الرئيسية » مقالات » هدية الوداع …( وعد ) قصة قصيرة

هدية الوداع …( وعد ) قصة قصيرة

كانت امل تتمشى على كورنيش البحيرة لتمتع ناظرها بإخضرارالأشجار وزقزقة العصافير فرحة بالربيع ، ولتستمتع بملمس شمس أيار على جسمها ، تتسلل اشعتها من مسام النسيج القطني لفستانها السمائي والنسمة الطرية التي تأتيها من البحيرة تدغدغ أعصابهاوتطرد بقايا الصداع الذي المّ برأسها للأخبار المؤلمة التي تناقلتها شاشات التلفزيون وواجهات الصحف عن العراق والتي يقشعر لها البدن .وحين شعرت بالتعب ، جلست على إحدى المصاطب المنتشرة على ساحل البحيرة.

فجأة تبصر عينيها شابة سمراء ,ذات وجه مستدير وشعر قصير ، عيناها واسعتين ، فيهما بريق مثل مياه البحيرة التي تجلس امامها .. لم تصدق أمل عينيها حين رأت سعاد التي كانت تشاطرها السكن ايام الجامعة تجلس على مصطبة قريبة منها وبحضنها طفلة لا يتجاوز عمرها الأربع سنوات . إتجهت اليها والفرحة تملأ قلبها لهذا اللقاء الذي جمعهما صدفة . مدّت يدها لتصافحها وقالت : ” أنا لا اصدق عيني ! أحقيقة أراكِ امامي ؟ صدقوا حين قالوا العالم قرية صغيرة ، ومسير الحي يلتقي .. ” وراحت تعانقها بحرارة .
ـ ” ما الذي جاء بكِ هنا ؟”
ــ ” إنه القدر اللعين الذي جاء بكِ انتِ الى دول الشتات ! ”

وبنظرة خاطفة لاحظت أمل أن عينا سعاد تخفيان حزنا عميقا ، وبشكل لبق حاولت سبر غور هذا الحزن الذي يعلو عينييها ، فجلست جنبها وقالت :
” لمّ لا تتركي الطفلة تلعب بحريتها ، فلا خطر عليها ”

تقلصت عضلات وجه سعاد وضاقت عيناها وبدت كما لو أنها تغالب حالة غثيان مفاجئ ثم سهمت ببصرها الى البحيرة كأنها تتأمل شيئا وندت عنها حسرة . .. صمتت ، ولكنها لم تستطع أن تحبس دموعها ألما وحسرة . غصة تكاد تخنقها وقالت :

ــ” أخاف عليها من نسمة الهواء التي تمر امامها ، ولدتها بعملية قيصرية وقبل موعد ولادتها بإسبوعين .”

ـ ” وما الغريب في الأمر ؟ ” ، قالت أمل . ” أنا أيضا ولدت طفلتي الأولى بعملية قيصرية وقبل موعدها لأني تعرضت لأعراض جانبية .”

ـ ” لكن حكايتي مختلفة .” تصمت وتشرد بنظراتها ، تطل دمعة حزن من عينيها وتقول : ” اضطررت الى إجراء العملية لألدها لكي يراها والدها قبل أن يختطفه الموت وهي أجمل هدية قدمتها له قبل وفاته .”
وراحت بألم تسرد حكايتها قائلة :

“تعرفت على خالد في إحدى معسكرات اللجؤ وتزوجته بعد قصة حب عنيف . وبعد عامين من الزواج بدأ خالد يشكو من الصداع ، بعدها اكتشف الأطباء بأنه مصابا بالسرطان . كنتُ حاملا في شهري التاسع حين أكدّ الأطباء بأن المرض قد وصل الى مراحله الأخيرة ، وبأن أيام خالد أصبحت معدودة . شعرتُ بالقلق وتذكرت بأن موعد الولادة سيكون في نهاية الشهر وخشيت أن يموت خالد دون أن يرى المولود . كنت أقضي الليالي قلقة بعيون مفتوحة امام صورته واشعر بغصة في أعماقي … واصبح هاجسي هو كيف أسعدُ خالد في أيامه الأخيرة . فطلبت من الأطباء إجراء عملية قيصرية لي قبل موعد ولادتي باسبوعين ليتسنى لخالد رؤية المولود قبل أن يختطفه الموت . قد يكون قراري خطيرا.
ـ ” وهل اطلعتِ خالد على قراركِ ؟ ”
ـ ” لا ، اتخذتُ القرار لوحدي . قررتُ خوض غمار المجازفة لوحدي لأدخل الفرح الى قلب زوجي . ”

ــ وأجريت لي العملية وكان المولود بنتا جميلة فيها صفات كثيرة من والدها . يقولون (عندما تحب الزوجة زوجها يكون طفلها البكر يشبه ابيه ).
ـ ” وهل استطاع خالد أن يرى الطفلة ؟ ”

ـ ” أجل . بعد أن استعدت قوتي طلبت من إحدى الممرضات أن تحمل الطفلة معي الى حيث يرقد خالد . وأنا في طريقي اليه كنتُ اردد مع نفسي ” سترى طفلتك يا خالد .. ستراها وتفرح بها ..”

الشمس بدأت بالإنسحاب الى الجهة الأخرى من البحيرة ، وسعاد لازالت تسترسل في سرد حكايتها وكان الإنفعال واضحأ على وجهها قائلة :

” عندما دخلنا، كان خالد يرقد على السرير وقناع الأوكسجين على أنفه ، وما أن رأى الطفلة ، نسى الألم الذي أرهقه وأشاع الذبول في عينيه في الآونة الأخيرة . لمعت عيناه ببريق حاد ، وطلب من الممرضة أن ترفع قناع الأوكسجين . إحتظن الطفلة وقبّلها والدموع تسيل من عينيه وقال ” إنها جميلة ” ، ثم احتظنني وغرقنا نحن الأثنين في البكاء بينما الطفلة بين يديه. ” اريد أن اسميها وعد . ” ، قال لي .
وفجأة لم يستطع خالد التنفس ، فطلب من الممرضة أن تأخذ الطفلة و تعيد قناع الأوكسجين . وعدته بأني سأحضرها في اليوم التالي ليراها . فهزّ رأسه . ”
تبقى امل مبحلقة في وجه سعاد ، شعرت ببعض الضيق قبل أن تسألها :
ــ ” وماذا بعد ؟ ”
ــ “في اليوم الثاني ارتديت أحلى ملابسي وحملت ” وعد ” لزيارته ، لكني وجدته قد فارق الحياة ” .

إنهارت سعاد وأخذت تبكي وتقول : ” لن انسى ابدا تلك اللحظة سأحرص على أن لا تنسى ” وعد ” أباها ورغم أن خالد توفي ، ولن يتمكن من المشاركة في رعاية ابنته ، الا أن ذكراه ستبقى بيننا . “