الرئيسية » مقالات » انتخابات مجالس ألمحافظات ألعراقي يبحث عن بديلٍ جديد

انتخابات مجالس ألمحافظات ألعراقي يبحث عن بديلٍ جديد

من خلال عملية تحديث سجل الانتخابات التي قامت بها المفوضية المستقلة للانتخابات أظهرت الاستنكافية العالية للمواطنين العراقيين في الاشتراك في العملية الانتخابية حيث بلغت في بعض المناطق حسب الكثير من التقديرات بمالايزيد عن 4% أو بما يزيد عن ذلك بقليل ربما يصل ضعف هذه النسبة المذكورة إنما تدل على عزوف المواطن العراقي من لعبة القوى السياسية المهيمنة على السلطة في العراق اليوم ، والذي تأكد له بالملموس وبالتجربة المعاشة طيلة فترة خمس سنوات عدم قدرتها على تجاوز أزمات الوطن والمواطن وتميزت بإحراز نسب متزايدة من الفساد المالي والإداري وكانت وبالتعاون مع قوت الاحتلال قد أشعلت نيران القتال الطائفي وهي تسعى الآن لتشعل نيران القتال العرقي بسب محافظة كركوك وهل هي عائدة لإقطاعية عربية أو كردية أو تركمانية بعد إن وضعوا أسس تقطيع أوصال الوطن فيما بينهم على أسس عرقية وطائفية مزدوجة عن طريق الفدرلة القسرية لأرض العراق حتى يرضي كل منهم طموحه المكبوت وسعيه للاستحواذ على كرسي السلطة والهيمنة وامتلاك المال والجاه بعيدا عن مصلحة الوطن والإنسان العراقي بماهو مواطن عراقي بغض النظر عن دينه وطائفته وعقيدته وطبقته وانتماءه العشائري وهو شرط عراق تعددي ديمقراطي مزدهر وموحد.

إن العملية الانتخابية باعتبارها ممارسة ديمقراطية فأن إحدى أهم آلياتها ،تهيئة ظروف ومستلزمات وترسيخ ثقافة الإنسان الفرد والذات المتحضرة على أساس العمل والمهنة والمصلحة الشخصية الغير منفصلة عن المصلحة العامة والمحددة بها ضمن الجماعة التي يرتبط أعضاءها بعلاقات العمل والمهنة والمحبة والوطن الواحد والأرض والثقافة المشتركة وليس بسلاسل التخلف والقطعنة الطائفية والعرقية والعشائرية.

إن لم يتهيأ هذا الشرط ستكون الانتخابات لمجالس المحافظات أو للبرلمان ومجلس النواب عبارة عن حساب ثغاء قطعان تساق بالجملة لتبصم بكل الألوان لراعي القطيع ((المقدس)).وهذا هو مايحصل بالفعل في أغلب البلدان التابعة والمتخلفة ومنها عراق اليوم والذي يفوق عليها جميعا كونه واقعا تحت هيمنة احتلال عسكري مباشر في معرض تقييم فكرة وجوب أقدام الحكومة على إجراء انتخابات حرة وعادلة، في البلدان المتخلفة يرى هينتجتون إن مثل هذه الصيغة في عديد من المجتمعات الآخذة في التحديث غير ملائمة(( فلكي تكون الانتخابات مجدية لابد من افتراض وجود مستوى معين من التنظيم السياسي.ليست المشكلة هي إجراء الانتخابات وإنما تكوين التنظيمات.وفي عديد من البلدان الآخذة في التحديث، انه لم يكن في اغلبها، تستخدم الانتخابات فقط لدعم القوى الاجتماعية المشتتة والرجعية، ولتحطم بناء السلطة) (1)

وهذا بالضبط ماحصل في العراق وخصوصا بعد الاحتلال واختفاء الديكتاتورية المركزة من كرسي الحكم لتعمل شراذم الطوائف والأعراق والقبائل تقاسمها لينتشر الديكتاتورين الأقزام على طول ارض العراق وعرضها تحت مضلة تمثيل مصالح العرق والطائفة ورفع مظلوميتها.

كل هذا جرى ويجري تحت مظلة ((الحرية)) و(الديمقراطية)) الأمريكية المسلحة(المشكلة الأساسية في رأيه((هنتجتون)) ليست الحريهlibertyولكنها مشكلة خلق نظام شرعيlightimiatepublic order. فبإمكان الإنسان أن يحصل على النظام العام بدون الحريه-كما هو حال نظام صدام وما قبله- ولكنه لايمكن أن يحصل على الحريه بدوت النظام العام-كما هو حالنا الآن-،يجب إنشاء السلطة وإقرارها،قبل الشروع في الرقابة عليها)) (2)

إما كيفية ومن ينشأ هذه السلطة؟ وفي ظل أي ظرف ؟؟ فهذه أسئلة أخرى ليس وقت الإجابة عليها الآن.

