الرئيسية » مقالات » مسلم طيب .. مسلم خبيث

مسلم طيب .. مسلم خبيث




حين إنفتح العرب على العالم الخارجي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر , وبدأوا يبعثون أولادهم الى الخارج للدراسة , تعلم هؤلاء الأولاد لغات جديدة في الدول التي إبتعثوا لها , وحين عادوا الى بلدانهم , صاروا يقرأون باللغات الجديدة التي تعلموها , ويترجمون من هذه اللغات الى لغتهم الأم ( العربية ) الشيء الكثير مما قرأوا أو تعلموا .




كما أن إستقدام المطابع ونشاط حركة الطباعة والنشر , كان عاملا مضاعفا , في إنتشار الكتاب الجديد الفكرة , وغير المألوف عند العقل العربي . وقد أدى هذا الى نشوء طبقة مميزة من المثقفين العرب الذين نفخر بثقافتهم ووعيهم والذين بدأ عددهم ومستواهم بالإنحسار منذ خمسينات القرن الماضي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية , وإعلان الحرب الباردة التي أسبغت على ثقافتنا العربية ومثقفنا العربي درجات مختلفة من القتامة والإرتداد .
أما حين هبطت على دولنا ثروات البترول , وصار الكتاب يدعم مثلما يدعم رغيف الخبز , صرنا وقتها نشتري نسخا من كتب لا يحلم أحد بتملكها , وهكذا بنيت مكتباتنا الشخصية .
مقارنة على ذلك الوضع , بوضعنا اليوم , ههههه …. لا يوجد وجه للمقارنة . اليوم مجلة تافهة رخيصة المعنى والمبنى , سعرها يزيد على مائة رغيف أو ألف , وربما أكثر .
ولهذا ترى أن كتبا مهمة صارت غائبة عن عين القاريء العربي .. سبحان الله , لم يبق من يترجم , ولا من يدعم , ولا من يطبع ,, وحتى إن حصل , فبحدود ضيقة جدا , تسمع أن هناك ترجمة لكتاب ما , ولكن أين ومتى ؟ ..وبأي سعر ؟ الله أعلم .
هناك نشرة تقول : إن دار غاليمار الفرنسية وحدها , تطبع من الورق سنويا , ما يزيد على مطابع الوطن العربي كله … ألف واحسرتاه عليك أيها القاريء العربي .







من الكتب الجديرة بالترجمة الى العربية كتاب : ( مسلم طيب , مسلم خبيث . أمريكا , الحرب الباردة وجذور الإرهاب ) تأليف البروفيسور محمود مامداني .
قبل الدخول الى عالم الكتاب دعونا نتأمل الغلاف , فهو أحمر بلون كارتات الحب يوم عيد الفلانتاين , وعليه صورة لإلتقاء المحبين , ( المحب الأمريكي ) يقطع سير السيارات في واحد من شوارع مركز نيويورك , ليصلي فيها ( المحبوب المسلم ) , هذه الصورة إلتقطت أيام زيارة وفد من المجاهدين الى الولايات المتحدة الأمريكية أيام الرئيس الأمريكي جيمي كارتر , حيث أثنى عليهم وزودهم بالمليارات والسلاح ليجاهدوا الكفار , لم يكن المسلم في حساب السياسة الأمريكية إرهابيا ذلك الوقت , لذلك عودوا الى الصورة ,, ستجدون أن الحرس والشرطة الأمريكية منتشرين في المكان , وهم الذين قطعوا الطريق لهؤلاء المسلمين كي يؤدوا الفريضة في عرض الشارع , ولا تدري …. ألم يكن هناك جامع أو حديقة أو ساحة في كل نيويورك تسمح بأدائهم الفرض ؟ أم أن حب الإستعراض من الطرفين هو الذي سمح بذلك ؟ الله أعلم .
