الرئيسية » التاريخ » موقف الحكومة العراقية من القضية الكوردية في العراق في المرحلة الاولى من عهد الاستقلال 1932-1939 الحلقة التاسعة

موقف الحكومة العراقية من القضية الكوردية في العراق في المرحلة الاولى من عهد الاستقلال 1932-1939 الحلقة التاسعة

رسالة تقدمت بها الطالبة
كافي سلمان مراد الجادري 

المبحـث الثالـث :التعليـم والصحـة والخدمـات
لم يكن الواقع التعليمي والثقافي في كردستان افضل حالاً من الجوانب الاجتماعية والاقتصادية الاخرى , ارتبطت اساساً بالتخلف العام الذي عاشته كردستان في جميع المجالات, الى جانب ان هذا القطاع الحيوي عانى من الاهمال المقصود والمتعمد من جانب الحكومات العراقية المتعاقبة . وانعكس هذا الاهمال على سير العملية التعليمية بمختلف مراحلها .
عانت كردستان في هذه الفترة حتى نهاية المرحلة التي نحن بصددها من قلة عدد المدارس واللوازم المدرسية ونقص عدد المعلمين . واقتصرت المدارس على المرحلة الابتدائية . فعشية الاستقلال بلغ عدد المدارس الابتدائية في العراق (274) مدرسة , كان نصيب كردستان منها (79) مدرسة(1).
جرى التدريس باللغة الكردية في 27 منها في اعقاب صدور قانون اللغات المحلية عام 1931 , في حين كانت التركية لغة التدريس في 13 مدرسة , اما المدارس الباقية فقد كانت اللغة العربية هي لغة التدريس فيها(2).
اما بالنسبة لمراحل الدراسة الاخرى فالصورة كانت اكثر قتامة . فحتى عام 1934 لم تكن هناك مدرسة متوسطة في انحاء كردستان . وفي ذلك العام تم افتتاح مدرسة متوسطة في اربيل, ارتفع عددها في عام 1937 الى مدرستين متوسطتين , واعدادية واحدة في حين لم يكن في السليمانية حتى ذلك العام اي اعدادية واقتصرت على مدرسة متوسطة واحدة(3). وكذلك عانى التعليم في هذه الفترة من قلة الكوادر التعليمية التي توزع معظمها على المرحلة الابتدائية . اذ بلغ عدد المعلمين في اربيل عام 1937 (140) معلماً و (22) معلمة . في حين بلغ عددهم في السليمانية (94) معلماً و (17) معلمة . اما اعداد المدرسين في المرحلة المتوسطة فكانت متواضعة للغاية. وللتدليل على ذلك نشير الى انه حتى عشية الحرب العالمية الثانية كان عدد المدرسين في المدارس المتوسطة في اربيل يبلغ (8) مدرسين , وفي السليمانية (5) مدرسين فقط(1). وقد دفع واقع التعليم المتردي في كردستان عدداً من الوجهاء في المنطقة الى رفع العرائض الى الحكومة العراقية , يشكون فيها عدم وجود مدارس مهنية واقترحوا انشاء نظام للتعليم التقني والعلمي في المناطق الكردية من اجل تنمية الكوادر الفنية للمساهمة في عملية تطوير وتحديث البنية الصناعية والتقنية في الاقليم(2). وطالبوا كذلك بزيادة عدد المدارس المتوسطة في المنطقة , واعداد مدرسين جامعيين في مجال التعليم التقني والفني . والسماح بتأسيس مدارس مسائية لاتاحة الفرصة للطبقة العاملة او كبار السن للتعلم في هذه المدارس(3).
وتضمنت تلك المطالب ايضاً تحسين وسائل التعليم , وتوفير الكتب المدرسية , وكذلك توحيد اللهجات الكردية التي استخدمت في التعليم , اذ سمح قانون اللغات المحلية للالوية الكردية باستخدام اللهجة التي تتحدث بها بل تشجيعها على ذلك . وقد جاء في احد التقارير البريطانية التي كتبت عام 1931 , ان تشجيع الحكومة على استخدام اللهجات المحلية قد جاء بغرض منع ظهور لغة كردية موحدة , كمحاولة لاضعاف الكرد سياسياً . واضاف التقرير((ان هدف الحكومة العراقية هو جعل اللغة الكردية بمثابة لهجة تابعة للغة العربية ))(4) .
