الرئيسية » مقالات » كركوك .. هذه شهادتي ( 4 )

كركوك .. هذه شهادتي ( 4 )

غبار عنصري
كانت صورة الكوردي في الثقافة السياسية (والتعاملات الحقوقية) للنظام السابق قد انتهت الى الشكل التالي: “شخصية متآمرة. غير مأمونة الجانب. انفصالية. مريبة” وكان الكوردي الصالح، بالنسبة لصدام حسين، هو الكوردي الذي يقاتل ابناء شعبه ويجلد ظهورهم ويتجسس عليهم، فيما الكوردي المنصرف الى شؤونه، السوي، المنضبط، هو الاكثر خطورة ومدعاة للمراقبة والرصد.. انه تمييز عنصري نموذجي مما يدرس في الاكاديميات الاجتماعية الدولية، بكل ما ينتجه من آثار، وما يفرزه من ردود افعال وثقافات مشوهة، وطبقا لعالم الاجتماع الامريكي “إي فرانكلين فريزر” الذي بحث هذه الظاهرة في قارة امريكا اللاتينية، فان بعض نتائج هذا التمييز تظهر في بروز شرائح من القوميات المضطهدة تكفر بالاخاء القومي وجدوى الشراكة في الوطن الواحد، تتسع باتساع الحملة العنصرية وتضيق بانحسارها …

ولا اكتشاف مثير في القول بان مثل هذه الشرائح والتيارات برزت في الوسط الكوردي، غير انه من الواجب الاستدراك بالقول انه بالرغم من اعمال الابادة والاذلال وامتهان الكرامات التي تعرض لها الكورد في العراق فانهم، وحتى الفئات الانتقامية منهم، لم يلجأوا الى التعرض بالمدنيين العراقيين ولم يفجروا السيارات بالمزدحمات ولم يضربوا شبكات الماء والكهرباء والخدمات، واقتصرت مقاومتهم المسلحة على الدفاع عن المواطنين الكورد الامنين من حملات القهر الحكومية المنظمة.
ويشاء كتاب وسياسيون عراقيون طائفيون وقوميون (وبعض الجهلة) ان يعيدوا احياء صورة الكوردي”الصدامية” كشخصية مريبة وانفصالية، على خلفية النزاع حول المصير الاداري لمدينة كركوك، وتناسلت الاصوات والكتابات وتسريبات الكواليس حول النية المبطنة للكورد اقامة دولة مستقلة، برغم ان الزعامات الكوردية والهيئة التشريعية للاقليم ومنظمات وهيئات ومراجع واحزاب كوردية عديدة ومؤثرة تعلن، في وثائق وتعهدات، التزامها بالوحدة الوطنية العراقية، وبمبدأ الشراكة في الوطن الواحد، وبخيار العراق الاتحادي، وفي كل مرة يقول الكورد انهم عراقيون، تطلق فرقة الانشاد الشوفينية ندائها الاعلامي: “لاتصدقوهم، انهم انفصاليون” ولا يتوانى بعضهم من اللعب في ساحة الموضوعية الفارغة بالاستهلال في عبارة ‘الاخوة الاكراد” او “اننا نحترم حقوقهم ومطالبهم.. لكن’ او ‘لا نمانع بانفصالهم.. لكن ليقولوا ذلك”.
وذهب البعض من الاصوات الى تحذير العرب (بمناسبة الحديث عن كركوك) من تكرار ضياع حقوق العرب في الاسكندرون وفلسطين والاهواز وسبتة ومليلة، ومنها من هبط في التأليب الصوتي الى تذكير العرب بانسلاخ الاندلس، وبذلك اثثت الجملة العنصرية ارضية ايديولوجية لترحيل قضية عراقية دستورية ادارية محلية الى اطار اقليمي وقومي يقع خارج دائرتها وطبيعتها وحدودها، وقد تكون، بحماقة منها، قد خلقت مقدمات سايكولوجية وسياسية لاستقلال المكوّن الكوردي عن العراق، باعتباره خيارا بديلا عن الشراكة التي باتت متعذرة مع هذا الغبار العنصري.. الخانق. ـــــــــــــــــــــ
.. وكلام مفيد
ـــــــــــــــــــــ
“كن مثل شجرة الصندل.. تعطر الفأس التي تقطعها”.
سعدي شيرازي

شفق