الرئيسية » مقالات » اطار احتياطي

اطار احتياطي

تلفت يمينا وشمالا متأملا ان يجد مأوى قريبا بعد ان يأس من توقف أية سيارة له في هذا الطريق الموحش الذي يربط كركوك بالعاصمة بغداد، حيث بقعة شاسعة جرداء كانت مرتعا لعصابات لاتعرف معنى للحياة الا عبر فوهات البنادق..
لم يكن شغوفا بمثل هذه الاماكن، الا ان سوء طالعه فجر له اطارا آخر من سيارته بعد ان انفجر الاول منذ مسافة قريبة بحيث لم يبق معه اطار احتياطي.. واي مجنون هذا الذي سيتوقف لمساعدته في هذه الارض المليئة بحكايات الرعب والموت والسلب.. لم يحدث له هذا الامر سابقا وخصوصا انه تعود على قطع الطريق اسبوعيا بسبب ظروف عمله في العاصمة في حين ان مسكنه في مدينة الذهب الاسود..
كان مجبرا على ترك سيارته في جانب من الطريق العام ليبحث له عن مأوى قريب خصوصا وان قرص الشمس مال الى المغيب.. لاحت له في الافق قبة صغيرة خضراء.. لعلها تكون مزارا او مرقدا لاحد الصالحين..
لم يترك للخوف مجالا ليتسلل اليه رغم ان بصيصا منه كان قد تسرب الى نفسه دون ان يحاول التفكير به.. جل ذهنه كان في البحث عن مخرج لمصيبته.. حاول ان يخدع نفسه بشيء من الغبطة وهو يقترب من المبنى الصغير الذي علته القبة الخضراء.. ولج من المدخل الوحيد محاولا تركيز نظره في ارجاء القاعة عبر بعض الضوء الذي يدخلها من شباك صغير.. كانت خالية الا من قبر توسطها وبعض الكتب المنتشرة في اركانها.. بحث عن شيء يتمدد عليه.. لكن لم تكن هناك سوى ارضية صلبة من الكونكريت لم يجد بدا من تسليم جسده اليها وخصوصا ان الجو كان حارا فحاول ان يستجدي بعض البرودة من الارضية الجرداء.. كما ان الوضع الذي هو فيه لايجعله يفكر بالجو او المكان طالما انه مأوى مؤقت.. تثاقلت جفونه بسبب الارهاق والتعب حتى استسلم لنوم عميق..
لم يعرف كم من الساعات قضاها في غفوته حين انتبه فزعا على صوت أجش يصرخ به للنهوض وصاحبه يركله بخفة على ساقه.. جلس وهو يحاول فتح عينيه.. لكنه لم يستطع للحظات.. بسبب قوة المصابيح المسلطة نحو وجهه.. كأنه بين يقظة وحلم حين جال بنظره على فوهات البنادق الموجهة اليه والتي يحملها عدد من الرجال الملثمين وهم يحيطون به من كل جانب.. لم يشك مطلقا بانهم احدى تلك العصابات التي تنسج حكايات الموت.. ولاتخرج الا مع خفافيش الظلام.. والصوت الأجش يطارده متسائلا عن هويته.. حاول البحث عن جواب في اللحظات الممنوحة له ليصارع الزمن من اجل ايجاد مخرج من هذه المصيبة التي قد تذهب بحياته.. جفونه المثقلة وذهوله اضفيا على وجهه ملامح استهزاء حاول مزجها بنوع من الجرأة اذ خطرت له فكرة مجنونة ربما تبعد عنه شبح الموت او تطيح برأسه.. بالنتيجة صمته سيطيح برأسه ايضا.. بلع ريقه وجمع ماتبقى من شجاعته ليردد بعصبية: “ومن انتم وماذا تريدون.. ثم لِمَ انتم هنا الا تخشون ان يأتي من يطيح برؤوسكم”..
ضحك الرجل ذو الصوت الأجش وقد بدا كبيرهم.. جلس على ركبتيه امامه وهو يرفع لثامه قائلا: “ومن تكون يارجل.. ومن يقدر ان يطيح برؤوسنا”..
ابتعدت فوهات البنادق عنه وتراجع بعض من الرجال الملثمين حينها تنفس الصعداء واستعاد رباطة جأشه ليجيب بقوة: “نحن من نأبى القول حتى نأتي بالفعل..”..
مد الرجل ذو الصوت الأجش يده مصافحا وهو يردد: “يبدو اننا من زرع واحد.. انا الملثم امير هذه المجموعة ونحن هنا على موعد مع الشيخ الامير”..
التمعت عيناه وهو يلج في باب الفرج ليمضي في هذيان لم يعرف عنه سوى انه قشة يحاول التمسك بها علها تنجيه من الغرق.. فمد يده الى محدثه قائلا: “عذرا اخي لقد انتظرتك حتى اسرني سلطان النوم.. اذ ارسلني اليك الشيخ مبلغا عدم حضوره وتأجيل الموعد الى حين”..
استغرب الرجل ذو الصوت الأجش وتساءل قائلا: “ولكن لِمَ لن يحضر”.. فاجابه بسرعة: “انت تعلم ان لكل امر ظرفا قد يطرأ عليه.. وعلى العموم سيبلغك بالموعد الجديد”..
