الرئيسية » مقالات » التجويع… من الزاوية السياسية

التجويع… من الزاوية السياسية

يبدو من خلال الواقع الاقتصادي المعاش والنهج المستمر في تكريس حالة الإنهاك الاقتصادي المتعمد من قبل أولئك القيمين على الملف الاقتصادي في البلد , بأن الوضع المعيشي يسير باتجاه التردي بشكل متسارع , الأمر الذي يدفع بحلف التجويع داخل الحكومة إلى تحمل مسؤولياته كاملة , حيث هم سائرون باتجاه أن يكون الاقتصاد المحلي صورة مهشمة للاقتصاد العالمي , بل تجل لأزمته الحالية واللاحقة , فسياسة ربط اقتصادنا بوصفات المؤسسات الدولية المشبوهة وتطبيق شروطها الاقتصادية والسياسية ستؤدي واقعيا إلى :

1- ضرب مرتكز الاستقرار الموضوعي في البلد ( الطبقة الوسطى ) والتي بدأت تتفكك بنيويا ويبدو أن النموذج الاقتصادي المطروح للبلد هو بمثابة الحامل لهذا التفكك , حيث أصبح جزء منها محسوبا طبقيا على الطبقة الكادحة وجزء صغير انضم إلى رحم طاحونة الفساد المدارة من قبل الفئة المنبثقة عن تحالف البيروقراطي والطفيلي والتي تسمى بالبرجوازية الجديدة ( الكومبرادور ) .

2- خلق حالة من البلبلة واضطرابات اجتماعية والتي بدأت الجماهير بتداول مصطلحاتها منذ الآن , والأمر الذي لا يمكن التنبؤ بمؤدياته ونتائجه , خاصة إذا علمنا بأن سياسة غسل الدماغ من المفاهيم الوطنية الجارية على قدم وساق على الصعيد الدولي وذلك مم يؤثر في الداخل خاصة إذا لم يكن هذا الداخل محميا من هذه المؤثرات التي تعتمد عليها الامبريالية كحصان طروادة داخل الدولة الوطنية .
إن السياسة الوطنية في هذا المحيط المتلاطم من إعلان الحرب على كل شئ وطني من الضروري أن ترتكز على دعائم عملية وواقعية , إن تجويع الشعب خطوة أولى في طريق الدفع نحو الانتهازية والوصولية وعقلية اللامبالاة وبالتالي إلى ضرب التوجه الوطني لدى الفرد , ليكون ذلك قاعدة لخلق فكر جمعي قائم بدفوعات الفكر الانهزامي والذي يؤسس له على مستوى العالم .
إن الوطنية إذا كانت تعني الحفاظ على السيادة والتراب الوطني أولا فإنها لن تكتمل دون أن يشعر الفرد داخل إطاره الوطني بأنه حر ويمارس على الأقل جزءا من هذه الحرية فعليا , وأنه قادر على كتابة تاريخه الحقيقي بعد أن توفر له المستلزمات الحياتية العامة فالنظر إلى خاصية الوطنية المجردة عند الفرد بأنها مقياس تحمله التجويع الجسدي والمعنوي ما هو إلا وهم كبير .

3- إن أحد مرتكزات التخريب الامبريالي داخل الدولة الوطنية أساسه تحيين اللحظة التاريخية التي تستطيع
فيها هذه الامبريالية المتوحشة أن تكرس فاشيتها في ضرب أعدائها الوطنيين من الداخل , تلك اللحظة التي تتوفر بالسياسات الخاطئة المتعلقة بالاقتصاد أولا ثم بملحقاته ثانيا ولذلك فمن الخيانة اللعب مع الخارج وتوجيهاته على حساب الداخل واللعب أو الرهان على القيم الوطنية الصرفة في ظروف دولية كهذه , بل انه من الواجب ربط الشعب بالوطن ماديا لا معنويا وشعاراتيا فقط مع أهمية ذلك .
4- إن التوجه لدى الشعب الجائع لا يستطيع أحد التحكم به مضمونا فكثيرا ما كان التخريب الاقتصادي المحلي في دولة ما سببا جوهريا في انهيار الدولة الوطنية لان إدارة الأزمات الناتجة عن الاقتصاد أمر غاية في الصعوبة ويستغرق لملمة النتائج المنبثقة عن هذا التخريب مدة طويلة وقدرة إعلامية اقناعية هائلة ومستلزمات واقعية لن تتوفر في اللحظة , ثم إن الذين قدموا برامجهم غير الصالحة في فترة ما ثم كانت نفس تلك البرامج أساسا في التخريب لا يمكنهم إقناع الشعب مجددا بجدواها .

5- إن الوصول إلى النتائج من الوصفات الاقتصادية الجاهزة يجب أن يكون واضحا لدى الاقتصاديين والأكاديميين فتجربتنا مثلا في ظل سلسلة الإجراءات التقشفية غير الآيلة إلا إلى نتائج متشابهة منطقيا خاصة إذا أدركنا بأنه ليس من جديد في المطروح يمكننا استشفاف ما يلي :
أ – انهيار في الاقتصاد الوطني ونهبه من قبل تحالف الحيتان الفاسدة المحلية والعالمية .
ب – إنهاك السياسة الوطنية بضرب مرتكز الاستقلالية الاقتصادية .
ج – اضطرابات اجتماعية غير واضحة النتائج في ظل السياسات الدولية المتبعة في إدارة الأزمات .
د – صعود قوى جديدة بمعالم واضحة وتتضح بدقة أكثر عبر محددات داخلية وخارجية لاحقا .
لذلك كله فان المشروع الاقتصادي الحالي يهدد جديا الموقف الوطني وحياة الجماهير المعيشية وبالتالي وكتحصيل حاصل تفكيك القيم العامة للمجتمع فحري بنا رفض مثل هذه الإجراءات والتصحيح عبر ربط الاقتصاد بالسياسة والسياسة بالاجتماع .