الرئيسية » مقالات » سوف تشرق الشمس

سوف تشرق الشمس

اقترب الفجر ليسحب الليل اذياله ويمضي بنجوم اضاءت سماء داكنة ليعلن عن رحيل ليلة من ليال تموز الساخنة.. ومازال يتقلب على فراشه اذ يأبى النوم ان يداعب جفنيه كما تداعب نسمات الفجر وجنتيه.. لم يكن يعلم ان كانت تلك النسمات باردة ام ساخنة.. فالعرق الذي تصبب منه كان كفيلا بجعل تلك النسائم باردة على وجهه.. كان يفترش سطح داره كبقية جيرانه هربا من الهواء الفاسد الذي يملأ غرف الدور بسبب انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة..
لم يكن لأزيز الرصاص الذي يشق صمت بغداد في غفلة من الزمن علاقة بأرقه.. ولا لدوي الانفجارات التي تهز السطوح تحتهم سببا في هروب النوم من عينيه.. فالليلة المقبلة ليست ككل الليالي.. انها ليلة ينتظرها كل عاشق اقترب موعد لقائه بحبيبته.. فكيف به يغفو وقد اقترب موعد اقترانه بها بعقد مقدس.. كان يحصي الليالي من اجل ذلك حتى اضحت ليلة واحدة ليحصي اخيرا ساعاتها بل ودقائقها.. حتى ارهقه السهر ليغلبه سلطان النوم الذي لم يكن يستسلم لسطوته حتى اغواه باحلام اذهبت يقظته..
لم يشعر بأشعة الشمس تلهب جسده المنهك.. كما لم يحاول احد من اهله ايقاظه لأنه اليوم عريس.. او هو مقبل على ذلك.. لكن دوي انفجار هائل قطع له شريط احلامه لينهض فزعا ويهرول نحو سياج السطح لينظر مكان الانفجار.. السنة الدخان كانت تتصاعد على مقربة من داره واصوات سيارات الاسعاف والشرطة تضج بصفير ينقل له مشهدا دمويا لما جرى.. لم ينقطع ازيز الرصاص الذي يتصاعد مع ارتفاع السنة الدخان الاسود.. جال بنظره ارجاء السماء محاولا الابتعاد عن غيمة الدخان التي ترتفع الى عنان السماء.. وكأن ارواحا بريئة ارتفعت لتبدد تلك الغيمة السوداء عن قرص الشمس لتخترق اشعتها سواد الغيمة وتنشر ضياءها معلنة عن ولادة يوم جديد..
اجواء داره كانت في حياة مستمرة وحركة دؤوبة.. فالاهل والاقارب والاصدقاء يتوافدون لمشاركته في هذا اليوم.. الذي هو يومه.. هدأ الضجيج وخف الازيز في الخارج لترتفع الايدي بالتصفيق في داره وتشجو الحناجر بالغناء لخلق جو مناسب لهذا اليوم.. لأنه يوم زفافه..
كانت الاخبار تنقل له تباعا عن عروسه.. انها الان في صالون التجميل تتزين له.. برفقة عدد من الفتيات من بينهن شقيقته.. قلبه يزداد في الخفقان مع دوران عقارب الساعة مترقبا اللحظة التي تلتف بها يد عروسه حول ساعده بفستانها الابيض الطويل ووجه يتحدى نور الشمس.. ارتفعت حدة التصفيق مع دبكات يقوم بها محبوه تعبيرا عن فرحهم.. لكن تلك الدبكات لم تشغله عما يدور حوله فثمة خطب ما يحاول شقيقه اخفاؤه عنه وقد بدا شاحب اللون يتحدث بهمس مع احد الاقرباء.. نظر الى ساعته.. تأخرت الاخبار من عروسه.. من المفترض ان تكون الان في دارها بانتظار قدومه وجمهور المحتفلين.. اقترب من شقيقه وحاول استفهام الامر منه لكن الاخير تركه بحيرته معرضا عنه مؤكدا له بأن شيئا لم يحدث ثم خرج مسرعا برفقة عدد من الاقرباء ليترك الشك يأكل قلبه..