ونرى إننا لايمكن إلا أن نسلم بما ذهب إليه(هنتجتون- في مقولته هذه فالحرية بدون نظام يرعاها ويقننها لايمكن أن تكون إلا فوضى هدامة،و وضمن هذه المقولة نرى إن الماركسية و أحزابها الشيوعية التقليدية قد بررت قيام ديكتاتورية البرولتاريا التي ترى أنها تمهد لبناء الاشتراكية والشيوعية وزوال الطبقات الاجتماعية ومن ضمنها الطبقة العاملة وديكتاتوريتها سعيا للوصول للهدف النهائي –الحريه- حيث إن الشيوعية تحمل في أحشائها مضمون وجوهر الحريه بمعنى تحرر الإنسان من حكم الضرورة في أوليات حياته كالمأكل والملبس والسكن والتعليم والصحة والثقافة والفنون أي سد حاجاته المادية والروحية معا وتحرير العمل من عبودية رأس المال. وهو بالطبع لم يزل حلما اختلف الشيوعيون في وقتهم الحاضر حول طريقة الوصول إليه فقد كانت التجارب السابقة تقوم على ديكتاتورية البرولتاريا بدون برولتاريا بل عن طريق أولياء أمورها من قادة الأحزاب الشيوعية والماركسية آنذاك مما جعل منها اسما دون مسمى.

وطبعا الفرق واضح بين هنتغتون وماركس في هذا الشأن حيث يرى هنتغنون أبدية الدولة والسلطة بينما يرى ماركس حتمية زوالها واضمحلالها.

وعلى العموم فليس هذا هو موضوع مقالنا ولكننا أردنا الإشارة إلى المستلزمات الواجب توفرها لتكون الانتخابات حقيقية وفاعلة وبالاتجاه الصحيح،فمن يلقي نظرة فاحصة على الأحزاب السياسية المهيمنة على الساحة العراقية منذ قيام الدولة العراقية ولحد الآن لابد ن يقر بوجود طوائف وعشائر وأعراق سياسية وليس أحزاب سياسية فحتى الأحزاب التي تدعي كونها أحزاب مدنية ولبرالية وعلمانية في الظاهر فهي في واقع الحال مبنية على أساس القبيلة والقومية والطائفة بأضيق مفاهيمها فإذا انتمى رئيس العشيرة أو رئيس الطائفة أو القومية إلى حزب سياسي والذي غالبا مايكون هو مؤسسه انتمت إليه القبيلة واغلب أفراد القومية أو الطائفة وبذلك ترى أن قبائل معينة أو طائفة معينة أو قومية معينة مهيمنة على الحزب الفلاني والأخرى على الحزب العلاني وهكذا أي الانتماء على أساس المجتمع الأهلي وليس المجتمع ألمديني المتحضر حيث تقام الأحزاب على أساس الطبقة والمهنة والمصلحة والشريحة الاجتماعية نابذة مخلفات وثقافة الطائفة والعرق والجنس والتعصب القومي ومن يكون موضوعيا في نظرته لابد أن يرى إن بعض أحزابنا قيدت باسم قائد قبيلة أو طائفة معينة منذ تأسيها ولحد الآن وقد أصاب هذا المرض حتى أحزابنا اليسارية والشيوعية واللبرالية هذا بالإضافة إلى شرذمتها منقادة لموضوعها المتردي وغير قادرة على تجاوزه وهذا هو سر قوة نقيضها الطبقي والفكري مما جعله يتمادى في صراع أناني ضيق في سباق بين نفس الأطراف لكي يحصل على المزيد لنفسه دون غيره فعطل وعرقل بذلك عمل البرلمان وعمل الحكومة وبالتالي مصالح المواطنين وسلامتهم وأمنهم وحريتهم الموعودة.