ولمحبي التأمل .. أدعو فقط الى التمعن في الصفوف الخلفية من المصلين ستجدون فيها عددا من النساء المصليات , وحسب التعاليم الإسلامية فإن النساء يصلين خلف الرجال , حتى لا تنكشف عوراتهن اذا وقفن أمام الرجال , ولكن في هذا الشارع .. إنتبهوا الى عدد الرجال من عابري الطريق على الرصيف الواقفين خلف تلكم النسوة المصليات , هل يجوز التساهل اذا نظرغير المسلم الى عورة المسلمة وهي تصلي , وأولياء أمرها الرجال المسلمون واقفون وموجودون ؟ كما أرجو التمعن في الكلمات المكتوبة على البناية والمحل خلف المصلين , مكتوب : محل لبيع النبيذ والكحوليات
. (WINE & SPIRITS)
هل تجوز الصلاة على عتبة خمارة ؟ وأي ضرورات تلك التي أباحت مثل هذه المحظورات ؟ والعلم عند الله ماذا تحوي جهة الشارع المقابل لوجوه المصلين ؟ .. وليس عندي أي تعليق على هذه الصورة , التعليق متروك لضمائركم .

ولد محمود مامداني عام 1947 في كمبالا / أوغندا , وهو أفريقي جده الثالث قدم الى أفريقيا من الهند , حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة هارفارد عام 1974 . ثم قام بالتدريس في جامعة دار السلام في تنزانيا , جامعة مكريرا في كمبالا , جامعة كيب تاون في جنوب أفريقيا , بعدها ذهب الى نيويورك حيث يعيش هناك مع زوجته وإبنه منذ العام 1999 ويقوم بالتدريس في جامعة كولومبيا وهو مدير معهد الدراسات الأفريقية فيها أيضا .
يعتبر مامداني من المطلعين في الشأن الأفريقي وصاحب خبرة في السياسة والعلاقات الدولية , وتكريما له كلف بقراءة الورقة الخامسة من أوراق مراسيم منح جائزة نوبل يوم حفل التكريم بها عام 2001 , وكان عدد الأشخاص الذين كلفوا بهذه المهمة تسعة فقط من كل العالم .
أما في مايس / 2008 فقد إختارته صحيفة ( فورين بولسي ) الأمريكية كواحد من أهم مائة شخصية سياسية في العالم .
وفي تموز / 2008 وقع عليه نفس الإختيار من صحيفة ( بروسبكت ) البريطانية .
الكتاب من القطع المتوسط يحوي 304 صفحة وصادر عن ( دار بانثيون / راندوم هاوس ) عام 2004 .
محتويات الكتاب هي :
– إيضاح .
– المقدمة . العصرية والعنف .
– حوار الحضارة . أو : كيف لانتحدث عن الإسلام والسياسة .
– الحرب الباردة بعد الحرب الهندوصينية .
– أفغانستان : أعلى مدى للحرب الباردة .
– من الحرب بالنيابة الى التعدي المفتوح
– الخلاصة : ماوراء الحصانة , والعقوبة الجماعية .

# في الإيضاح يعلمنا البروفسور مامداني أن بذرة هذا الكتاب جاءت من حوار دار في كنيسة تقع أعلى الجانب الغربي من مدينة ( نيويورك ستي ) بعد أسابيع من أحداث سبتمبر الشهيرة مع ثلاثة من زملائه هم : طلال أسد من جامعة ( ستي يونفيرستي ) نيويورك , تيم ميتشل من جامعة نيويورك وبوب مايستر من جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز .

# أما في المقدمة التي عنونها بإسم ( العصرية والعنف ) فيقول بأن العنف ومنذ الثورة الفرنسية صار يشبه القابلة المأذونة التي تولد التاريخ , الثورة الفرنسية ولدت لنا الإرهاب وكونت الجيش من المواطنين . السر الكبير وراء نجاحات نابليون بونابرت العسكرية هو أن جيوشه كانت من الوطنيين الذين يقاتلون من أجل هدف يعلى بالمشاعر الوطنية _ وما سوف نسميه لاحقا : المشاعر القومية .
عام 1492 بدأت النهضة الأوربية ومعها الحداثة السياسية ووصل كريستوف كولومبس الى قارة أمريكا . ونشأ الصراع على تقاسم العالم الجديد . الأوربيون وهم يسعون الى غنيمة العالم الجديد قسموأ انفسهم على أساس العرق والدين . عندما إحتل الملك فرديناند والملكة إيزابيلا غرناطة ورأيا أن المسلمين واليهود جماعة من الأقوياء في إمارة غربية مسيحية فقد سعيا الى تغيير معالم هذا الحال , أمرا اليهود أولا : وبسبب ذلك إعتنق 70 ألف يهودي المسيحية كي يتمكنوا من البقاء في إسبانيا ومن مجموع 130 ألف المتبقي منهم . فقد نزح 50 ألف الى شمال أفريقيا ومقاطعات البلقان التي تحكمها الدولة العثمانية . في حين أن 80 ألف عبروا الحدود الى البرتغال , وبعد سبع سنوات من ذلك قامت إسبانيا بمنح المسلمين نفس الخيار : إعتناق المسيحية أو الرحيل .