ومن الصعوبات الاخرى التي كانت تواجه التعليم في كردستان , اقتصار هذه المدارس على مراكز الالوية . وحرمان ابناء الاقضية والقرى التابعة لها من الدراسة في المراحل المتوسطة . مماكان يجبر كثير من الطلاب من ابناء الطبقات الفقيرة التي لاتملك اسرها الامكانيات المالية اللازمة لادامة تعليم ابنائها , الى الانقطاع عن التعليم , واضيفوا الى اعداد العاطلين على العمل , فتحولوا الى ((عالة على اوليائهم اولاً والامة ثانياً )) , حسبما جاء في عريضة رفعها اهالي كويسنجق عام 1937 , الى الجهات المسؤولة , طالبوا فيها بتأسيس مدرسة متوسطة في القضاء(5).
كان من الطبيعي في ظل هذا الواقع ان تبقى الامية متفشية في المجتمع الكردي , وخصوصاً في الريف , وان يقتصر التعليم تقريبا على ابناء الطبقات الميسورة من المجتمع الكردي , الى جانب المدارس الدينية التي استطاعت ان تخرج فئة دينية مثقفة استطاعت ان تسهم في الحركة الادبية والعلمية , فبرز منهم شعراء وادباء انخرط كثير مهنم في الحركة الوطنية الكردية العراقية(1) .
ومن اوجه التقصير الاخرى للحكومة , اتباعها سياسة التمييز في اختيار الطلبة الكرد لضمهم للبعثات الدراسية التي كانت ترسلها الى الخارج , للدراسة في مختلف الاختصاصات .
فخلال السنوات التي امتدت بين الاستقلال وعشية الحرب العالمية الثانية , تم ارسال 120 – 180 طالباً ومتدربا للدراسة في الخارج , كان عدد الطلبة الكرد يضم اثنان فقط(2) .
انعكست هذه النواقص في التعليم , والمعوقات التي رافقتها لا سيما بالنسبة للواقع الاقتصادي للطلبة على واقع التعليم في كردستان . وقد تجلى هذا الامر بشكل خاص في قلة اعداد الطلبة التي كان بامكانها الدخول الى الجامعات . لذلك فان معظم خريجي الجامعات كانوا من ابناء الاسر المتمكنة والمتوسطة ممن كان لها القدرة الاقتصادية الكافية لارسال ابنائها للدراسة في الكليات الخاصة في بغداد او مواصلة دراستهم في خارج العراق .
وتحول خريجو الجامعات الى رافد اساسي لنمو وزيادة اعداد الفئة المثقفة الكردية التي بدأت بمرور الوقت تؤدي دوراً متعاظما في الحياة السياسية والفكرية في كردستان العراق , وشكلوا طبقة النخبة التي اخذت على عاتقها قيادة عملية التحديث والتغيير في المجتمع . وهذا الامر يعكس حقيقة مهمة هي زيادة دور المدينة ووزنها على حساب الريف , اي ان المدينة اصبحت تمثل وبشكل مطلق الريف فكريا وسياسيا , وما يتبع ذلك ضمناً من تحولات اجتماعية وفكرية وسياسية , مع ضرورة الاشارة الى مسألة مهمة اخرى , وهي ان الوزن النوعي للفئة المثقفة الكردية , كما هو الحال في بلدان العالم الثالث , بقى دائماً اكبر من وزنها الكمي .
ورغم ان عوامل عدة لعبت دورها في منع التأثير الفاعل والمطلوب من جانب المثقفين في صفوف العمال والحرفين , لاسيما الفلاحين بسبب واقع تفشي الامية في صفوفهم وغلبة العلاقة الابوية على علاقاتهم بمالكي الاراضي , الا ان ذلك لم يمنع معظم هؤلاء المثقفين من ان يكونوا على احتكاك مباشر بقضايا وهموم الناس والمجتمع . فعلى سبيل المثال أسست مجموعة من المثقفين الكرد جمعية ((زانستي كوردان )) لتعليم كبار السن القراءة والكتابة , الى جانب نشاطات ثقافية اخرى(1) . ومنذ تشكيلها في عام 1926 وحتى السنوات العديدة اللاحقة حصلت الجمعية على دعم كبير من الشخصيات الكردية البارزة . وحسبما تشير وثيقة بريطانية فان التبرعات التي حصلت عليها الجمعية بلغت اربع آلآف روبية , وتبرعت الشخصية الكردية المعروفة محمد امين زكي لوحدها بمائة روبية(2). استخدمت الجمعية هذه المبالغ في شراء مطبعة حديثة لتعليم الاميين , وترجمة عدد من الكتب الاجنبية الى اللغة الكردية , كما قامت بتقديم عدد من العروض المسرحية الهادفة(3).واستناداً الى الوثيقة نفسها فانه خلال اربع سنوات تمكنت الجمعية من تعليم عدد ملحوظ من المنتسبين اليها القراءة والكتابة(4) .