فبدلا من رسوخ نظام المؤسسات ودولة القانون أو سيادة قانون الدولة حدث العكس حيث اضمحلت الدولة وتناثرت سلطاتها وشرذمت مؤسساتها وحل التقاتل والتناحر((بدلا من الاتجاه تحو التنافسية والديمقراطية ،حدث((تحلل)) الديمقراطية وتوجه نحو النظم العسكرية الأوتوقراطية ونظم الحزب الواحد، وبدلا من الاستقرار حدثت انقلابات وحركات تمرد عديدة. وبدلا من الترشيد والتمايز المؤسس ،حدث –بالتدريج- تحلل التنظيمات الإدارية الموروثة عن الحكم الاستعماري وحدث إضعاف وتمزيق للتنظيمات السياسية التي نمت في غمار الكفاح من اجل الاستقلال)) (3)

وأظن إننا لسنا بحاجة إلى إضافة لهذا الوصف في عراقنا بعد الاحتلال وقبله، ولكن الذي نشهده ألان اشد حدة ووضوحا وضراوة فقد أصاب القوى اللبرالية واليسارية النازعة نحو إقامة دولة المؤسسات الديمقراطية، الحقيقية الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة, أصابها الهزال والضعف وعم التأثير على ساحة الحراك الاجتماعي لتكون الساحة تحت تصرف وتحكم ((الأحزاب)) الطائفية والعرقية.

لاشك إن هذه القوى كانت على درجة كبيرة من الحنكة والذكاء في إصرارها على إجراء الانتخابات العراقية السابقة والحالية من قبل القوى الفائزة فيها لأنها ضامنة فوزها بالأغلبية وضامنة مصالحها الآنية والمستقبلية وقد أغلقت بذلك الطريق باسم الديمقراطية وحرية وحق الانتخاب على قيام حكومة انتقالية ممثلة على أساس اجتماعي وليس على الأساس العرقي والطائفي وصياغة دستور من قبل لجنة مختارة من ذوي الخبرة والاختصاص في القانون المدني الديمقراطي ومن أخصائي علم النفس والاجتماع والاقتصاد والسياسة ممن يؤمنون بحرية الفرد وضمان حقوقه.وليس من قبل ممثلي الطوائف والأعراق والعشائر وقد كان لنا مقال بهذا الشأن بعنوان(( الانتخابات العراقية الحالية طريق المتاهة)) قبل إجراء العملية الانتخابية الأولى رغم إيماننا بمبدأ الانتخابات في اختيار الشعب للممثليه.

وهنا نؤكد نقطة مركزية هامة وهي عدم توفر الأساس الموضوعي لإجراء انتخابات حرة ديمقراطية ونزيهة في ظل احتلال عسكري واحتقان طائفي وعدم استقرار امني وواقع شرذمة طبقية كبيرة، هذا الحال من الفوضى الهدامة الذي قامت عليه الانتخابات الأولى وما بعدها وأبدته طيلة السنوات الماضية ،القوى القابضة على السلطة وبالتخادم مع قوى الاحتلال الأمريكي لتحول دون انتظام عملية الاصطفاف الطبقي وترسيخ واستدعاء الحس الوطني النابذ للعرقية والطائفية والعشائرية. وان العراقيين أدركوا حقيقة هذه القوى ورعاتها ولم يشهدوا قيام قوى ناهضة جديدة تتصدر لخوض الانتخابات تحت الراية الوطنية الموحدة والمعبرة عن مصالح اغلب الطبقات الاجتماعية المسحوقة والمهشمة والرازحة تحت مطرقة الاحتلال وسندان البطالة والمرض والجهل والجوع فيما يتمتع حطابوها بالدفء والقصور الباذخة بينما هي تحترق بنيران وعود كاذبة.

حيث ترتد إبصار هذه الجماهير حاسرة مصدومة محبطة حينما ترى تشتت وتفتت وتصارع القوى التي من المفترض أن تكون ممثلتها لتقودها في مسيرة الكفاح الوطني والطبقي وصولا إلى طرد الغزاة وبناء دولة الحرية والرفاه والديمقراطية، حيث تشهد موت البرجوازية الوطنية المنتجة فاسحة المجال رحبا أمام برجوازية طفيلية وبقايا إقطاع جشع مستهلك وهذه طبقة ربيبة للاستعمار ومرتبط مصيرها بمصيره وهي الابن اللاشرعي للإقطاع من ظهر الرأسمال العالمي المتوحش.

إن ضعف الطبقة العاملة العراقية وحلفائها من الفلاحين الفقراء والكسبة ارتباطا بالفقرة الأولى ونتيجة لها متحولة إلى حثالة من البرولتاريا الرثة والبائسة والجاهلة مولدة جيوش من العاطلين والطائفيين والسراق والجلادين والمحبطين والقتلة وأدوات رخيصة بيد قوى الاحتلال والاستغلال وأذنابهم.

