناء المجتمع التحرري الديمقراطي التقدمي تسوده العدالة الاجتماعية .

ثانيا:
مع احتلال الاراضى الفلسطينية تحول الاقتصاد الفلسطيني لاقتصاد تابع وملحق ، وكونه يفتقر لبنية تحتية اقتصادية تمكنه من الاعتماد على نفسه ، وهو لا يعمل بشكل مستقل عن التبعية بعجلة الاقتصاد الاسرائيلى ، وليس لدية إمكانيات استيعاب القوى العاملة الفلسطينية التي تربو عن نصف مليون عامل ، وبسبب من وجود اتفاقات اقتصادية مجحفة كاتفاقية باريس التي لم يجر تعديلها منذ أكثر من عشر سنوات ، وفى عدم الاستقرار السياسي والمجتمعي داخل مناطق السلطة الوطنية ،إما بسبب العدوان المتواصل وإما بسبب الصراعات الداخلية والانقسام أخيرا بين جناحي الوطن مما ساهم في هروب رأسمال الفلسطيني إلى الخارج بحثا عن الآمن والأمان ، وتخوف قدوم استثمارات إلى داخل الاراضى الفلسطينية ، وفى ظل استشراء الفساد الادارى والمالي والمحسوبية خلال العشرة سنوات السابقة ، وإهمالها لقطاعات إنتاجية واعتمادها فقط على قطاع الخدمات وتحويلها لأكبر مستخدم ، وما رافقه من هدر للمال العام وسوء الإدارة ومنع العمال الفلسطينيين من العمل داخل إسرائيل مما زاد من العبء على موازنة السلطة الوطنية ، ومعها تفاقمت مشكلة البطالة وزادت نسبة الفقر في قطاع غزة لتصل أكثر من 80% ،وفى غياب خطة إستراتيجية لمواجهة هذه المشكلة فقد تحول العاطلون عن العمل إلى متسولين يبحثون عن ما يسد رمقهم وأسرهم وأطفالهم ، وتحولت البطالة لسرطان ينهش الجسم الفلسطيني ويهدده بالخطر في أي لحظة . ( وأحد الأخطاء التي ارتكبتها السلطة الوطنية بعد الانقلاب في غزة أنها طالبت الموظفين العموميين بهجر مؤسساتهم ووزاراتهم وإفقادهم العمل والانتماء للوطن وللمؤسسة التي يعملون فيها وتراجع تقديم الخدمات للمواطنين ) .

ثالثا:
ومع تدنى إمكانات الدعم العربي في عملية إسناد الشعب الفلسطيني ، وتراجعه الواضح في المساهمة الفعلية بدوره في معركة الصراع الحقيقي مع الاحتلال الاسرائيلى ، وغياب تقديم حلولا ومساهمات جدية تساعد الشعب الفلسطيني على الصمود على أرضه ومقاومة الاحتلال والاستيطان ، ورفضها تشغيل أعدادا من العاطلين عن العمل من خلال خطة وطنية وبرامج معينة بالاتفاق مع الجهات المختصة بديلا عن الأجانب الذين يعملون في أراضيها ، وعدم تطبيق القرارات التي اتخذتها القمم العربية بدعم الشعب الفلسطيني والسلطة الوطنية إما بتشكيل صناديق دعم الانتفاضة ومتضرريها ، أو بالدعم المادي المباشر عبر مساهمتها في قيام مشاريع البنية التحتية الاقتصادية وتبنى عدد من المشاريع الإنتاجية التي تشكل أداة للصمود وتساهم ولو بشكل محدود في حل مشكلة البطالة وتلافى آثارها السلبية ، والكارثية ، ساهمت في ارتفاع نسبة البطالة لدى العمال والشباب وخصوصا خريجي الجامعات .

رابعا:
منذ البداية فقد ربطت الدول المانحة مساعداتها بأهداف سياسية ، ومع ذلك فقد تراجع حجم الدعم المعنوي والمادي حتى بعد مؤتمر أنا بوليس ومؤتمر باريس الاقتصادي ، وعمليات التمويل التي تقدمها الدول المانحة والراعية للاتفاقيات بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلى ، وفى نفس الوقت فإنها لم تمارس أية ضغوطا على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة للتوقف عن عدوانها على الشعب الفلسطيني ، ولم تنجح في إجبارها على رفع الحصار ووقف الاستيطان ومصادرة الاراضى ، وفتح أبواب العمل أمام مئات الآلاف من العمال الفلسطينيين للعمل داخلها للتخفيف من حجم البطالة ، وفى نفس الوقت فقد أحجمت الدول المانحة عن تقديم مساعدات لمشاريع إنتاجية ، واعتمدت فقط على تقديم الخدمات عبر المنظمات غير الحكومية التي استهلكت موازناتها دون تحقيق مردود واضح في تخفيف حدة البطالة .

خامسا:
لقد شكلت الطبقة العاملة الفلسطينية ونقاباتها العمالية أبان الاحتلال الاسرائيلى القوة المحركة الأساسية للنضال الوطني والطبقي ضد الاحتلال ، ولكنها في عهد السلطة الوطنية فقد تحولت هذه النقابات إلى نقابات سلطوية ، وتحول قادتها النقابيون إلى موظفي سلطة ، مما افقدهم الدور القيادي النقابي للحركة النقابية ، ولم تعد النقابات العمالية بؤرة ثورية تخوض نضالا سياسيا واقتصاديا وفكريا ، مما أعاق العمل النقابي الحقيقي ، وفقدت استقلاليتها بالمعنى الديمقراطي ، بل تحولت تابعة وملحقة ، وفقدت الطبقة العاملة ثقتها بالقيادة النقابية ، ولم تعد تعبر تعبيرا صادقا عن مصالح وقضايا ومشاكل العمال ، وفشلت في قيادة نقاباتها العمالية ، والتي تحولت في لحظة ما إلى مؤسسات خاملة لهذا الفصيل أو ذاك ، كما عجزت القوى الديمقراطية والتقدمية في تحويل هذه النقابات إلى مراكز نضالية اقتصادية ذات أبعاد سياسية ، وفشلت في تقديم قيادة موحدة للحركة النقابية بعد أن نازعتها الصراعات والهيمنة والتفرد ، مع غياب حركة عمالية موحدة ديمقراطية ومستقلة .
ولهذا كله فان مشكلة البطالة يكمن جوهرها في غياب إستراتيجية اقتصادية للسلطة الوطنية الفلسطينية ، وعدم حل القضية الوطنية كقضية تحرر وطني وليست قضية إنسانية ، وستبقى تؤرق الواقع الفلسطيني طالما بقى الاحتلال الاسرائيلى ، ومن هنا فلا بد من تعزيز النضال الوطني والاجتماعي ، وإنهاء حالة الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية على قاعدة كفاحية ، ولا يمكن أن ينعم الشعب الفلسطيني عماله وفلاحيه وكافة شرائحه المختلفة بحياة سعيدة ومضمونة طالما بقى الاحتلال الاسرائيلى وبقى الشعب الفلسطيني دون تحقيق أهدافه في الحرية والاستقلال والعودة .