كان يحاول بهذا القول ابعادهم عن المكان بسرعة قبل ان يأتي من اسموه شيخا وجماعته لان ذلك يعني كارثة لاتحمد عقباها.. لكن ذو الصوت الأجش طلب من جماعته ان يرتاحوا قبل رحيلهم مما جعل الوقت يمزقه وهو ينتظر ماتحمله كل لحظة قادمة.. لم يستطع ابعاد القلق عن نفسه لكنه حاول اخفائه عن رفقاء يتربصون به.. مرت العاصفة بسلام وهو يودعهم على باب المدخل ليتأكد من رحيلهم وابتعادهم عن المكان معتذرا لهم بعدم استطاعته المغادرة تنفيذا لأوامر الشيخ الذي امره بالبقاء في المكان حتى الصباح..
لكن الليلة تأبى ان تنقضي رغم مرور العاصفة.. كما حل الأرق ضيفا عليه ليستسلم لأفكار لم تزده الا ارهاقا.. فجل ماشغل ذهنه سبب تأخر الجماعة الاخرى عن القدوم حسب الموعد المحدد.. ربما يكون قدره..ام انها ساعات ماتزال متبقية في كأس الحياة.. حاول الهرب لكن الظلام يمنعه.. حتى كانت خيوط الفجر الاولى دافعا له للخروج من المكان.. وما ان فتح باب المدخل حتى فوجئ بالجماعة الموعودة تتقدم نحوه.. تسمر في مكانه.. كانوا اكثر عددا وهم كعادتهم ملثمون.. تقدم تجاهه عدد منهم مصوبين اسلحتهم نحوه.. فجال ببصره في عيونهم حتى تأكد له احدهم انه الشيخ الذي تحدثوا عنه.. كان جوابه جاهزا هذه المرة اذ اخبرهم انه من جماعة الامير الملثم وقد جاء وجماعته حسب الموعد معه الا ان تأخر الشيخ الامير اضطرته للرحيل ليتركوه في هذا المكان رسولا ليبلغ الشيخ بذلك وان الملثم ينتظر منه تحديد موعد جديد..
هز من بدا انه شيخهم رأسه ثم تقدم نحو الباب ليلج الى الداخل وتبعه عدد من جماعته.. ليس لديه خيار سوى الدخول وراءهم ليرى ان كانوا قد اقتنعوا بما قال بعد هذا الصمت الذي كان يترك مجالا للخوف يتسلل في اعماقه.. سار بخطى بطيئة نحو الداخل.. فوجد الشيخ جالسا وحوله عدد من رجاله.. اشار اليه بالجلوس امامه.. ثم بادره بالقول وقد بدا عليه الانزعاج: “ألم يستطع اميرك الانتظار.. صحيح انني تأخرت ولكن كان يجب ان ينتظر””.. لم يجد جوابا امام انزعاج الشيخ سوى بلع ريقه.. فحاول ان يستجدي بعض الكلمات فلم يجد منها مايناسب حتى انقذه احد افراد المجموعة الذي كان في الخارج اذ دخل مسرعا وهمس للشيخ بكلمات نهض على اثرها وخرج مسرعا وجماعته يتبعوه كذيل له.. بقي وحيدا قرب القبر للحظات لم يجرؤ معها الخروج.. لكن اصوات سيارات كانت اخترقت الصمت دفعته للخروج واستطلاع مايجري.. ارتعدت اوصاله وهو يرى قافلة عسكرية تتقدم نحو المكان.. لم يحرك احد منهم ساكنا.. كما لم يرفع احدهم سلاحا.. بل لم يحاولوا الهرب ايضا.. والاغرب ان العسكر لم تبد منهم حركة مريبة.. اذ توقفت القافلة على بعد امتار منهم ليترجل من احدى سياراتها رجل بدا انه ضابط اذ احاط به عدد من الجنود وهو يتقدم نحو الشيخ ليصافحه ويتحدث اليه بلهجة اجنبية ومعه احد مساعيه لترجمة مايقوله.. لم يكونوا عسكرا للحكومة.. فبزاتهم وتجهيزاتهم العسكرية تشير الى غير ذلك.. انهم من جاءوا باسم الحرية والتحرير..
دار بينهم حديث لم يستمر طويلا اذ تقدم الضابط نحو الجماعة ليصافحهم ويدس في يد كل منهم حفنة من العملة الاجنبية.. تسمر في مكانه مندهشا لما يجري وهو يمسك بالاوراق النقدية بيده ويراقب تحرك القافلة العسكرية وهي تغادر بهدوء..
لم يفق من دهشته الا على صوت الشيخ وهو يطلب منه تبليغ اميره بانتظاره الليلة المقبلة في نفس المكان.. واكد عليه ان ينتظره.. هز رأسه جوابا حتى تذكر سيارته المعطلة.. فطلب من الشيخ ان يساعده في ذلك فما كان من الشيخ الا ان التفت اليه مبتسما وهو يقول: “بوركت يارجل.. لقد كنت في ريبة من امرك لكنك اثبت انك من انصارنا الذين يخرجون متوكلين على ربهم دون ان يتوكلوا على شيء سواه.. فانت اذ خرجت ولم تحمل اطارا احتياطيا كنت مستعينا بربك الذي اختبر صبرك حتى بعث لك الفرج”.. ثم التفت الى جماعته وتابع “اعطوه مايريد”..
تنفس الصعداء اخيرا ووضع الاوراق النقدية في جيبه وهو يتمتم مع نفسه: “كلكم اطارات احتياطية سيلقى بكم بعد ان تنفجر”..