ومما يجدر ذكره انه خلال عهدي الانتداب والاستقلال برز عدد من المثقفين الكرد على مستوىً عال من الكفاءة دفعت البريطانيين الى ضم عدد منهم الى تشكيلات الحكومة العراقية , وظهر دور ملحوظ للفئة المثقفة الكردية التي تبوأ عدد منها مواقع سياسية وادارية يتناسب حجم الكرد ووزنهم الديمغرافي(5). ومن الملاحظ ان جميع التشكيلات الوزارية كانت لاتخلو من عنصر واحد او اثنين من الكرد الذين عرف عنهم الاخلاص والامانة والنزاهة . امثال محمد امين زكي وجلال بابان ومعروف جياووك(6) . فضلاً عن وجود عشرات من الضباط الكرد
الذين كانوا في الجيش العثماني السابق وعادوا الى العراق(1) , واصبحوا من مؤسسي الجيش العراقي الجديد , وكثير منهم كانوا من كبار قادة الفرق العسكرية امثال مصطفى ياملكي(2) و بكر صدقي ونور الدين محمود(3) وفؤاد عارف الذي كان مرافقاً للملك غازي . الى جانب عناصر كردية اخرى اصبحوا اعضاء في البرلمان العراقي واسهموا في ترسيخ اسس الدولة العراقية الى جانب اشقائهم العرب(4) .
ولكن ثمة امر جدير بالاهتمام في مواقف بعض اطراف الفئة المثقفة الكردية , انها لم تستطع ان تؤدي الدور المطلوب منها في دعم حركة التحرر الوطنية الكردية الناشئة والتي كانت في طور التبلور والنضوج خصوصا في الثلاثينيات من القرن العشرين .
وقد تجلى الموقف المتذبذب لعدد من اعضاء الفئة المثقفة الكردية خلال انتفاضات الشيخ محمود وحركات البارزانيين . فقد وقف كثير منهم موقفا سلبيا تجاه المظالم الذي تعرضت لها القرى الكردية , مع ان بعضهم كان يتبوأ مراكز حساسة في الدولة العراقية , وكان بامكانهم رفع اصوتهم لايقاف التجاوزات التي تعرض لها الكرد حينذاك . بل ساهم قسم منهم في قمع تلك الانتفاضات والحركات. فقد كان محمد امين زكي خلال احداث بارزان عام 1932 وكيل وزير الدفاع . وقد اشار على الحكومة القيام بالعمليات العسكرية ضد الشيخ احمد البارزاني في الربيع اذ تذوب الثلوج وتسهل العمليات العسكرية , وفعلاً اخذت الحكومة بنصيحته(5) . وكذلك وقف متصرف اربيل اثناء هذه الاحداث , جلال بابان موقفاً سلبياً واضحا ً, وكان اول موظف عراقي دخل مركه سور(6) بعد خروج الشيخ احمد منها عام1932 (1) .
ونشير الى مواقف كل من بكر صدقي وشقيقه برقي صدقي التي سنأتي على ذكرها فيما بعد(2). ويمكن تفسير موقف هذه النخبة من الفئة المثقفة الكردية بارتباط معظم افرادها وظيفياً بالدولة , وبالتالي اعتماد مصدر رزقهم وعوائلهم عليها , مما جعلها تاخذ جانب الحذر والتردد تجاه اي نشاط سياسي قد يواجه بردود فعل شديدة من جانب الاجهزة المسؤولة في الدولة(3), وربما كانت هذه قاعدة عامة تنطبق على مختلف مثقفي البلدان النامية حين تصبح الفئة المثقفة جزءاً مهماً من الجهاز البيروقراطي الضخم للدولة .
كذلك فان العديد من هذه الفئة ظلوا منتمين الى جذورهم الاجتماعية وغيرها لدى الطبقة الاقطاعية , فآثرت في حالات غير قليلة , مصالحها على المصالح الوطنية والقومية لعموم ابناء شعبهم .

Taakhi