في التاريخ الحديث للدولة الغربية يوجد نوعان من الضحايا : الضحايا الداخليون الذين يساهمون في بناء الأمة من الداخل , والضحايا الخارجيون الذين يساعدون الأمة على التوسع .
فكرة أن (( الإمبريالية تخدم الحضارة عن طريق تخليص الحضارة من الأجناس غير المرغوبة أو قليلة الأهمية على الأرض )) كانت قد تفشت في الفكر الأوربي , فتمت بذلك على سبيل المثال في إحدى جزر بحر تسمانيا عام 1804 أول مجزرة لذبح السكان الأصليين , وحدثت أخرى مشابهة لها عند ذبح ( الماوري ) وهم سكان نيوزيلندا الأصليين , و( الهيريرو ) سكان جنوب غرب أفريقيا الألمانية .
أول قنابل ألقاها العالم من الطائرات على بشر كانت قنابل إيطالية ألقيت على واحة خارج مدينة طرابلس / شمال أفريقيا عام 1911 لتطهير أرضها من السكان . أما البريطانيون فقد فعلوا ذلك ضد الصوماليين عام 1920 . أما أثناء الحرب العالمية الثانية فإن ألمانيا كانت قد وضعت قوانين حرب مع العالم الغربي … ولكن ليس مع روسيا , ولهذا فإن نسبة جنود الحلفاء الذين ماتوا أسرى بيد الألمان كانت 3% بريطانييين وأمريكان , و57% من الروس .
المجازر التي تعرض لها اليهود خلال الحرب العالمية الثانية كانت كبيرة أيضا , لكن الإبادة العرقية التي تعرض لها ( هيريرو ) أفريقيا كانت أكبر كثيرا مما تعرض له ( يهود) أوربا على يد نفس الألمان . لكن محرقة اليهود أو الهولو كوست , يعلم بها كل العالم . ولا يدري أحد من هم الهيريرو , حتى في الموت الجماعي هناك درجات للبشر ؟؟
قبل أحداث سبتمبر كانت البشرية قد وصلت الى قناعة : أن ذلك لا ينبغي أن يتكرر من مواطني أي الدولة , ولا مع أي إنسان في هذا العالم .
بعد أحداث سبتمبر حيث هاجم الإرهاب تجمعات بشرية كبيرة وألحق بها الأذى في بنايتي برج التجارة , فإن الولايات المتحدة وهي تسعى لمحاربة وملاحقة الإرهاب فهي تلحق الأذى بتجمعات سكانية مدنية كبيرة جدا لا علاقة لها بذلك الإرهاب أيضا .
# متن الكتاب يبدأ بسرد علاقة أوربا والغرب مع المسلم من بداية كونه مسلما عاديا يؤدي فروضه الدينية مثل كل الخلق , حتى أوصلته بنظر العالم والناس الى أن يحمل صورة الإرهابي . ومن خلال تخصص الدكتور مامداني بالشأن الأفريقي فإنه يرى أن السياسة الغربية مع المسلمين العرب والأفارقة هي سياسة واحدة . خصوصا اذا أخذنا بنظر الإعتبار أن نصف أقطار الوطن العربي واقعة في شمال أفريقيا .
قلنا أن فكرة إبادة الأجناس غير المرغوب فيها أو ( الإبادة العرقية ) كانت ( ثقافة ) عالمية شاركت بها جميع الدول الأوربية القوية بواسطة جنودها وسلاحها منذ العام 1500 ميلادي تقريبا . لم يختلف في ذلك البريطاني عن الفرنسي عن الأمريكي أو الإيطالي أو الألماني . غير أن سبة الهولوكوست بحق هتلر , تجعله هو وحده الذي مارس جريمة (( الإبادة العرقية )) ضد اليهود , في حين غيره من كل الذين إقترفوا نفس الجريمة أبرياء شرفاء .
بعد ذلك تعلم العالم طريقة إشعال الفتن بين الجماعات والدول لتبيد نفسها بيدي بعضها , على شكل ( حرب بالإنابة ) أو ( إحتواء مزدوج ) , وجعل سكان العالم غير المرغوب بهم كما يقول المثل : فخار يكسر بعضه .