بالإضافة إلى هذا ، الطبيعة المشوه للطبقة المتوسطة في البلدان التابعة وخصوصا بلدات البترول حيث ارتبطت هذه الطبقة بالدولة وليس بعجلة الإنتاج وتربت على الدخل المتأتي من عملها البيروقراطي الراكد في دوائر الدولة التي تدفع مرتبات موظفيها وأجهزتها القمعية من واردات البترول الخام وليس من العمل الصناعي والزراعي المنتج.

كل هذا أدى ويؤدي إلى كبح وقمع أي تحرك ونمو ونهوض حركة وطنية واعية وبذلك فهي لاتريد أن تنزع عن عيونها عصائب ،التضليل والتجهيل التي عصبتها بها قوى الاستبداد والطائفية والعشائرية والرأسمال الجشع.

هذه الجماهير البائسة التي هي وسيلة وأداة وهدف قوى العدل والديمقراطية والتحرير والمساواة في كفاحها ضد الاستعمار والاحتكار.

أن الوجه الإرهابي القذر والمجرم الذي يدعي المقاومة للوضع القائم كواقع احتلال واستغلال أفقد أحرار العراق الحقيقيين سلاحا هاما من أسلحتهم، حيث أصبح من الصعب الفصل بين الخيط الأبيض والأسود في سواد حالك يلف الجميع إلا لمن امتلك وعيا عاليا وتجربة غنية ،وعركته سوح الكفاح الوطني والطبقي ليميز ويحدس أين هو وفي إي اتجاه يسير ومن أي باب يدخل ومن أي باب يخرج ومن هم أعداء الشعب ومن هم أصدقائه.

ملخص القول إن المواطن العراقي يمر بمرحلة التفتيش عن البديل الذي يمثله ويعبر عن مصالحه ويحقق طموحاته ، البديل الذي هو في دور الصيرورة والنمو والنضوج،و تتحمل النخب الواعية والمثقفة مسؤولية الإسراع في إنضاجه واكتمال نموه، عندها تكون بمستوى وطنيتها وإنسانيتها متمثلة التاريخ المجيد للمناضلين العراقيين ممن نذروا أرواحهم من اجل حرية ورفاه وكرامة وسعادة هذا الوطن ، وهذه المهمة تتطلب منها أن تنسق برامجها ونشاطاتها أن لم توحدها لتسريع قيام تنظيماتها وتعد برنامجها الكفاحي المتميز عن البرامج الديماغوجية للقوى الطائفية والعرقية التي تملأ الشارع العراقي بلغو فارغ حول الديمقراطية والرفاه والأمان لأكثر من خمس سنوات ولم تنتج غير المزيد من الأزمات والمآسي والقهر والتخلف.

إن فساد الموضوع يتطلب وعيا عاليا من الذات/ الفرد، والذات/ الحزب ، لمسؤوليتها في المرحلة الراهنة ليصوت لها الشعب كجبهة مقاومة وطنية وطبقية تنشد الحرية والرفاه والتقدم والسلام وبدون ذلك سيبقى وطننا أسيرا وشعبنا كسيرا ووضعنا مؤلم وسيادتنا منتهكة وثرواتنا مسروقة وحرياتنا مصادره وقد اشرنا إلى البديل الذي نراه مناسبا والمتمثل بتحالف قوى اليسار العراقي كراس حربه ليتنكب راية الكفاح الوطني والطبقي متحالفا مع كافة القوى الوطنية والديمقراطية الحقيقة لتحرير الأرض والإنسان من دنس وشر قوى الاحتلال والاستغلال الخارجي والداخلي.

إن الاستنكافية العالية للجماهير عن المشاركة في الانتخابات إنما هو تصويت معلن وواضح على فساد وفشل العملية السياسة وقادتها في المرحلة الراهنة، وبذلك فان وعي الجماهير سبق وعي النخب السياسية في وحدة الموقف والهدف ولكنه يحتاج إلى التنظيم والتنسيق والتوجيه السديد وعندها ستخلق الجماهير المعجزات لبلوغ أهدافها المنشودة المعبر عنها في برامج واضحة بعيدا عن الشعارات الزائفة وذرف دموع التماسيح من اجل كسب منافع شخصية ضيقه… هذا هو نداء الشارع العراقي فهل من مجيب؟؟؟؟؟؟؟؟

*د.اسامه الغزالي حرب- الأحزاب السياسية في العالم الثالث- ص36وص37- عالم المعرفة الكويتية