حاول شقيق العريس ومن معه استدراك الامر اذ هجمت عصابة من النساء على صالون التجميل وسلبن كل ماتحمله النساء من مصوغات واموال هذا كل مااخبرته به شقيقته التي ترافق العروس لكنه لم يكن مهتما بما سرق بقدر قلقه على احوال الفتيات هناك.. انفرجت اساريره وهو يراهن بحال جيدة.. فطلب من صاحبة الصالون اتمام مابدأته ليبقى مع اقربائه حارسا لهن ومن ثم يأخذهن الى دار العروس..
مضى الامر بسلام.. عاد شقيق العريس ورفاقه منشرحين.. فما سرق يمكن تعويضه المهم سلامة الموجودين.. استغربوا من الهدوء الذي يخيم على الدار وهم يقتربون منها.. لاتصفيق لاغناء ولا اية مظاهر للفرح.. ومن اين يأتي الفرح والعريس غير موجود.. اخبروهم ان جماعة مسلحة من التي نصبت نفسها مدافعا عن امن المحلة اقتادته معها اذ ازعجها مظهر الفرح والحياة في هذه الدار وهم يعيشون في موت دائم.. اقتادوه لان اصحاب الدار يرقصون فرحا.. وهم يرقصون على اعتاب الموت من اجلـ…هم.. وفي سبيلـ..هم..
اشتدوا غيضا اذ أخذ العريس في غفلة منهم.. ليتدخل عدد من وجهاء المحلة لاطلاق سراح العريس منعا لأية مشاكل قد تحدث خاصة وان شقيقه واقرباءه من الشباب الاشداء قد عادوا توا.. ليطلق سراحه بعد التعهد لهذه الجماعة بايقاف مظاهر الفرح وكذلك “تغريمه” هذا ماقيل لهم.. تغريم العريس بمبلغ مالي يذهب الى بيت مالهم.. ليواصلوا قتالهم من اجل قتل الفرحة التي يطاردونها لأنها لعنة تجلب الشقاء وبالتالي فانهم يحافظون على امن وسلامة المحلة من عبث العابثين.. لكن هيهات لهم ان يقتلعوا جذور الحياة من قلوب صابرة محتسبة..
عاد العريس.. ارتفعت الحناجر لتكسر الصمت وتتحدى البنادق.. شقيق العريس واقربائه واصدقائه احاطوا به وهم يصفقون له ويهزجون فرحا بحيث لايمكن لأحد ان يقترب منه ثانية.. لأن تلك الجماعة تعلم انه لايمكن ان يلدغ العاقل من جحر مرتين.. اذ اغلق الجحر الذي نفذوا منه وبقوا يتربصون..
الوقت يداهمهم.. فأهل العروس بانتظارهم لتنطلق السيارات في موكب طويل وقد وضع العريس داخل احداها.. وتسير ببطء وهي تطلق مزامير الفرح ابتهاجا.. ومازال هناك من يتربص بهم لكنهم اضحوا يتربصون بخوف.. فاكتفوا بما حصلوا عليه لما سموه غرامة لبيت مالهم..
انضمت عدد من السيارات التي تحمل عددا من اهل العروس الى الموكب الذي جاب شوارع تفوح منها رائحة الموت.. امسك بيد عروسه ووضعها على فخذه وهو يحاول الاقتراب منها اكثر في المقعد الخلفي للسيارة المخصص للعريسين.. تطلع في عينيها الملتمعتين خجلا.. ثم تطلع عبر نافذة السيارة نحو السماء وكأنه يبصر الارواح التي ارتفعت الى عنانها وهي تأبى الا ان تشاركه سروره كنجوم تضيء وسط ظلام يتربص للحياة.. لم تكن تلك الارواح فحسب فهناك اخرى تنهض مع دوي كل انفجار يريد ان يعصف بالحياة.. فلم يكن منه الا ان يضغط على يديها ليشعرها بوجوده الى جانبها..
لم يسمح موظفو الفندق بدخول اكثر من مرافقين اثنين مع العريسين حتى يصلا الى غرفتهما ليواصل الباقون فرحتهم في باحة الفندق..
كان دوي الانفجار قويا حتى لم تتحمله نوافذ الفندق ليتطاير زجاجها في كل اتجاه.. لكن العريسين بخير اذ واصلا خطواتهما نحو الغرفة المحجوزة لهما سلفا ليستهلا حياة جديدة..