حين نصل الى مشارف الحرب العالمية الأولى , سنرى الغرب يعلي النعرة القومية عند العرب المسلمين ليجعلهم يتمردون على الدولة العثمانية المسلمة التركية , وهكذا ثارت الثورة العربية بقيادة الشريف حسين بن علي شريف مكة , ولكن ماذا كسب العرب بعد أن وضعت الحرب أوزارها ؟ غير التقسيم الى دول بعد معاهدة فرساي وإتفاقية سايكس بيكو ؟ التي قسمت بلاد العرب لا حسب مصالح أهلها ولكن حسب مصالح الدول التي ستسيطر على أقاليم هذا الوطن بإعتباره : (( غنيمة حرب تم التحصل عليها من سقوط الدولة العثمانية )) .
بقيت نعرة القومية قوية وتطغى على النعرة الدينية عند العربي المسلم , وهكذا ستتأسس دول عربية قومية علمانية تضع العروبة في المقام الأول والدين ثانيا بسبب مرارة التجربة مع المحتل المسلم التركي , وحين يقول الكتاب : الدين , فلا يقصد به العلاقة بين الخالق والمخلوق , وإنما الدين ( كنظام دولة ) .
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ومؤتمر يالطا وتأسيس إسرائيل على أرض عربية , وتنامي المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط , بدأت الإنقلابات العسكرية تقع في ممالك الوطن العربي فحولتها من ممالك الى أنظمة جمهورية , سرعان ما طردت الوجود البريطاني من أراضيها معتبرة ذلك تحررا , لكنها إرتبطت بنفس الوقت وبطرق مختلفة إقتصادية وسياسية مع الولايات المتحدة الأمريكية , إن لم يكن في العلن ففي السر .
رأى الأمريكيون أن تعاظم النعرة (( العروبية )) في دول المنطقة سيؤدي بالنتيجة الى نوع جديد من توحيد تطلعات أبناء المنطقة , وهذا يهدد مصالحها مثلما يهدد أمن إسرائيل , لذلك عمدت الى مد اليد لتأسيس خلايا دينية داخل هذه الدول , وأمدتها بالعون الى أن أوصلتها لتكوين تنظيمات إسلامية معارضة لنظام الحكم العلماني . ويعطي الكتاب مثالا واضحا على ذلك بتنظيم الأخوان المسلمين في مصر الذي إنتشر الى أجزاء مختلفة من الوطن العربي .
حين وصلت حدة الخلاف بين السلطة الحاكمة العربية والتنظيمات الإسلامية الى مداها , صارت تقع بينهما الإشتباكات , والتعارض في الشعارات والمباديء , وهذا بحد ذاته هو المطلوب لتشتتيت الرأي العام وإضعاف المنطقة .
يواجهنا الكتاب بقضية ثانية هي أنه بعد نهاية الحرب العالمية الثانية , وإختلاف الروس والأمريكان على تقاسم المصالح حول العالم , فقد وقعت حربين مدمرتين هما الحرب الكورية والحرب الفيتنامية , شاركت فيهما الولايات المتحدة بجنود من مواطنيها ودفعت في تلكم الحربين خسائر بشرية باهضة , وكان من نتيجة دروسهما أن قررت الولايات المتحدة أن تدخل حروبها المقبلة على شكل حروب بالإنابة ( بروكسي ) ولذلك حين إمتد النفوذ السوفيتي الى أفغانستان , متخذا له موطيء قدم بين النفوذ الأمريكي في الباكستان والنفوذ البريطاني في الهند , قامت الحكومة الأمريكية بتهييج النعرة الدينية عند القبائل الأفغانية ضد الروس فحولتهم الى مجاهدين , وبطرق مختلفة ساعدت على أن يلتحق بهم عرب مجاهدون أيضا وأمدت الجميع بالمال والسلاح .
لم يكن المجاهد المسلم وقتها ( إرهابيا ) ولم يكن الإسلام ( دين قتل ) وشاهدتم على غلاف الكتاب كيف كانت فريضة الصلاة الإسلامية محترمة في قلب نيويورك , لابل ويستعرض ويفتخر بها فوق ذلك .
في نفس الوقت الذي إعتمد الأمريكان على المجاهدين وأغلبهم من تنظيمات من المذهب السني , فقد قام الأمريكان بإزاحة شاه إيران وأسسوا : جمهورية إسلامية ( شيعية ) . شعارها تصدير ثورتها الشيعية الى العالم . وبذلك يعمد الأمريكان الى إذكاء روح العداء الطائفي بين (( السنة والشيعة )) من أجل إحتوائهما ( إحتواءا مزدوجا ) , اذا ظل المجاهد المسلم مقدرا عالميا بسبب ما يقوم به من دور لأمريكا فمن المحتمل أن تتوحد بذلك كل طوائف مسلمي العالم , وهذا ما لن تريده أمريكا التي تبحث عن أوطان ممزقة وشعوب متفككة لتنفيذ أغراضها , ولهذا فهي ومنذ الآن تبذر للإسلام بذور الطائفية .
حين إنهار الإتحاد السوفيتي وصارت الولايات المتحدة هي اللاعب الوحيد في العالم , أعلنت حربها على الإرهاب , ولكن من هم الإرهابيون ؟ إنهم نفس المجاهدين الذين أعدتهم هي بنفسها قبل عقد أو عقدين من الزمان . وهكذا شنت الحرب على أفغانستان , رمي بالصواريخ والقنابل , أما الحرب البرية فلم يشارك بها ولا جندي أمريكي واحد بل قام بها جنود ( التحالف الشمالي ) من الطاجيك والأوزبك والهزارا , ضد مواطنيهم البشتون من ( تنظيمات حركة طالبان ) التي أسستها الولايات المتحدة نفسها في الباكستان .
كان هذا هو هيكل كتاب ( مسلم طيب , مسلم خبيث . أمريكا , الحرب الباردة وجذور الإرهاب ) في الكتاب تفاصيل باسماء دول وأسماء تنظيمات وأشخاص تغني كل ما تحدثنا عنه وتجعله مقنعا وواضحا جدا .
بقيت قضية أخرى يسردها الكتاب على شكل مقاطع متفرقة ضمن سرده لرؤيته الكلية لواقع تحريك الدين في المنطقة العربية ألا وهو قضية تشابك القضيتين اللبنانية والفلسطينية .
أجزاء كبيرة مما تبقى من فلسطين كانت قد إنضمت الى الأردن وتأسست منهما المملكة الأردنية الهاشمية . الفلسطينيون الذين نزحوا عن الأراضي التي إحتلتها إسرائيل عام 67 ذهبوا الى الأردن , وتشكلت منهم خلايا مقاومة ومنظمات فدائية مسلحة , تهدد في كل لحظة أما بقلب الأوضاع الأمنية في الأردن أو بإدخالها حربا مع إسرائيل . لذلك قام الملك حسين في نهاية السبعينات بإعتقال بعض قيادات التنظيمات وتعقب البعض , فغادرت المنظمات الفلسطينية الأردن متوجهة الى لبنان , ومن هناك كانت تشن عملياتها المسلحة داخل فلسطين المحتلة .
حين وقع السادات إتفاقية التطبيع مع إسرائيل في كامب ديفيد , أوقف ضدها كل العمليات العسكرية التي تشن على إسرائيل من قطاع غزة , وقامت الجامعة العربية على الفور بتخويل سوريا حق الدخول الى لبنان تحت شعار ( حماية أهلها من القتال الدائر بين التنظيمات الفلسطينية وإسرائيل ) , لكنه في الحقيقة , كان تخويل للقوات السورية بإخراج الفلسطينيين من لبنان .
حين دخلت سوريا الى لبنان , دخلت وليس في نيتها أن تخرج , وكيف يتم لها ذلك ؟ يتم لها ذلك بطريقين : أما تأسيس حكومة ( شيعية لبنانية ) موالية للحكومة العلوية السورية , أو بإدامة القتال مع إسرائيل . ساندت القوات السورية الأحزاب الشيعية التي كانت إيران الإسلامية قد أسستها بين شيعة لبنان , وصار الضرب متبادلا بين الفلسطينيين , والإسرائيليين , وشيعة لبنان , وسنتها , ومسيحييها .
حين عم الدمار الجميع , أعادوا فرز تشكيلاتهم , إصطف الفلسطينيون مع السنة , وسوريا مع الأحزاب الشيعية , وشكل الموارنة ميليشاتهم أيضا التي إستمدت دعمها من كل مكان حتى من إسرائيل نفسها , وهكذا تنوع القتال في لبنان , الى أن أجبرت الأوضاع منظمة التحرير الفلسطينية على مغادرة الأراضي اللبنانية الى تونس .
لكن سوريا في تلك الفترة لم تكن قد أفلحت في تكوين حكومة شيعية في لبنان , لذلك كان عليها إدامة التعدي الإسرائيلي على لبنان , وقد تمكنت من ذلك بواسطة مليشيات حزب الله المتمركزة في جنوب لبنان .
إلا أن أخطر ما يقوله الكتاب , هو عن نشأة وتأسيس حركة حماس الفلسطينية , فزيادة على أن الدكتور عبد الله عزام وهو واحد من أهم الشخصيات المؤسسة لحركة حماس , فهو أستاذ أسامة بن لادن منذ أن كان أسامة طالبا جامعيا في المملكة العربية السعودية وعزام هو الذي ساعد أسامة على بلورة فكره الجهادي من خلال حواراتهما معا . فإن الكتاب يذكر في الصفحة 121 ما ساقوم بترجمته نصا عن الدور الإسرائيلي في تأسيس منظمة حماس الإسلامية , يقول الكتاب : (( …. الإعتقاد من قبل الولايات المتحدة وحلفائها : إسرائيل والأنظمة العربية المعتدلة , بأن الإسلام السياسي يشكل ضغطا ضد الحركات القومية العربية العلمانية الموجودة في المنطقة , ولكي تأخذ الفكرة مداها , فإن إسرائيل سعت الى دعم حركة إسلامية سياسية في الأرض المحتلة , لتحريكها ضد العروبيين العلمانيين من منظمة التحرير الفلسطينية , فالمخابرات الإسرائيلية , هي التي سمحت لحماس بالتحرك والفعل خلال الإنتفاضة الأولى , كما سمحت لها بفتح جامعة وحسابات مصرفية ومن المحتمل أنها زودتهم بالمال أيضا , فقط من أجل أن تجعل حماس قوية ومنظمة في الإنتفاضة الثانية )) .
وهذا هو ما نراه الحاصل فعلا في الصراع الحاد الواقع الآن بين منظمة التحرير الفلسطينية وحركة حماس , والذي يدفع ثمنه المواطن الفلسطيني والقضية الفلسطينية برمتها . فبعد الإنتفاضة الثانية , دخلت حماس الإنتخابات , وصعدت الى مستوى ( سلطة ) وصارت تناكف وتصارع منظمة التحرير الفلسطينية على كل شيء وأتفه شيء , ولن يختلف إثنان على أن إنقسام السلطة مهما كانت قوية أو ضعيفة هو في غير صالح القضية برمتها .
أما عن الإجتياح الأمريكي للعراق , فالكتاب يذكر أن الولايات المتحدة تستعمل إيران في هذه الحرب إستعمالا ( بالنيابة ) بإستغلال العنصر الطائفي الذي تم تحريكه في المنطقة منذ ما يزيد على ربع قرن , بتحريك هذا العنصر الطائفي الآن , فإن ايران تقدر أن تؤدي للأمريكان ما يريدون دون أن يلوثوا أيديهم .
لكنه يقول عن العراق في الصفحة 260 (( نفس العراقيين الذين رحبوا بإسقاط صدام حسين , ينظرون اليوم الى الجنود الأمريكيين كقوة محتلة . ألم يحن الوقت لمناقشة الإفتراض المبسط الذي هو : بمن ترتبط مشكلة عدم قبول الأمريكان في العراق ؟ بالعراقيين الخبثاء المعارضين أم بالعراقيين الطيبين ؟ وفيما لو أن العراقيين الخبثاء والطيبين , والمسلمين عموما الخبثاء والطيبين , تم إستفتاؤهم رسميا عمن يدعم منهم السياسات الأمريكية ومن يعارضها , ألن تدعونا نتيجة الإستفتاء الى إعادة النظر في سياساتنا التي يبدو أنها بدأت تفقد داعميها ويتفاقم معارضوها بإضطراد ؟
هنا في أمريكا , أو هناك في العراق , أو في أي مكان في العالم , تفعيل الديمقراطية , في عهد كونية القوة الأمريكية لا يتطلب الحروب )) .
آخر عبارة في الكتاب يقول فيها الدكتور محمود مامداني : (( وللنصر في الحرب ضد الإرهاب , نحتاج الى فهم أن العالم قد تغير , وأن الأستعمار القديم لن يتجدد .. ولن يرجع , وأننا مقابل إحتلال أراضي أجنبية سندفع أقياما باهضة , أرواحا ومالا , أمريكا لا يمكن أن تحتل العالم , وعليها أن تتعلم كيف تعيش فيه )) .